من حيَل الإعلام: التركيز على الحالات الفردية   4 تعليقات

سيلتهم هذا الوحش الكاسر أطفالكم ويرمل نسائكم.. لابد من مقاومته فورا

اليوم سنبدأ بفزورة.. حاول يا عزيزى القارىء إيجاد الصلة المشتركة بين المجموعة التالية من عناوين الأخبار:

-مؤيدو المعزول برابعة يتهمون مواطن بالسرقة ويقطعون أصبعه
-ملتح يحمل علم القاعدة يلقى بطفل من فوق خزان
-بالفيديو.. الإخوان يعتدون بالضرب على طفل برمسيس
-الجيش يعتقل تسعة مطلوبين على ذمة قضايا جنائية فى سيناء
-مسلم أمريكى يحاول تفجير طائرة بقنبلة فى حذائه
-إصابة أمين شرطة بمطواة أثناء إنقاذه لفتاة من الخطف
-ضبط رجل يرتدى نقابا للتسلل داخل سكن الطالبات
-مأساة نادية ذات الثمانى أعوام: توفت بنزيف ليلة زفافها

لو كنت خمنت أن العنصر المشترك كونها أخبار مفبركة فأنت مخطىء، ولو كنت خمنت أنها أخبار مبالغ فيها فأنت أيضاً مخطىء.. فجميعها أخبار صحيحة ودقيقة مائة بالمائة.

لكنها جميعاً حالات فردية.

فصحيح أن أحد المعتصمين المؤيدين للرئيس قطع أصبع لص.. لكن كم ألف معتصم لم يقطع أصبع أحد؟ ثم كم من عنف وقع فى تجمعات معارضيه؟
وصحيح أن ملتح يحمل (البيرق النبوى) ألقى بطفل من فوق خزان.. لكن كم نسبة الملتحين الذين قتلوا أطفالا، مقابل الأطفال الذين قتلهم “حِلّيقون”؟
وقد حدث أن الإخوان ضربوا طفلاً بالأيدى.. لكن كم طفل ضربه الإخوان مقابل كم طفل ضربه غيرهم بالمدافع لا بالأيدى، وبالسلاح الذى يُفترض أن يحموه به؟
وبالفعل اعتقل الجيش بعض المطلوبين على ذمة قضايا بسيناء.. لكن كم عدد “الخسائر الجانبية” التى أوقعها فى أرواح وممتلكات الأهالى مقابل اعتقال كل مجرم؟
وقد ثبت أن مسلم أمريكى (مشكوك فى سلامته العقلية) وُجد على متن طائرة بقنبلة فى حذائه.. لكن كم نسبة الجرائم التى يرتكبها مسلمو أمريكا مقارنة بعددهم؟
ولا شك أن بعض أمناء الشرطة ضحوا بأنفسهم لإنقاذ مواطنين.. لكن كم نسبتهم مقابل نسبة أمناء ومخبرون ضحوا بمواطنين أثناء التعذيب أو قبض الإتاوات؟
ومن الثابت أنه سيتم استغلال النقاب فى أى مجتمع يَسمح به لارتكاب بعض الجرائم.. لكن كم عدد الجرائم مقابل كم حالة زنى وهدم أسرة وتحرش منَعها النقاب؟
وقطعاً أن للزواج المبكر أضراراً فى بعض الحالات.. لكن كم عددها لنقارنها بأضرار تأخر الزواج؟ وهل تختفى حالات قتل الزوجات عند الزواج المتأخر؟

وهكذا يا عزيزى القارىء نجد أن الإعلام الموَجّه لا يعتمد على الإحصائيات والحقائق المكتملة.. بل يعرض لك حالة فردية شديدة الندرة بطريقة درامية يصحبها موسيقى ومؤثرات وأحياناً صراخ وبكاء مقدم البرنامج، ويركز عليها لأيام متتالية مكرساً لها الساعات الطوال من حلقات التوك شو وجلسات المناقشة المطعمة بآراء “الخبراء والمحللين”، حتى ليبدو للمتابع حسن النية أن السماء كادت أن تنطبق على الأرض بسبب تلك الواقعة المنعزلة، وبالمقابل يتجاهل ذات الإعلام الحالات الممنهجة والتى قد تؤثر على آلاف أو ملايين الناس.

ولا يخفى على متابعى مقالاتنا الأخيرة فى باب حيَل الإعلام أن هذا التكتيك -مثله مثل غيره- يُستخدم لتشويه الواقع فى عقل المشاهد لتحقيق أهداف أيديولوجية معينة. فبالتركيز على حالات فردية لأخطاء فئة من الناس (من منا لا يخطىء؟) والتركيز على حسنات الفئة المقابلة (من منا لا يُحسن؟) مع ترك الإحصائيات الموضوعية والمقارنات الشاملة ترتسم فى ذهن القارىء أو المشاهد صورة وهمية عما يجرى قوامها الإستثناءات. وعلى سبيل المثال كما ذكرنا أعلاه فقد ارتبطت صورة المسلم فى ذهن المواطن الأمريكى بسفك الدماء رغم أن نسبة مرتكبى جرائم القتل فى أمريكا من المسلمين أقل من نسبتهم فى المجتمع، وبالتالى فمن الناحية الموضوعية الإحصائية يكون المسلمون “أقل قتلاً” من غيرهم من الطوائف، لكن بسرد تغطية إعلامية ضخمة للقلة القليلة من جرائم المسلمين تتشكل فى ذهن المشاهد صورة معكوسة عن الواقع.

هل يعنى هذا أن نتجاهل أى دراسة حالة ونركز على الإحصاءات فقط لنكون موضوعيين ومحايدين؟ بالطبع لا، فالإحصائيات لا تعنى شيئاً دون فهم الحالات الفردية التى تمثلها تلك الإحصائيات.. فلن يفهم أحد دلالة معاناة 17% من سكان الأرض من الجوع ما لم يقرأ ويسمع عن وقع الجوع النفسى والبدنى. لكن العكس أيضاً صحيح.. فما فائدة مشاهدة عشرات الأفلام التسجيلية وقراءة مئات الدراسات العلمية عن ألم الجوع دون معرفة درجة انتشاره لنقارنه بدرجة انتشار غيره من المصائب كالأوبئة والحروب والتعذيب؟ ثم ماذا عن إحصائيات التخمة؟ وما هى الأمراض التى تسببها التخمة وهل هى أفضل أم أسوأ من تلك التى يسببها الجوع؟ لابد من أخذ كل ذلك فى الحسبان لتقدير حجم المشكلة الحقيقى وبالتالى تحديد أولويتها بين المشاكل الأخرى، لا التركيز فقط على صورة طفل يتضور جوعاً وترك الباقى.

ولذا فلا تُعتبَر دراسة حالة فردية ركّز عليها إعلامنا العربى طويلاً -وهى مقتل الطفل محمد الدرة على أيدى قوات الاحتلال- من قبيل التهويل الإعلامى أو البروباجندا كما ادعى الصهاينة. لماذا؟ لأن الإحصائيات تقول أن إسرائيل قتلت وأصابت أكثر من خمسة آلاف طفل فلسطينى منذ اندلاع الإنتفاضة الثانية وحتى اليوم، بينما يقابل هذا العدد بحوالى العُشر على الجانب الإسرائيلى. ولذا فكان حرياً بالإعلام الموضوعى أن يركز على الحالة التى تمثل 90% من الحوادث، وحرياً بالإعلام الموجّه والمنحاز أن يركز على تلك التى تمثل 10% فقط.

وكما اعتدنا فى نهاية كل مقال عن الإعلام أن نذكر طريقة لمكافحة حيله فنصيحة اليوم لتحصين نفسك يا عزيزى القارىء شديدة البساطة.. وهى أن تنظر للحالات الفردية فى إطار الإحصاءات الجماعية وليس خارجها. فإن لم تتوفر الأخيرة -ولو بشكل تقريبى وغير رسمى- فعليك بتجاهل الأولى تماماً حتى تعرف محلها من الإعراب.. فما أسهل التركيز على عدة أشجار فاسدة وتجاهل الغابة.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted أكتوبر 4, 2013 by حسام حربى in حيَل الإعلام

من أساليب السيطرة على الشعوب: المقدسات والفزاعات   Leave a comment

“ماما.. عاوز ألعب مع القطة”
“القطة كخ.. هاتعضك يا حبيبى”

“ماما أنا زعلان من تيتة.. تيتة شريرة”
“عيب يا ولد.. تيتة طيبة”

لا يلخص هذان الحواران القصيران طريبقة تربية الأطفال فحسب، بل يمثلان طريقة تربية الكبار أيضاً. ففكرة تقديس شىء -سواءاً استحق هذا التقديس أم لا- وفكرة الترويع من شىء -سواءاً كان هذا الترويع فى محله أم لا- تستمران معنا طوال العمر وحتى القبر.

فكر يا عزيزى القارىء فى كل المبادىء والمنظومات والمؤسسات والأشخاص التى كبُرنا على تبجيلها منذ الطفولة وحتى المراهقة.. ستجد أن الأسرة تتولى زرع ولاءنا لما يَلى منذ نعومة أظافرنا:
-الأسرة والعائلة
الوطن
-الدين
-الأمانة
-الصدق

وبعد الطفولة تتولى الدولة -من خلال منظومتها التعليمية وبوقها الإعلامى- إضافة عناصر أخرى للقائمة، مثلاً فى حالة مصر:
الجيش
-القضاء
-الأزهر
-التعليم الرسمى
-الأمن القومى (بحسب تعريف السلطة له)

وبالمثل فكما يفزّعنا الأهل وقت الصِغر من القطط الضالة والطعام المتسخ والسيارات المارة، تتولى الدولة ومنتفعيها بعد الكِبَر إفزاعنا من أشياء أخرى.. وعلى سبيل المثال أيضاً فى حالة مصر:
الإرهاب (دون الإلتزام بالضرورة بتعريف الأمم المتحدة له “استخدام العنف ضد المدنيين لتحقيق أغراض سياسية”)
-حمل المواطنين للسلاح
-حماس وغزة

ونحن إذ نلفت النظر لهذه الظاهرة فنحن لا نتفق أو نختلف بالضرورة مع كل نقطة أعلاه، لكننا نلفت النظر إلى عنصرين دائماً ما يصاحبان حالات التقديس والتفزيع:

أولهما هو خدمة مصالح الجهة المروّجة. فعندما تحثك أمك على طاعتها فهذا يخدم مصالحها لئلا ترهقها فى تربيتك، وعندما يحثك أبيك على الصدق والأمانة فهذا يمنعك من خداعه أو سرقته، وعندما تحثك الدولة على احترام مؤسساتها فهذا يسهّل سيطرتها على فكرك وتصرفاتك ومواردك، وعندما يحثك رجل الدين على احترام النصوص وتفسيراته لها فهذا يؤهلك لاتباع فتاويه وآراءه.

هذا لا يعنى بالطبع أن تقديس هذه الكيانات لا يأتى بتأثير جانبى إيجابى على الفرد والمجتمع. فتبجيل الأهل فى الصغر ورعايتهم عند الكبَر يشجع الشباب على الزواج والإنجاب، والاستسلام لمؤسسات الدولة يجنب أهلها النزاعات والإقتتال الداخلى، كما أن إعلاء مبادىء الأمانة والصدق شرط ضرورى لتسيير المعاملات التجارية والاجتماعية، ولن نحتاج للخوض فى مناقب تبجيل الدين (أو ما يقوم مقامه من أيديولوجيا) إذ أن أى مجتمع لا يقوم دونه.

أما العنصر الثانى المصاحب احالات التقديس و التفزيع -والذى نود التركيز عليه اليوم- هو المبالغة. فبدون مبالغة لا يكون التقديس تقديساً ولا يكون التفزيع تفزيعاً. فالأم إن نهت طفلها عن اللعب مع القطط المريضة فقط فهى لا تكون قد خلقت فزاعة من القطط، بل تكون اشترطت شروطاً معينة وعقلانية تختفى باختفائها. ولو فرضت الدولة احترام الجيش إبان الحروب فقط (ففى أمريكا مثلاً يسمح القانون للحكومة بتقييد حرية التعبير وقت الحرب) لا تكون الدولة قد قدست الجيش. ولو أن القانون منع ذوى السوابق والإشتباه فقط من حمل السلاح لا يكون قد خلق فزاعة من تسلح المواطنين ومن عدم احتكار الدولة للسلاح. ولو أن السلطات تعاملت مع الإرهاب بصفته جريمة عادية مثلها مثل السرقة والقتل وتخريب الممتلكات لا تكون قد خلقت منه فزاعة بل تكون قد واجهته بصورة طبيعية وعقلانية.

لكن الطبيعية والعقلانية لا يخدمان مصالح الكبار. الكبار لا يريدونك أن تفكر وتزن المصالح والمفاسد.. بل يريدونك أن تخر ساجداً لما قدّسوه لك، وتهرع هارباً مما حذروك منه.

فى السنوات العشر اللاحقة لأحداث 11 سبتمبر زاد عدد الأمريكيين الذين يفضلون ركوب السيارات على الطائرات للسفريات القصيرة، ولأن ركوب الطائرة أكثر أماناً من ركوب السيارة فقد تسبب هذا السلوك اللاعقلانى فى زيادة عدد وفيات حوادث الطرق حتى تكاد تقترب هذه الزيادة اليوم من ضعف عدد ضحايا أحداث سبتمبر ذاتها[1]، بالإضافة للخسائر المادية والإختناق المرورى. هذا نموذج تقليدى للفزاعة.. فالأمريكيون ينامون ويستيقظون على نشرة أخبار تحذر من الإرهاب، أو فلم هوليوودى يخوّف من الإرهابيين، أو خطبة رئاسية تَذكر كيفية مكافحة الإرهاب، حتى خُيّل إليهم أن الإرهاب الذى لا يكاد يظهر ضحاياه على بيان إحصائى مقارنة بضحايا الجرائم الأخرى العادية (14 ألف جريمة قتل فى أمريكا سنوياً[2]) يهدد دولتهم بالفناء وحضارتهم بالدمار. صاروا يرون إرهابياً فى كل طائرة وقنبلة فى كل لحية ومخطط تفجيرى فى كل ميدان.. ونتيجة لردة فعلهم العنيفة من إجراءات أمنية داخلية وحروب خارجية وتصنت على الإتصالات إلخ لمواجهة هذا “التهديد” وصلت خسائر أمريكا المتحققة والمستقبلية من حربها على الإرهاب خمسة ترليونات دولار[3]، وهى خسائر ما كانت لتتحقق حتى لو تكررت هجمات سبتمبر مائة مرة. كل ذلك صنيعة فزاعة “الإرهاب” التى نجح الإعلام الأمريكى نجاحاً مدوياً فى نفخها والمبالغة فى أثرها بشكل يضاهى أساطير الشعوب القديمة حول الوحوش والعفاريت وأبو رجل مسلوخة.

فزاعة أخرى قد تحدثنا عنها باستفاضة فى مقالات سابقة هى “اضطهاد المرأة” التى اخترعتها المنظمات النسوية المتطرفة فى الغرب ومولت نشرها بسخاء مؤسسات حكومية وشبه حكومية بغرض إيجاد ذريعة لتدخل الدولة فى الحياة الشخصية للمواطنين وجبى مزيد من الضرائب “لمكافحة كارثة اضطهاد المرأة”. وقد ظلوا يكررون ويبالغون فى الأمر حتى وصل الحال اليوم إلى اشمئزاز معظم الغربيين من مجرد فكرة تستر المرأة عن الرجال الغرباء أو مكوثها فى المنزل لرعاية أبنائها أو عدم تأخير زواجها، وما كان ذلك ليحدث أبداً لولا فزاعة اضطهاد المرأة وتقديس مساواتها بالرجل والتى ملأ الإعلام بهما رؤوس الغربيين طيلة ما يقرب من قرن من الزمان.

ويلحق بقطار المقدسات فكرة مجانية التعليم.. فلربما كانت فكرة طيبة أن تتولى الدولة تعليم الحد الأدنى من المهارات الأساسية كالقراءة والكتابة والحساب للأطفال لأهمية ذلك للطفل والمجتمع معاً، لكن التقديس والمبالغة يظهرا فى تولى الدولة مسؤولية التعليم حتى يصل المواطن لسن العشرين بل يزيد. ومرة أخرى نجد المصلحة متجذرة فى هكذا تقديس، فبإقناع الجماهير بضرورة تلك السياسة تسيطر الدولة على عقول الأطفال والشباب لأطول فترة ممكنة، مما يمكنها من زرع -أو نزع- فيهم ما تشاء من أفكار وتوجهات، كما توظّف على حس هذه المهمة المقدسة جيوشاً جرارة من التربويين والإداريين الذين عادة ما يكون ولاءهم لها.. فمعروف أن موظف الحكومة لا يثور لخوفه على رزقه. وما كان الشعب ليقبل بهذا النظام الباهظ مالياً وسياسياً إلا بسبب تقديس سياسة مجانية التعليم.

وقطاع غزة ليس ببعيد عن الفزاعات التى تحذر منها الحكومة المصرية بشتى الذرائع التى تصل للكوميديا أحياناً. وقد أوضحنا فى مقالنا الأسبق “ثمانية أكاذيب” استحالة خلق القطاع لأزمة سولار وكهرباء لمصر بسبب قلة عدد سكانه (1.7 مليون) وانخفاض مستوى دخلهم الشديد (1200 دولار سنويا)، كما خضنا فى مقال “هجوم رفح.. إدينى عقلك” فى استحالة قيام حركة حماس بهجوم رمضان على الجنود المصريين، وهى تهمة مِن أهم الأدوات الإفزاعية المستخدمة ضد حماس حتى وإن افتقرت إلى دليل واحد. وإضافة إلى ذلك فيُتهم مَن يعترض على نزع سلاح البدو -وهم درع سيناء منزوعة السلاح- بالإساءة فى حق المقدس الجديد المُسمى بالأمن القومى.

أما أحدث الفزاعات على الساحة المصرية وبعض الساحات العربية فهى “الأخوَنة”، والحقيقة أن المرء ليعجز عن الرد على أكاذيب الإعلام فى هذا الشأن.. وحسبُنا ما رصده النشطاء من الـ24 كذبة المسيئة للإخوان فى مختلف وسائل الإعلام خلال 24 ساعة فقط فى يناير الماضى[4]، علماً بأن هذا المعدل المعقول (كذبة واحدة فقط كل ساعة) كان قبل الإنقلاب وقبل إغلاق المحطات الإسلامية التى كانت ترد بوجهة النظر الأخرى.

وكما اعتدنا يا عزيزى القارىء فى باب حيَل الإعلام أن نذكر كيفية مقاومة كل حيلة فسنقترح اليوم طريقة لطيفة لاكتشاف الفزاعات والمقدسات.. وهى أن تتساءل -عند تقييم سياسة من السياسات- ما سيكون عليه رأى إنسان بدائى يعيش فى الغابة منذ آلاف السنين فيها. فهل سيوافق هكذا رجل على قلب الغابة رأساً على عقب بسبب بضعة جرائم تخريبية يقف وراءها مجهولون؟ أم تراه سيوافق على قصف الأطفال[5] وتصوير مواجهات وهمية واقتحامات مفبركة[6] لإقناع العامة بوجود مجرمين لا وجود لهم؟ هل سيستسلم لاحتكار رئيس القبيلة ورجاله للأسلحة دوناً عن باقى أفرادها تحت ذريعة حفظ الأمن ومنع الجرائم؟ هل سيرضى عن السعى الهستيرى لحرمان حلفائهم من القبيلة المجاورة من السلاح بل ومن الطعام؟ هل سيقر اقتطاع شيخ القبيلة ما يقارب من خُمس ميزانية القبيلة لتلقينهم علماً لا ينفع وجهلاً لا يضر؟ أم هل سيقبل بتدخل مجلس حكماء القبيلة فى كل صغيرة وكبيرة بينه وبين زوجته حتى يصل الأمر لفراش الزوجية وحق حضانة الأطفال إبان الطلاق؟ وقِس على ذلك أى سياسية شمولية أخرى تأكل من حق الفرد لصالح السلطة المركزية..

بالطبع لا، لن يقبل رجلنا الحُر بأىٍ من ذلك. لكن ليس لأنه ذكى أو خبير بالمؤامرات التى يحيكها الكبار فى الخفاء، بل ببساطة لأنه لم يكن قد تعرض بَعد لما تعرضت له سلالته من غسيل مخ فى العصر الحديث.. عصر المقدسات والفزاعات.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

المصادر
[1]https://www.schneier.com/crypto-gram-1309.html#12
[2]https://en.wikipedia.org/wiki/Crime_in_the_United_States
[3]http://nation.time.com/2011/06/29/the-5-trillion-war-on-terror/
[4][25]http://www.klmty.net/2013/01/24-24.html
[5]https://www.youtube.com/embed/TMBb4P4-uGc?rel=0
[6]https://www.youtube.com/watch?v=HKjxZJ2AK44

Posted سبتمبر 20, 2013 by حسام حربى in حيَل الإعلام

من ألاعيب الإعلام: الضحية الطيبة والضحية الشريرة   Leave a comment

قد تستغرب الإصطلاح المستخدَم فى العنوان يا عزيزى القارىء كما استغربته أنا عند قراءته لأول مرة. لكن لا تتعجب.. فكما يقسّم الإعلام كل شىء إلى طيب وشرير فالضحايا ليسوا استثناءاً، فمنهم الطيب ومنهم الشرير.. لكن ما هى الضحية الطيبة وما هى الضحية الشريرة؟

الضحية الطيبة ببساطة هى ضحية أعداءك، أما الضحية الشريرة فهى ضحية حلفاءك. وقد لوحظ هذا الإتجاه بوضوح على سبيل المثال فى توجهات المفكرين الموالين للحزب الديمقراطى بأمريكا، حيث ظلوا طوال فترة حكم بوش يبكون ضحايا حروبه من العراقيين والأفغان فى كتاباتهم ومقالاتهم، فحينها كان هؤلاء الضحايا “طيبين” أى مستحقين للشفقة والرحمة وكف الأذى. حتى إذا ما تبدلت القيادات وصار ضحايا الحروب هم ضحايا أوباما بدلاً من بوش سكتت أقلام أولئك الكتاب وكفت عن رثاء حقوق الإنسان الضائعة وأرواح الأبرياء الزاهقة التى كانوا ينوحون عليها بالامس. ومن قبل هذا رأينا تعاطف الإعلام الأمريكى والغربى مع ضحايا أحداث سبتمبر الـ3000 الأمريكيين وإبراز معاناة أسرهم، دون الإلتفات لضحايا أمريكا من حصار العراق فى التسعينات والتى تعدت نصف مليون طفل قضوا بسبب نقص الغذاء والدواء ومنع استيراد أجهزة تنقية المياه

هذه السياسة شديدة المحورية فى أى صراع فكرى.. فلا يوجد جريمة دون ضحية، ولا يوجد تعاطف دون ضحية، ولا يوجد غضب دون ضحية.. إن الضحية دائماً ما تلعب الدور الرئيسى لتأجيج المشاعر وشحن العواطف ضد الفئة المستهدَفة

وقد شهدنا فى الأزمة السياسية الحالية بمصر نماذجاً كثيرة للضحايا الطيبين الذين تعاطف الإعلام معهم، منهم على سبيل المثال..
-سكان منطقة رابعة العدوية
-لص المحمول الذى قٌطع اصبعه
-قتلى ومصابو الجيش والشرطة (فقط)
-الأمن القومى المهدد (دون الإلتفات لضحايا هذا “الأمن القومى” من بدو سيناء)
-المعتصمون والمتظاهرون المتضامنون مع الإخوان (باعتبارهم ضحايا غسيل مخ و”خطف ذهنى” وليسوا ضحايا رصاص الجيش والشرطة)
-نساء الإخوان والمتعاطفات معهن اللائى تظاهرن ضد الإنقلاب (باعتبارهن ضحايا الإخوان الذين زجوا بهن فى الصراع وليسوا ضحايا من أطلق عليهن النار)
-الأطفال الذين اصطحبهم أهليهم للإعتصام (باعتبارهم ضحايا أهاليهم الذين “يتاجرون بهم”)
-حيوانات حديقة الحيوان (باعتبارها ضحايا المعتصمين وليست ضحايا الحبس والأقفاص الضيقة منذ البداية)

والطريف أنه فى ظروف متطابقة وبالتحديد إبان الثورة لم يكن أحد يبكى أياً من هؤلاء الضحايا.. لا الأطفال الذين اصطحبهم أهليهم لميدان التحرير، ولا النساء اللائى تظاهرن ضد مبارك، ولا المتظاهرين المخطوفين ذهنياً، ولا البلطجية المأسورين المضروبين من قِبَل الثوار، ولا جنود وضباط الشرطة الذين تعرضوا للضرب، ولا سكان ميدان التحرير وتجاره الذين قطعت أرزاقهم.. فجميعهم كانوا “ضحايا شريرة” وقتذاك (أو لم يكونوا ضحايا بالمرة) لرغبتنا فى استمرار الثورة وإتمام نجاحها

لاحظ أيضاً أنه كان يمكن للمحطات الإسلامية لو لم يتم غلقها أن تبرز العديد من الجهات الأخرى على أنها ضحايا، فعلى سبيل المثال جنود الأمن المركزى ضحايا التجنيد الإجبارى، والسائقون المقطوعة أرزاقهم ضحايا الجيش الذى أغلق العديد من الشوارع قرب مراكز الإعتصام إلخ.. فقدرة الإعلام فى تسليط الضوء على ظاهرة لم يكن يلقَى لها بالاً وجعلها كارثة محققة لابد من إيقافها بأى ثمن لا توصف بأقل من كونها سِحر

وقد لمسنا هذا الموضوع فى عدة مقالات سابقة كالمتعلقة بالمرأة، حيث أشرنا لمحاولة الحركات النسائية تصوير دور النساء التاريخى على أنه دور الضحية بسبب حرمانهن من مناصب السياسة وصنع القرار، بينما تجاهلت تضحيات الرجال فى الدفاع عن الوطن والموت فى الحروب والكد للحصول على لقمة العيش لإطعام الأسرة فى أعمال جلها شاقة وخطرة. ومرة أخرى نجد هنا ضحايا طيبة (النساء) وضحايا شريرة (الرجال). وسنتكلم فى باب الحُكم وإدارة الدولة -إن كان فى العمر بقية- عن محاولة الإعلام الحكومى تصوير الأطفال الذين يعملون منذ سن مبكرة على أنهم ضحايا بهدف جذبهم للنظام التعليمى الحكومى الذى يزرع فى عقولهم الصغيرة ما تريده الدولة من توجهات، رغم أنه يمكن أيضاً تصوير الأطفال المثقلة كاهلهم بالواجبات المدرسية والخوف من الإمتحانات وتصوير أهاليهم المعانين من مصاريف الدروس الخصوصية على أنهم ضحايا النظام التعليمى الفاشل. لكن مرة أخرى يُعتبر هؤلاء ضحايا شريرة لا تستحق الإلتفات ولا التعاطف بل لا وجود لها أصلا

وكما نحاول اقتراح حلول عملية لمكافحة حيَل الإعلام فى مقالات هذا الباب نقترح هنا حلاً للقارىء يمكّنه من مقاومة تلك الحيلة.. وهو النظر للأمور دوماً نظرة شاملة لا جزئية. ففور رؤيتك لوجهة نظر تحاول كسب تعاطفك مع “ضحية طيبة” اسأل نفسك فوراً -قبل أن تسمح لها بالتأثر- عما لو كان هناك “ضحية شريرة” على الجانب الآخر. فإن لم تجد -وهذا نادراً ما سيحدث- فلعل وجهة النظر تكون محقة بالفعل، أما إن وجدت فابدأ بمقارنة أى الضحيتين أولى بالشفقة والإنحياز، الطيبة أم الشريرة

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted أغسطس 30, 2013 by حسام حربى in حيَل الإعلام

خمسة طرق يقع بها عقلك الباطن فريسة للإعلام   Leave a comment

تروى الأسطورة أن الجيوش الإغريقية حاصرت مدينة طروادة عشر سنوات بغية اقتحامها لكنها مُنيت بالفشل، فلجأ قادة الجيش لحيلة ماكرة، وهى تصنيع حصان خشبى عملاق دسوا فيه جنودهم ثم تظاهروا بالإنسحاب.. فخرج سكان المدينة وقاموا بجر الحصان الجميل إلى الداخل. وتحت جنح الليل خرج الإغريق فاتحين البوابات لأقرانهم الذين نهبوا المدينة ودمروها تماماً. هذه الرواية وإن كان فى حقيقة وقوعها بهذه الصورة شك تاريخى، إلا أن الذى لا شك فيه هو حدوثها كل يوم وكل ساعة لكن بين خصمين مختلفين.. وهما الإعلام وعقلك الباطن. فالإعلام الحديث لم يعد يهاجم عقول الناس بطريقة مباشرة ومكشوفة كما كان الحال فى الماضى، بل يلتف ويتحوّر داساً السم فى العسل ومخبئاً الجنود فى الحصان كى يفتحوا ذهن المشاهد وقلبه لرسالة الإعلام التى تسيطر عليه دونما يدرى. ونستعرض فيما يلى بعضاً من أقوى الحيل المستخدمة لتحقيق ذلك..

1-الذروات العاطفية وقت ضعف:
أفضل طريقة لترويج فكرة هى حقنها فى مخ المشاهد أو المستمع أو القارىء فى وقت يكون عقله مخدّراً فيه.. وتلك الأوقات تتمثل فى الذروات العاطفية سواءاً الحزن الشديد -كرؤية طفل مريض مطلوب تبرع لعلاج أمثاله- أو الفرح الشديد -كصياغة فكرة بطريقة ساخرة وكوميدية- أو التحمس الشديد -من نوعية خطب هتلر وعبد الناصر-، ففى تلك الحالات يكون العقل مغيباً وعلى استعداد لتلقى أى معلومة تقريباً بلا نقاش ولا جدال. والحقيقة أنى من فرط التفكير فى ذلك الموضوع نمت عندى “حساسية” من تلك الحالات.. فإن شاهدت إعلاناً لمستشفى السرطان يُظهر الأطفال يتألمون مثلاً يدق عندى ناقوس الخطر فوراً وينتابنى إحساس بأن هناك من يحاول خداعى والتأثير على مشاعرى، وإن شاهدت أو قرأت خطبة حماسية عن “إعادة المجد للإسلام” دون أن يخوض الخطيب أو الكاتب فى تفاصيل كيفية إعادة هذا المجد ينتابنى التشكك فى كلامه بدلاً من الإنجراف فى التيار العاطفى وهكذا. ويراعَى هنا أن الإعلام الناجح يتجنب الذروات العاطفية التى تقلب أهدافه.. فلا يُظهر أبداً جندى العدو مثلاً وهو جريح ينزف لإلا يتعاطف معه ذوى القلوب الرقيقة، بل يظهره فى أشد حالات البطش والتجبر ويصاحب ذلك مقطع آخر له وهو خائف من مهاجمة الجنود البواسل مثلاً فيجتمع إحساس المشاهِد تجاهه بالكراهية والاحتقار فى آن واحد

2-الشد والإرخاء لقتل العزيمة:
قلما تُفرَض الأوضاع الجديدة السيئة -كضريبة جديدة أو قيام حرب مثلاً- كأمر واقع مفاجىء على الشعوب، بل يسبقها “تسريب” ثم “مناقشة” ثم “تمهيد” ثم “تراجع” ثم “عودة” إلخ، كل ذلك بهدف استنزاف طاقة الشعب النفسية على المقاومة والإعتراض.. فلن يثور أحد إن تسربت شائعة بأن الحكومة ستفرض ضريبة جديدة على االعقارات، ولن يثور أحد إن تم الإعلان بعد ذلك عن مناقشة قانون ضرائب عقارية، ثم لن يثور أحد عند قرار بدء الضرائب الجديدة من العام المقبل بدلاً من العام الحالى، فهم قد تهيأوا نفسياً بالفعل فى كل مرحلة من التدرج السابق. كذلك لو كانت اسرائيل قد قامت فجأة منذ ثلاثين عاماًُ مثلاً بإعلان نيتها لهدم المسجد الأقصى -أو هدمته فجأة دون إعلان- فكان سيقوم العالم الإسلامى عليها ولا يقعد بما فى ذلك دق طبول الحرب جدياً. لكنها إن قامت بحفريات ومطالبات وتهديدات ومحاولات إقتحام كل فترة على مدى عشرات السنين فستقوم الدنيا “بعض الشىء” عند كل استفزاز جديد.. ونتيجة لهذه السياسة التدريجية يصاب المسلمون فى النهاية بحالة من التبلد والتوقع واليأس وهى حالة تسمح للصهاينة بعمل ما يريدونه من هدم كلى دون أن يزيد رد الفعل عن “بعض الشىء” أيضاً لأن الناس قد ملت من الاعتراض والشجب والإدانة وأفرغت شحناتها الغاضبة مرات عديدة حتى استنفدت طاقاتها تماماً

3-تسويق المنتج من خلال الإرتباط:
يعمد مسوقوا المنتجات فى إعلاناتهم المختلفة إلى ربط منتجهم بشىء جالب للسعادة حتى لو لم يكن ذو علاقة بالمنتج. فنجد مثلاً فتاة حسناء فى إعلان للجبنة، ونجد غابة مليئة بالأشجار فى إعلان سيارة، ونجد شوارع نظيفة وغرفة نوم مُرتبة فى إعلان ملابس! ولعل القارىء يظن أن هذا النوع من الربط لا يؤثر عليه لأنه ذكى وعقلانى، لكن هذه التجربة[1] تثبت العكس: فقد تم الإتيان بمجموعتين من المتطوعين لإختبار ذلك التأثير عليهم عند إختيارهم لنوع من الأقلام يشتروه. قيل للمجموعتين أن أحد الأنواع أفضل من الآخر، إلا أن العلماء فعلوا شيئاً بمجموعة لم يفعلوه مع الأخرى: عرضوا أمامهم صوراً تَظهر وتختفى سريعاً للنوع الأسوأ من الأقلام بجانب أشياء أخرى إيجابية (لا تذكر التجربة ما هى تلك الأشياء، لكننا سنفترض أنها من نوعية الفتيات الحسناء والغابات الخضراء). فماذا كانت النتيجة؟ ما بين 70 إلى 80% من أفراد تلك المجموعة إختارت القلم الأسوأ! وذلك رغم علمهم التام بأن خصائصه لا تضاهى القلم الآخر. هذه التجربة مخيفة، وتوضح مدى لاعقلانية الناس فى إختيار المنتجات وقوة تأثير الطريقة التى يتم عرض المنتجات بها.. فما بالك لو تحدثنا عن “تسويق” الآراء السياسية والدينية والأخلاقية والتى يكون تحديد “الأفضل” فيها أكثر صعوبة وتعقيداً من المنتج المادى؟ لا شك أن مجال التلاعب بالعقول هنا أوسع بكثير. ولهذا نجد كثيراً من الإعلانات تقدم المنتَج من خلال ممثل أو رياضى مشهور ومحبوب.. بل ويُصر الإعلام على تقديم وجهة نظر السادة الفنانين السياسية رغم أنه من الناحية العقلانية البحتة لا توجد علاقة بين رأى ممثل فى منتج أو فى حزب وبين شراء الناس لهذا المنتج وتأييدهم لذلك الحزب. لكن لأننا -للأسف- لسنا آلات عقلانية فهذه الطرق مجدية ومؤثرة

4-تسويق الفكرة من خلال الإرتباط:
ومن أقوى الطرق تأثيراً فى عقلية المشاهد أو القارىء هى ربط الأفكار لتكوين صورة نمطية تلتصق فى الذهن. فلو أردت أن أبرهن لك مثلاً على أن الإلحاد والشيوعية يتسببان فى القتل والدمار فلن أذكر كلمة الإلحاد إلا وأنا أذكِّرك بما فعله ستالين و مَوتسى تُنج حتى تنطبع فى ذهنك صورة معينة عن الملحد بأنه شخص قاس بلا ضمير ولا يتورع عن ارتكاب أفظع الجرائم، كما لن أبرح عن تذكيرك بمناقب الأديان التى تدعو للرحمة والصدقة والأخلاق الخ. والعكس صحيح فإن أردت أن “أعقِّدك” من فكرة الدين فسأذكر لك أحداث الفتنة الكبرى والحملات الصليبية وما ارتكبه جورج بُش باسم الدين وصورة لقاتل ملتحى إلخ كى أرسم فى بالك فكرة عن الشخص المتدين (أو الشخص المسلم فقط.. حسب المطلوب) أنه سفاح متخلف منغلق العقل ولا يفكر فى أى شىء سوى إراقة الدماء ظناً منه أنها أوامر الله. وإن أردت أن أكرّهك فى الأوربيين فسأذَكّرك بأحداث التاريخ التى تصرفوا فيها بوحشية كإبادة سكان الأمريكتين وأستراليا وما فعله ليوبلد ملك بلجيكا بالأفارقة من قتل وعاهات وما فعله تشرشل فى العشرينات من هجوم على العراقيين بالغاز السام الخ.. فبمشاهدة فلم تسجيلى بعد آخر وقراءة مقالة بعد أخرى عن تلك الفظائع ترتسم فى ذهنك صورة معينة عن الرجل الأبيض مثل صورة الشيوعى الملحد فى مثالنا الأول. وبالمقابل فيمكن إعداد مقالة أو برنامج تسجيلى عن الأدوية والإختراعات الحديثة التى ابتكرها الأوربيون وكيف سهَّلت حياتنا كثيراً الخ فترتسم فى ذهنك فكرة معاكسة تماماً عندما تسمع كلمة “أوربى” وهى صورة عالِم ذو شعر رمادى وملامح إنسانية حنونة يرتدى بالطو أبيض ويقبع فى معمل يجرى التجارب المختلفة لإنقاذ البشرية من الأمراض والأوبئة! ولإدراك مدى التأثير العملى لتلك الممارسات تأمل كيف تم استخدامها ضدنا.. فبتكرار نماذج سلبية عن العرب والمسلمين تمكنت هوليود من رسم صورة نمطية عنهم كهمج متخلفين يأمرهم دينهم بقتل الآخرين ويسيئون معاملة المرأة[2] حتى أن أحد الإحصائيات تقدر أنه مِن بين ألف فلم أظهر عرباً ومسلمين مِن سنة 1896 حتى سنة 2000 لم يظهروا بصورة إيجابية سوى 12 مرة وصورة محايدة 52 مرة والباقى صوراً سلبية! وعلى مر السنين تراكمت تلك الصورة بشكل مستحكم حتى اذا ما جاء اليوم الذى تُقرر فيه الحكومة الأمريكية ضرب أو احتلال بلد مسلم تجد المعارضة لمثل هذا الفعل شبه منعدمة.. فمن الذى سيرفض قصف همج متوحشين يريدون القضاء على أمريكا و هم -فوق ذلك- يسيئون معاملة المرأة؟

5-إقناعك بما يجب أن يسعدك وما يجب أن يتعسك:
وعن طريق الإعلام وغسيل المخ أيضاً يمكن جعل الناس تشعر بالسعادة والرضى إزاء وضع معين أو الشعور بأنه جحيم لا يطاق تبعاً للجانب الذى يبرز منه. فمثلاً عن طريق ملصقات تدعو لنبذ الإنجاب بها صورة رجل وامرأة شباب يملأهم الجمال والحيوية وهم سعداء لكونهم بلا أطفال وتكرار تلك الصورة وتذكير الجمهور بمصائب الأطفال ومصاريفهم وضررهم على كوكب الأرض وويلات الزيادة السكانية وما تتسبب فيه من زحام وحروب وصراعات على الموارد المحدودة إلخ تنطبع فى الذهن فكرة شديدة السلبية عن الإنجاب وأنه ضار فى مجمله وأقرب للحيوانية. وهذه السياسة (الى جانب عوامل أخرى مساعدة) لاقت نجاحاً كبيراً فى بعض الدول الغربية لدرجة أنه لا يَمنع تعداد السكان من الإنخفاض بها اليوم سوى موجات المهاجرين الذين ينجبون مثل الأرانب.. وتتنبأ الأمم المتحدة أن يقل تعداد سكان أوربا بمقدار 75 مليون نسمة بحلول عام 2050 وأن يقل سكان اليابان 16 مليون نسمة بحلول نفس العام. وعلى الجانب الآخر فيمكننا تخيل مدى تأثير حملة معاكسة تُظهر الأب والأم سعداء والأبناء من حولهم وتخوّف من عدم الإنجاب بتصوير شيوخ كُهّل يشعرون بالوحدة ولا يسأل عنهم أحد الخ. أذكر أيضاً إعلاناً ضد عمالة الأطفال كان يذاع منذ سنوات طويلة فى مصر -وبصراحة لا أذكر أن شيئاً كان يحرق دمى أكثر منه وأنا صغير- كان يُظهر الطفل العامل مثل صبى الميكانيكى وهو ينظر إلى الأطفال الذاهبون للمدرسة سعداء فرحون، بينما تملأ عينيه نظرات الحسرة والتعاسة لعدم قدرته على التمتع بتلك “النعمة” كالمحظوظين الذين يقضون يومهم فى المتعة والنشوة الدراسية (لكن للإنصاف فهناك جزء حقيقى من ذلك الإعلان.. فالذى يتخرج من المدرسة ثم الجامعة يقضى عدة سنوات وهو عاطل فى سعادة وهناء على القهاوى والنوادى وهذا بالتأكيد أفضل من شغل ميكانيكى أو غيره). وهكذا يتمكن صانع السياسة من الإمساك بدفة مشاعر الجماهير فيحولها للقبلة التى يريدها حسب متطلبات البلد أو -فى أغلب الأحوال- حسب قناعاته الشخصية بما يجب أن تسير عليه الأمور

وكما اعتدنا فى هذا الباب يا عزيزى القارىء فسننهى المقال بطرق مضادة للتغلب على الحيل المذكورة. فإن رأيت أى شكل من أشكال التوجيه الإعلامى المقروء أو المسموع أو المشاهَد فعليك -قبل الإنجرار فى فحوى الرسالة وتفاصيلها- أن تسأل نفسك ماذا يريد منى هذا الإعلان أو هذا البرنامج؟ وما مصلحة من بذل مالاً وجهداً فى إنتاجه؟ وما الذى سيعود علىّ إن اتبعت وجهة نظره وما الذى سأخسره؟ وهل هناك وجهة نظر مضادة يتبناها صديق مثلاً أو يمكن البحث عنها على الإنترنت كى أكون ملماً بالصورة كاملة؟ وباختصار.. فعليك بالتساؤل عما بداخل الحصان قبل إدخاله للمدينة!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

[1]http://www.psychologytoday.com/blog/ulterior-motives/201008/what-does-advertising-do
[2]ونتيجة سيطرة المنظمات النسوية على الإعلام الغربى صار الغربيون يعتبرون إساءة معاملة المرأة أسوأ من السرقة والقتل، كما يعتبرون المعاملة العادية للمرأة إساءة لها

Posted أغسطس 16, 2013 by حسام حربى in حيَل الإعلام

خمسة حيَل كلامية يخدعك بها الإعلام   Leave a comment

حين يتعرض الطفل فى بداية حياته لوسائل الإعلام لا ينظر لها نظرة شك وريبة.. فالذى يراه فى التلفاز أو يسمعه فى الراديو أو يقرأه فى الجريدة يكون بالنسبة له حقائق محضة لا تقف وراءها أجندات أو تسييس أو خداع. ثم شيئاً فشيئاً عندما يكبر قد يفطن -وقد لا يفطن- إلى أن باطن الأمر ليس كظاهره، وأن وراء كل خبر وكل عنوان بل وكل كلمة تخطيطاً وهدفاً محدداً لإيصال فكرة معينة إلى عقله. ونستعرض فيما يلى بعض حيل التلاعب بالألفاظ التى يستخدمها الإعلام للتأثير على آراء المشاهدين وقناعاتهم..

1-استخدام كلمات تشكيكية أو تأكيدية:
قارن عزيزى القارىء بين هذين الخبرين: “مقتل ثلاثون أفغانياً بغارة جديدة للنيتو” و “مصادر أفغانية تقول بمقتل ثلاثون أفغانياً بغارة للنيتو”.. هل لاحظت الفارق؟ مع أن الخبرين مستندين إلى نفس الحدث إلا أنه يمكنك قراءة الأول على قناة الجزيرة مثلاً والثانى على السى إن إن. السر هو كلمة “مصادر تقول”.. فالمحطة تخبرك أن هناك من يقول الخبر وهذا يثير ريبتك تلقائياً. فأنا إن قلت لك “فلان ربح مليون جنيه” ستصلك معلومة أنه ربح مليون جنيه فعلاً.. أما إن قلت لك “فلان يقول أنه ربح مليون جنيه” فهذا كأنى عملياً أقول لك “فلان يكذب”. وأيضاً فاستخدام مصطلح “غارة جديدة” بدلاً من “غارة” يذكرك بأن هذا أمر معتاد ومتكرر وبالتالى يدفعك أكثر إلى تصديقه.

2-طرح تساؤل كبديل للخبر المزيف:
من الوسائل الأكثر دهاءاً فى الصحافة هى عرض معلومة تكون الأدلة عليها محدودة على صورة تساؤل كى لا “يمسك” أحد على الجريدة شيئاً.. فيُمحى التساؤل من الذهن وما يتبقى هو المعلومة دون الخوض فى التفاصيل خاصة اذا كان القارىء يتصفح العناوين فقط. مثلاً تخيل أنك قرأت عنوان مقالة تتساءل “هل أسلم بابا الفاتيكان قبل وفاته؟”، فلو أنك قرأت العنوان فقط كما يفعل القارىء العادى لمعظم الأخبار فستنطبع فى ذهنك معلومة أن “البابا أسلم قبل وفاته” دون مراجعة الأدلة والقرائن التى قد لا تزيد عن قوله لمسلم “السلام عليكم” مثلاً. وقد يوضع أيضاً الخبر أو التحليل معكوساً بصورة نقدية مثل “هل يصلح النظام الإسلامى بعد مرور أربعة عشر قرناً على نشأته؟” فينطبع فى ذهنك أنه لا يصلح دون معرفة حُجج هذا الإدعاء وأدلته خاصة إن تكرر بصور مختلفة تؤدى إلى ثبوت “المعلومة” فى ذهنك.. ويصعب إزالتها فيما بعد إلا بنفس القدر من التكرار فى الإتجاه العكسى.

3-إبراز أو إخفاء حقائق معينة فى العنوان:
لاحظ أن كل مثال من الأخبار الآتية مصدره حقيقة واحدة تم ذكرها بطريقتين -إحداهما تذكر بعض الحقائق فى العنوان والاخرى تخفيها- حسب أهداف مُقدمها. فمثلاً قارن بين خبرىّ..
-“مقتل طفل فلسطينى يرمى الحجارة بنيران جندى إسرائيلى” و”جندى إسرائيلى يقتل طفلاً فلسطينياً”.. فإضافة كلمة “يرمى الحجارة” تلتمس بعض العذر للجندى فى قتله ويمكن إضافتها أو إزالتها دون أن تُتهم الجريدة الناشرة بالتحَيُّز لأنه جزء من الحدث بالفعل. أيضاً تأمل عنوان:
-“أمن الدولة تعتقل إخوانياً مريضاً بالسكر للمرة الثالثة أثناء نزوله لصلاة الفجر” والذى يمكن تعديله إلى “القبض على عنصر مشبوه تمهيداً لمحاكمته بتهمة غسيل الأموال”، وطبعاً لا أحتاج أن أوضح لك الفارق بين الانطباع الذى يتركه كل خبر رغم تحدثهما عن نفس الواقعة. هناك أيضاً مثال لخبر يتردد كثيراً يقول:
-“القبض على أب بتهمة الإتجار فى البشر لتزويج ابنته القاصر لاستغلالها جنسياً” وهى صياغة تفقد الأب أى نوع من التعاطف لدى القارىء، بينما لو صيغ بطريقة “بعد بلاغ من المجلس القومى للمرأة: ليلى ذات الـ16 عاماً تبكى أباها المعتقل بتهمة تزويجها برضاها” فهنا يتضح نضج الفتاة وتَشدُّد الشرطة فى التعامل مع الزواج فضلاً عن نفوذ المجلس القومى للمرأة فى الموضوع.

ولا يقتصر استخدام تلك الوسائل على السياسة فحسب بالطبع، بل تجد صدى واسعاً فى مجال التجارة والتسويق. فإن كنت أبيع منتج عادى ليس به ما يميزه عن غيره -لبن مثلاً- فعلىّ أن ألجأ لتعديد مزاياه حتى وإن كانت ملازمة له بالضرورة، فقد أقول مثلاً أنه “حليب طبيعى 100%” (علماً بأنه لا يوجد بقرة صناعية مثلاً) أو أنه “خالى من المواد الحافظة” (دون توضيح أن مدة صلاحيته صارت أسبوعين فقط نتيجة لذلك) أو أنه “مفيد للصحة” (وهى خاصية ملازمة لجميع أنواع الألبان وليست حكراً على منتجى الخاص) لكى يقتنع المستهلك بشرائه بثمن أعلى مما لو كنت كتبت عليه مجرد “لبن بقرى”. بل وفى كلامنا الدارج لو أن هناك موظفاً كسولاً فستجده يقول “أنا أنجز عدد قليل من المهمات لأنى أؤديها بإتقان”، فى محاولة لجعل عنصر التقييم هو “مدى الإتقان” (المفترض أنه أمر مفروغ منه) بدلاً من “عدد المهام المنجزة”. وعادة ما تنجح تلك الطرق التى تُبرز حقيقة معينة وتُخفى الحقائق الأخرى فى إقناع الآخرين أو على الأقل زحزحة قناعاتهم إن لم ينتبهوا لها.

4-المقارنة بوضع أفضل أو أسوأ:
يمكن الوصول لنفس النتيجة بطريقة أكثر مكراً وهى مقارنة الخبر بوضع أفضل أو أسوأ حسب أهداف مُقدمه.. مثلاً قارن بين هذين العنوانين:
-“لم يتحسن الوضع الإقتصادى فى أمريكا منذ عام” أو “لم يتدهور الوضع الإقتصادى فى أمريكا منذ عام”. فعلى الرغم من أن الحقيقة واحدة (وهى أن الوضع لم يتغير) فالذين يريدون ترويج فكرة ضعف الإقتصاد الأمريكى سيَعرضون الخبر بالطريقة الأولى والعكس بالنسبة للثانية. مثال آخر..
-“رفضت أمريكا زيادة المعونة لمصر” يعطيك انطباعاً معاكساً تماماً لـ”رفضت أمريكا تقليل المعونة لمصر” رغم أن الحقيقة ببساطة أنها قررت الإبقاء على المعونة كما هى دون زيادة أو نقصان
-“أمريكا ساندت دولة مصر الفقيرة” تعنى أن أمريكا طيبة.. أما “أمريكا ساندت نظام مبارك المستبد” تعنى أن أمريكا شريرة
-“قَوِىَ الدولار أمام اليورو” يعطيك انطباع أن أمريكا أصبحت فى وضع أفضل، أما “ضعف اليورو أمام الدولار” يعنى أن أوربا صارت فى حالة يرثى لها
-“الوزير الجديد لم يقضى على الرشوة رغم توليه الوزارة منذ قرابة عام” يعطيك انطباع أنه فاشل ولا يصلح، على العكس من “الوزير الجديد قضى على نصف معدلات الرشوة فى أقل من عام”، رغم استناد الخبرين لنفس الحقائق والإحصائيات
-“هذا التقرير تم كتابة معظمه فى التسعينيات” يعطيك انطباعاً أنه قديم ولا يمكن الاعتماد عليه، لكن “هذا التقرير تم تحديثه منذ أسبوع” يعطيك انطباع أنه جديد يضوى.. وفى الحقيقة فهو تم كتابة معظمه فى التسعينات لكن أيضاً تم تحديث بعضه منذ أسبوع
-“بالصور.. متظاهرون يسحلون مواطنا أمام السفارة الأمريكية” يعنى أن المتظاهرون فوضويون ودموين.. أما “بالصور.. مجهولون يسحلون مواطنا أمام السفارة الأمريكية” فلا يعنى أى شىء، رغم أنه فى الحقيقة من قام بالسحل هم متظاهرون مجهولون
-“مصر في المركز 22 ضمن أفضل 50 مقصد سياحي بالعالم” يعنى أننا دولة متوسطة فى الجذب السياحى، أما “مصر فى المركز الـ22 ضمن أفضل 100 مقصد سياحي فى العالم” فهذا يعنى أننا نقترب من القمة، والعكس طبعاً لو قيل أننا رقم 22 ضمن أفضل 25
-“أصابت قواتنا الجوية 95% من أهداف العدو” يعنى أن قواتنا الجوية لا مثيل لها فى المهارة والإتقان .. أما “لم تصب قواتهم الجوية جميع الأهداف المطلوبة” فيعنى أنها ضعيفة وفاشلة
-“أمريكا تتفاوض مع طالبان” يعنى أن أمريكا مهزومة وتقبّل يد طالبان لتتركها تنسحب، أما “طالبان تتفاوض مع أمريكا” يعنى أن طالبان تيقنت من استحالة النصر وتخلت عن المقاومة
-“إسرائيل تطالب مصر بكذا”.. يا بجاحتهم يا أخى بعينهم، لكن “إسرائيل تلتمس كذا من مصر”.. شوف الذوق والأدب
-“قتَل الجيش المصرى 60 إرهابياً فى سيناء” إذاً الجيش بطل يحافظ على الأمن، أما “قتل الجيش المصرى 60 مواطناً فى سيناء دون محاكمة” إذاً الجيش يعيث فى الأرض فساداً ويضرب بالقانون عرض الحائط
ومن المواقف التى أظهرت عبقرية الزعيم النازى هتلر الخطابية كان استخدامه لكلمة “تضحية” بدلاً من كلمة “إنسحاب” ليشرح لشعبه خسارته معركة ستالن جراد. فهو لم ينسحب لا، بل آثر التضحية بالمدينة الروسية لتجنب مقتل المزيد من رجاله.. وهكذا تحولت الهزيمة إلى رحمة وأبوية!
والآن يا عزيزى القارىء حاول فتح أى جريدة أو محطة إخبارية وتأمل بعض العناوين الرئيسية.. فستجد أمثلة شبيهة كان من الممكن صياغتها بأسلوب مغاير تماماً دون اللجوء للكذب الصريح.

5-إعلاء شأن أو تلطيخ سمعة فئة عن طريق الإقتران:
يمكن أيضاً استهداف فئات معينة بعنوان الخبر عن طريق نسْب الخير أو الشر إليها وهذا نراه كثيراً جداً فى وسائل الإعلام. مثلاً خبر “ضبط ابن إمام مسجد فى قضية دعارة” تعنى أن أئمة المساجد منافقين ولا يربون أبناءهم، بينما خبر “ضبط مدرس فى قضية دعارة” تعنى أن المدرسين فاسدين لا يصلحون لتربية الأطفال.. لكن الذى حدث هو القبض على مدرس أبوه إمام مسجد، وحسب أهداف الجريدة أو المحطة التى تنشر الخبر تتم صياغته لقرن الرجل بالفئة المستهدفة سواءً كانت الأئمة أو المدرسين أو حتى الحزب السياسى الذى ينتمى إليه المتهم كـ”القبض على متعاطف مع معتصمى رابعة فى قضية دعارة”!

خذ عندك أيضاً خبر “سيدة منتقبة تنصب على صديقتها السافرة”، ستجده مختلف تماماً عن خبر “سيدة من الزمالك تنصُب على صديقتها ساكنة بولاق”.. الأول يعنى أن المتدينين لصوص (ستنشره صحيفة علمانية) أما الثانى فيعنى أن الأغنياء لصوص (ستنشره صحيفة يسارية)..و طبعاً لو أن هناك صحيفة علمانية يسارية فستنشر “سيدة منتقبة من الزمالك تنصب على صاحبتها السافرة ساكنة بولاق”! كذا فإن ذكرت خبر “تفجير مسجد فى العراق” تتجه أصابع الاتهام إلى الأمريكان بعكس ما اذا حددت هوية المسجد وقلت “تفجير مسجد سنى فى العراق”، فطبعاً كلمة سنى ستجعل القارىء يتأكد -حتى إن لم تقل الجريدة أو المحطة ذلك صراحة- أن من قام بالتفجير لا يمكن أن يكون إلا الشيعة. كذلك لو قلت “أمريكا تقرر الإبقاء على معتقل جوانتمو” فمعناه أن امريكا بلد مجرمة ولا تعير حقوق الإنسان اى إهتمام، بينما لو قلت “أوباما يقرر الإبقاء على معتقل جوانتمو” فالعار يلصق بأوباما بعيداً عن أمريكا.

والعكس أيضاً صحيح فى حالة إعلاء شأن فئة معينة، فخبر “تبرُّع سعودى بمليون جنيه للأيتام” يختلف كثيراً عن خبر “تبرع عربى ملتحى بمليون جنيه للأيتام” وهما يختلفان عن خبر “تبرع أحد أفراد عائلة كذا بمليون جنيه للأيتام”، فكل زاوية تؤثر فى القارىء ليحترم ويقدِّر الطائفة التى نَسب المتبرع إليها. وأحياناً يكفى وضع صورة معينة للنمط الذى نريد تشجيعه (وجه ملتحى، أو وجه يرتدى غطرة وعقال) أو وضْع اسم مميز (الأستاذ جرجس بطرس) مع الخبر لإحداث الأثر المطلوب.

وكتدريب عملى فى زاوية تقديم الخبر حاول الآن قراءة بضعة أخبار من أى جريدة أو محطة وستجد واحداً على الأقل ينسب خيراً أو شراً لفئةٍ ما دون أن تكون هذه الفئة متسببة بطريقة مباشرة فى هذا الخير أو الشر.

للأسف.. لا نستطيع اليوم هجر وسائل الإعلام والإنقطاع عن الدنيا، ولذا فلا يكتمل المقال دون اقتراح عملي لمقاومة تلك الحيل. والحقيقة أن محاولة الإنتباه الدائم لها وإن كانت ذات تأثير ملحوظ فى تخفيف حدتها (لمسْته بنفسى وستلمسه أنت أيضاً من الآن فصاعداً) إلا أنه يبقى محدوداً.. فكيف ستنتبه لحقيقة لم يتم ذكرها فى الخبر أصلاً؟ وكيف ستنتبه لمدى مصداقية “قالت مصادر” بينما قد تكون تلك المصادر حقيقية أو ملفقة؟ لحل تلك المعضلة صرت شخصياً أتابع عدداً كبيراً من مصادر الأخبار مختلفة التوجهات.. فمنها الإسلامى والعلمانى ومنها اللبرالى واليسارى ومنها العربى والغربى، والنتيجة أنى عادة ما أطمئن حين وصولى لقناعةٍ ما أنها جاءت عن عِلم وتفحص لجميع وجهات النظر وليس عن طمس حقائق ومحاولة ترويج أجندة بعينها بتكرارها مراراً على أذنى.. واقتراحى للقارىء أن يقوم بالمثل كى لا يقع عقله فريسة لأفخاخ الإعلام.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted أغسطس 11, 2013 by حسام حربى in حيَل الإعلام

الزن على الودان.. سحر الإعلام   Leave a comment

بعد الإنتهاء من مجموعة المقالات الاقتصادية كنت أود البدء فى سلسلة مقالات الحكم وإدارة الدولة، لكن نظراً لأنه لم يعد عندنا دولة فلعله من الأنسب أن أكتب فى موضوع آخر أكثر ارتباطاً بالواقع الآن وهو الإعلام. فاليوم نبدأ مجموعة مقالات تتحدث عن أساليب الإعلام فى التأثير على عقول الناس والسيطرة عليهم..

منذ زهاء السبعين عاماً قال جوزف جُبلز وزير الإعلام النازى -ومعروف أن هتلر كان بخطبه الرنانة وآلته الإعلامية الضخمة أبو غسيل المخ- أنه “بتكرار كذبة ما مرات كافية تصبح حقيقة تصدقها الجماهير”.. وقد سبقه الفلاح المصرى الأمّى إلى هذا الكلام الكبير منذ ملايين السنين حين قال “الزن علودان أمر من السحر”

وفعلاً.. فكم من مرة يا عزيزى القارىء اختلفت مع زوجتك وكنت على استعداد أن تراهن بكل ما تملك أنك لن تغيّر رأيك أبداً فى تلك المسألة لاقتناعك الشديد أنك على حق وما تقوله هى لا يعدو عن هراء، حتى ما أن تلبث أسابيع أو أيام قلائل -حسب مستوى همتها- تجد نفسك تخر صريعاً أمام طوفان الزن والإلحاح؟ هذا هو سحر التكرار.. فلا هى أعطتك مبررات إضافية لتقبل وجهة نظرها ولا أعدّت نقاشاً موضوعياً تُبرز فيه مزايا رأيها وعيوب رأيك ولا أى شىء من هذا الكلام الفارغ فكله مضيعة للوقت.. بل كررت وأعادت وأزادت حتى انهارت قدرتك على المقاومة

لكن انهيارك هذا قد يرجع إلى أحد سببين.. أما أنك خفت على دينك من الضياع فقلت “قضى أخف من قضى واهى ولية غلبانة حرام أكسر بخاطرها” صيانة لكرامتك الجريحة، وهذا ينطبق أكثر فى الحالات الفردية كرجل مع زوجته أو أم مع أبنائها. أما الإحتمال الثانى -وهنا يأتى السحر الحقيقى للتكرار- هو أنك اقتنعت فعلاً بأن ما تريده زوجتك هو الصواب! وهذا ما يعتمد عليه مصممو الإعلانات والدعاية عندما يختارون شعاراً لشركة من الشركات مثلاً وتجد هذا الشعار يتكرر على سمعك كلما فتحت التلفزيون أو على بصرك كلما مشيت فى الشارع فيبدأ بالانطباع فى ذهنك حتى وإن كنت سخِرت منه أول مرة تسمعها لأنه كان معاكساً للمنطق تماماً. وهناك حكمة وراء تسمية طريقة التكرار هذه بـ”غسيل المخ”.. فلأجل إزالة بقعة صعبة من على الملابس تغسلها مرة أو اثنين أو ثلاثة على حسب قوة المسحوق وعناد البقعة، لكن فى النهاية يبقى لكل بقعة قوة احتمال معين إن تخطته فسيتم محوها

فالمرعب هنا أن مخ كل منا بلا استثناء قادر على تصديق أى شىء تماماً، بما فى ذلك الحقائق العلمية والأحداث التاريخية والنظريات الإقتصادية والمعتقدات الدينية.. فأنت بالتكرار مرات كافية قادر على إقناع ما يزيد على تسعة أعشار الناس أن نظرية التطور حقيقة أو باطلة، وبأن مصر انتصرت أو انهزمت فى حرب 1973، وبأن الرأسمالية أو الشيوعية هى النظام الإقتصادى الأنسب، وبأن الزنا كارثة كبرى أو حرية شخصية، وبأن المسيحية أو البوذية أو الإسلام أو الإلحاد هو الدين الصحيح، و بأن الإله الحقيقى هو الله أو يسوع أو بعل أو أبلّو.. لا بشىء سوى بسيطرتك على ما يراه ويسمعه هذا الإنسان. بل نجد الشعوب خاصة فى أوقات الصراع أنه حتى وإن تم تعريفهم بنفس الحقائق إلا أن كل منهم يرى أن بلده هى صاحبة الحق والأخرى هى المعتدية الظالمة من كثرة ما يردد ذلك إعلامه المحلى

وهناك أمثلة واقعية كثيرة لكيفية تأثير الزن على مجريات الأمور على أعلى المستويات حتى إدارة دول بأكملها، فحقوق الزنوج فى أمريكا تم انتزاعها بالمظاهرات السلمية وتكرار الدعوى لمعاملة أكثر إنسانية مرة بعد مرة حتى اقتنع البيض بأن ما يفعلوه منذ 200 سنة كان خطأً لا يغتفر بعدما كان القاعدة الطبيعية للمعاملة. ومن عجائب القدر أن اليهود الذين اضطهدهم هتلر استغلوا نفس مبدأه التكرارى لإقناع العالم بأكذوبة خنق 6 ملايين يهودى بالغاز واتخاذها كذريعة لاحتلال فلسطين وتنظيف جيوب ألمانيا بالتعويضات. أما الأمريكان الذين حاربوه ولاموا عليه خداع شعبه فقد استغلوا طريقته التكرارية فى اقناع العالم بأن المسؤول عن هجمات 11 سبتمبر هو تنظيم هلامى يرأسه رجل يحتضر لا بشىء إلا إعادة تلك الإدعاءات فى مختلف وسائل الإعلام حتى غدت من كونها تهمة سخيفة ليس عليها دليل بعيد الهجمات إلى حقيقة تاريخية لا ينكرها الا جاهل أو معاند اليوم. كما انتزعت المنظمات النسوية حقوق الرجال بشكل شبه تام وأوشكت على هدم مؤسسة الأسرة عن طريق تكرار أكذوبة اضطهاد المرأة مراراً حتى صارت حقيقة ثابتة. كل هذه الحقوق يا عزيزى القارىء -المشروع منها وغير المشروع- تم انتزاعها بقوة التكرار وليس عن طريق المنطق أو المناقشة العقلانية

ومن هنا نتعلم أن تأثير المظاهرات الحاشدة والحملات الضخمة التى تُرسِل آلاف الرسائل لمسؤولٍ ما كى يتبنى سياسة معينة أو تمرير رسالة إلكترونية للأصدقاء أو التعليق على المقالات المنشورة ليس تأثيراً هيناً كما يظنه البعض “أهو كلام فى الهوا وخلاص” بل هو أقوى من السيف وأفتك من السم.. فهو يغيِّر قلوب الناس بما فيهم خصمك الذى يبدأ فى الإستحياء من أفعاله لنجاحك فى إقناعه بأنه ظالم أو مخطىء. وقد اكتشفت دراسة على سبيل المثال أن مدى الضجيج الذى تحدثه الجماهير فى المباريات يؤثر على قرارات الحكام لصالح الفريق المشجَّع![1]

كل هذا يساعدنا على فهم كيفية سكوت فئات تعرضت للظلم لقرون طويلة كالزنوج المخطوفين للعمل بالسخرة فى أمريكا مثلاً.. فقد كانت تُملأ آذانهم بادعاءات أنهم من جنس أدنى وأنهم أحقر من الرجل الأبيض وأن أى عطية منه لهم هى تفضل وإحسان الخ حتى أنهم وبعد عدة أجيال -وهذا استنتاج شخصى منى- صدّقوا هذا الكلام فعلاً وغدو يحتقرون أنفسهم ولا يرون أن من حقهم أن يتساوو مع الأسياد. ثم تم استنفارهم بطريقة عكسية بأنهم مضطهدين وأن الناس خُلقت سواسية الخ فى منتصف القرن العشرين على يد بعض المفكرين من بنى جلدتهم فكان رد فعلهم مزلزلاً. هذا نموذج تقليدى لتغيير تعريف الصواب والخطأ بمجرد شيوع فكرٍ ما، فمنطق “كلنا ولاد تسعة” لم يكن مقنعاً وقتها بينما منطق “يحق للجنس الأقوى والأذكى أن يتحكم فى الأجناس الأخرى” كان مقبولاً ومعقولاً وصحيحاً بينما اليوم العَكس هو السائد[2].. فإن أردت أن تتخيل شعور رجل أبيض من القرن الـ18 عند سماعه بأفكار اليوم فتخيل شخصاً يقول لك اليوم أنه ليس من حقك ذبح الحيوانات مثلاً لأنها مخلوقات حية مثلها مثلك، وإن إستمر على مطالباته تلك مدة كافية فمن المؤكد أنك ستتحول إلى نباتى عاجلاً أم آجلاً! فتكرار النهى أو التحذير من فِعلٍ ما ليلاً ونهاراً يحوِّل فاعله -بشرط إختلاطه بهذا الفِكر وتعرضه المستمر له- إلى شخص غير واثق من نفسه ومن تصرفاته حتى وإن كان مقتنع عقلاتياً 100% بمبادئه وصحة ما يفعله، وينتابه القلق والتردد من كل خطوة فى هذا الإتجاه لشعوره بأنه إرتكب المحظور الذى نُهى عنه مراراً حتى وإن إدعى الثبات وعدم الإكتراث بما يُطالبه الناس به

كذلك نرى فى العقود الأخيرة أن خسائر الحروب البشرية لا تزيد عن مئات أو آلاف الناس بعكس ما كان عليه الحال فى الماضى عندما كانت تُباد مدن بأكملها إبان غزوها رغم تقدم الأسلحة، وأحد الأسباب الهامة لذلك هو تكرار رسالة مضادة للحروب فى الإعلام الدولى، فالبلد التى ستْقدِم على ذلك الآن ستقوم عليها الدنيا باللوم والإنتقاد ولن تقعد ولا أحد يريد وجع الدماغ.. وإلا فما الذى يمنع قوة عظمى كالصين أو روسيا من ضرب جارتها الصغيرة منغوليا بكم صاروخ نووى ثم نهب كل مواردها؟

من أجل ذلك فقوة التكرار شديدة التخويف لمن يتأملها.. فإن تعرضْت لتجربة أو اثنين من النوع المزلزِل للرواسخ فستبدأ فى إدراك ضعفك الشديد وأن قوتك فى التمسك بمبادئك وآرائك لا تزيد كثيراً عن قوة سيارة تندفع فى اتجاه معين وتحتاج للوقود باستمرار للمضى فيه.. فإن نفد الوقود (والوقود هنا هو الغذاء الفكرى أو الإعلامى الذى يبقيك ثابتاً على مبادئك) فستتوقف السيارة، وحينئذ يسهل على أى شخص أن يربطها بسيارته هو ويبدأ فى جرها فى طريقه. فإن جئنا بأكبر شيوعى فى العالم مثلاً ووضعناه فى بيئة لا يقرأ فيها سوى عن مفاسد الشيوعية وأضرارها والخراب الذى سببته والكفاءة التى تضيع بسببها إلخ فقطعاً سيتحول إلى شيوعى متشكك ثم تائه ثم رأسمالى صميم فى نهاية المطاف والعكس صحيح تماماً

مهما قلت فلن يمكننى أن أعطى قوة التكرار فى السيطرة على فِكر وفعل الآخرين حقها.. بل إنى لأزعم أن فرصة أى مبدأ فى الإنتشار والسيطرة مساوية تقريباً لغيره من المبادىء، إلا أن ما يحوِّله لواقع عملى هو قدْر إجتهاد أتباعه فى تكراره على مسامع الناس حتى يصير حقاً ويصير ما سواه باطلاً لا يستسيغه أحد ويهرع لإدانته الجميع إذا ما نطق به أحد مؤيديه. فالزن على الودان لهو بالفعل أمَرّ من السحر.. أمر من السحر.. أمر من السحر.. هل رأيت كيف بدأت تقتنع؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

[1]http://journals.humankinetics.com/jsep-back-issues/jsep-volume-32-issue-4-august/crowd-noise-as-a-cue-in-referee-decisions-contributes-to-the-home-advantage
[2]بدأَت حديثاً فى أمريكا بعض الهمسات بأنه يحق لها أو من واجبها أن تَحكم العالم لأنها ستديره على نحو أفضل من حكوماته، إلا أنها تُعتبر أفكاراً متطرفة حتى الآن لا يتقبلها الأمريكى العادى

Posted أغسطس 2, 2013 by حسام حربى in حيَل الإعلام

ثمانية أكاذيب انتشرت فى مصر بعد الثورة   5 تعليقات

يقول المفكر الإغريقى أسخليوس: “أولى ضحايا الحرب هى الحقيقة”. ولمّا كانت مصر قد وصلت نتيجة الإستقطاب الشديد إلى مرحلة الحرب الفكرية على الأقل، فلم يكن مستغرَباً أن تقدم الحقائق قرابيناً على مذبح النصر. لكن الغريب أن تكون أكثر الكذبات انتشاراً هى أكثرها فجاجة ومبالغة، وأسهلها فضحاً ودحضاً، مما يذكرنا بمقولة هتلر المعروفة: إن الجماهير دائماً ما تكون أسهل إقناعاً بالكذبة الكبيرة عن الكذبة الصغيرة.

ونستعرض فيما يلى أعتى ثمانية أكاذيب برزت فى مصر منذ قيام الثورة إلى يومنا هذا بالترتيب الزمنى لنشوئها، والردود شديدة البساطة عليها..

1-“الجيش حمى الثورة”
هى أكثر الكذبات انتشاراً واستفحالاً، حتى أن أنصار العسكر لا يجدون حُجة أفضل منها للإستدلال على مدى وطنية قيادات الجيش وإخلاصهم للبلد. لكن أول ما يتبادر إلى ذهن المرء حين يسمع هذا الإدعاء هو “حمى الثورة مِن ماذا؟”. هل حماها من شرطة مبارك، التى عاثت فى الثوار قتلاً وإدماءاً؟ أم حماها من بلطجيته، الذين أثخنوا ثوار الميدان بالطوب والملوتوف والرصاص فى وضح النهار تحت مرأى الجيش وسمعه؟ أم تراه حماها من إعلامه، الذى ما فتىء يروج الشائعات والفزاعات محاولاً القضاء على الثورة واغتيال معنويات الشعب؟

لم يحمها الجيش من كل ذلك، بل ما حدث هو العكس تماماً.. فقد خرج من الثكنات إلى الشوارع مساء الجمعة 28 يناير لحماية أجهزة الحكومة الحيوية وعلى رأسها القصر الرئاسى ومجلس الشعب ومبنى الإذاعة والتلفزيون. ولولا ذلك لكان الثوار قد استولوا على ماسبيرو مساء الجمعة وأذاعوا بيان الثورة، وكان حسنى مبارك قد سُحل فى قصره يوم السبت. لكن بتأمين الجيش لتلك المرافق جمّد الوضع الذى كان مائلاً لصالح الثوار، مما منح النظام مهلة لتعبئة جهوده والتجهيز لموقعة الجمل والخطابات العاطفية وتغيير الحكومة إلخ. وبعدما ظهر للجيش فشل كل محاولات مبارك وبدت لهم جدية الثورة وحتمية غلبتها رفعوا دفاعهم عنه. ويبدو أن قيادات الجيش لم تأمر بضرب الثوار مباشرة -مؤثْرين ترك هذه المهمة لأطراف غير محسوبة عليهم- خوفاً من انشقاق الجنود وضباط الصف الثانى كما حدث فى سوريا، مما كان سيهدد القيادات بالإغتيال أو الإعدام فى حالة الهزيمة.

2-“الرئيس الحقيقى ليس مرسى بل مكتب الإرشاد”
وهذا الإدعاء وإن لم يكن خاطئاً تماماً من الناحية العملية إلا أن به مغالطة كبيرة. فمحمد مرسى الذى لم يسمع عنه أحد قبل الإنتخابات لم يحصد خمسة ملايين صوت فى الجولة الأولى ويتأهل للثانية لسواد عينيه.. بل لأنه يمثل جماعة الإخوان المسلمين، والتى يعرف القاصى والدانى طبيعة هيكلها الهرمى الذى لم يخترعوه فجأة بعد فوزهم. والأكثر من ذلك أن الهيكل الهرمى القائم على “السمع والطاعة” هو الأصل لا الإستثناء بين مختلف الأحزاب الشرقية منها والغربية.. فهل سمعنا فى حياتنا عن رئيس جمهورية أو رئيس وزراء أو حتى نائب فى أمريكا أو إنجلترا أو ألمانيا أو اليابان يضرب عرض الحائط بأجندة وتوصيات حزبه الذى موّل حملته وأوصله لمنصبه؟ بل إن المرء ليظن أن مرسى لو كان فعل ذلك لانهالت عليه نفس الأطراف التى تدعى اليوم أنه هرب من السجن -رغم أنه كان معتقلاً بلا تهمة- بالانتقادات والشتائم بحجة أن من خان حزبه هان عليه وطنه!

3-“حماس هى التى قتلت الجنود المصريين فى رمضان”
لا نعرف بالضبط مَن الذى بدأ شائعة أن حماس هى قاتلة الجنود المصريين فى رفح أثناء إفطارهم، لكنه ادعاء يفتقر لأى دليل وأى منطق.. فقيام حكومة ضعيفة كحماس مهددة أصلاً من احتلال أجنبى بعملية كهذه ضد أقرب وأهم جار لها لهو جنون لا يخدم مصالحها بأى طريقة. بينما على العكس لدينا أسباب كثيرة تجعلنا نرجح قيام إسرائيل بها.. منها هروب قتلة الجنود إليها ومِن ثَم تقديمها لجثث مجهولة المصدر إلى مصر، إضافة لعدم اعتراف أى منظمة جهادية بالعملية مما يفقدها أثرها الإرهابى الذى يُفترض أن الجماعات المتطرفة تنشده، ولدينا أيضاً سوابق تاريخية كقيام إسرائيل بعملية لافون التى حاولت إحراج مصر فى 1954، وضرب المدمرة الأمريكية ليبرتى فى 1967  لمحاولة إلصاق التهمة بمصر، وتورط الموساد فى الهجوم على مجلس الدولة التركى فى 2006.. فدأب الدولة العبرية منذ نشأتها هو ارتكاب جرائم بحق حلفاءها لإلصاق التهمة بأعدائها.

لكن الحقيقة تبقى أن قاتل الجنود غير معروف للآن من الناحية الرسمية على الأقل.. فقد صرّح عبد الفتاح السيسى فى مايو الماضى بعد قرابة عام من الحادث بأنه لو عرف منفذى العملية “فلن يعيشوا ثانية واحدة على وجه الأرض”، فكيف لقارئى الفنجان وفاتحى المندل أن يعرفوا ما يجهله وزير الدفاع؟ ومع ذلك فلا يزيدنا هذا التصريح إلا قناعة ببراءة الفلسطينيين والبدو من الحادث.. لأنه لو كان القاتل قد تكشّف للمخابرات المصرية أو الجيش خلال عام كامل من التحقيقات -وهو أمر وارد- ومع ذلك يصرّون على إدعاء جهلهم بهويته مما يرفع عنهم حرج الرد عليه، فلا شك أنه يملك من القوة ما يردعهم عن محاولة الإنتقام منه.. وهذا لا ينطبق على البدو ولا الفلسطينيين، بل على جهات أخرى.

4-“غزة هى سبب أزمة الوقود والكهرباء بمصر”
وهى أطرف الأكاذيب المنتشرة وإن كان الأمر برمته غير طريف بالمرة.. وقد ساعد فى تدعيمها اختفاء أزمات الوقود والكهرباء بشكل شبه فورى بكيرة الإطاحة بالرئيس مرسى. لكن المشكلة أن تعداد سكان قطاع غزة لا يبلغ حتى 2 مليون نسمة، بينما يتجاوز عدد سكان مصر الولّادة 84 مليون يزدادون بمعدل 1.4 مليون كل عام. وبمعنى آخر فلو أننا أخذنا كل سكان غزة وسكبناهم فى شبرا الخيمة مثلاً فلن يلحظ المصريون أى فارق. والأكثر من ذلك أنه بحسب آخِر إحصاءات البنك الدولى فمتوسط دخل المواطن الفلسطينى هو 1210 دولار سنوياً (هذه الإحصائية منذ 2005 قبل حصار غزة)، بينما متوسط دخل المصرى هو 3187 دولار سنوياً. فالإدعاء أن الفلسطينيين بعددهم الضئيل وإمكانياتهم الشرائية المتواضعة قد تسببوا لنا بأزمة بنزين وغاز وكهرباء لا يُرد عليه إلا بالمثَل الشعبى: إن كان المتكلم مجنون يكون المستمع عاقل.

5-“تمرد جمعت 22 مليون توقيع”
أعلنت حركة تمرد يوم 29\6 أنها جمعت 22 مليون توقيع لسحب الثقة من محمد مرسى. ولدينا مع هذا الرقم المهول عدة وقفات..

أولاً أنه لم يؤكده أو ينفيه أية جهة غير تمرد. ولا يُعقل أن نستند عند التدقيق فى إحصائيات حملةٍ ما على الأرقام التى تعلنها تلك الحملة بنفسها.. بل كان على تمرد أن تفتح دفاترها أمام جهة محايدة أو حتى جهة خصمة للتحقيق فى عينة عشوائية (5% مثلاً) والتثبت من صحة الرقم. وكون مسؤولى الحملة لم يقوموا بذلك رغم قدرتهم التنظيمية الهائلة التى يُفترض أنها أوصلتهم لأكثر من ربع الشعب المصرى يجبرنا -للأسف- على التشكيك فى مصداقيتهم.

ثانياً: أن الحملة كانت قد أعلنت يوم 11 مايو أنها جمعت مليون ونصف توقيع فقط منذ نشأتها فى إبريل[1]، وأعلنت يوم 23 مايو أنها جمعت 2 مليون توقيع[2]، ثم إذا بهذا الرقم يقفز خلال ستة أيام فقط إلى 7 مليون فى 29 مايو[3]، ثم وصل 9 مليون فى اليوم التالى[4]، ثم 15 مليون يوم 20 يونيو[5]، وأخيراً 22 مليون بعدها بتسعة أيام فقط[6]. والذى نلحظه هو الإضطراب الشديد فى معدل التوقيعات.. فلربما نفهم الإتجاه التصاعدى المستمر (لانتشار الحملة) أو التنازلى المستمر (لنفاد المعارضين).. لكن أن يبدأ الرقم بـ40 ألف توقيع يومياً، ثم يقفز خلال أسبوعين إلى مليون توقيع يومياً وهو عدد مهول، ثم ينخفض إلى ربع مليون يومياً، ثم يرتفع مجدداً إلى ثلاثة أرباع مليون يومياً يجعلنا نتشكك بشدة فى دقة هذه الأرقام.

ثالثاً: حتى بافتراض حُسن نية القائمين على الحملة فإنه لأمر شديد السهولة لأى جهة داخلية أو خارجية ممن تعارض مرسى أن تبرمج “كود” كمبيوتر يملأ استمارة تمرد على الإنترنت تلقائياً بملايين الأسماء وأرقام البطاقات المزيفة أو المكررة، وباستخدام ذريعة ضيق الوقت تتخلص تمرد من مسؤولية التحقق من صحة التوقيعات. وعلى سبيل المثال فقد صرّح الشاعر أحمد فؤاد نجم أنه وقع وحده على 16 استمارة لتمرد[7] رغم كبر سنه واعتلال صحته.

وأخيراً فحتى بافتراض جدلاً صحة رقم 22 مليون فهو لا يبرر عزل الرئيس. فعدد الناخبين الكلّى يتجاوز الـ50 مليوناً، ومادام هناك انقسام سياسى حاد فمن الطبيعى أن تقترب نسبة معارضى ومؤيدى الرئيس من نصف المجتمع كما رأينا فى الانتخابات الرئاسية.

6-“عدد المتظاهرين المعارضين للرئيس وصل 30 مليون”
يبدو أن من ضمن المتظاهرين الذين نزلوا يوم 30\6 اعتراضاً على الرئيس مرسى كان هناك مجموعات من البكتريا.. فعدد المتظاهرين يتضاعف فى كل مرة يُذكرون فيها. ففى البداية قدرت بعض المصادر التى قالت أنها طابقت صور الحشود بخرائط “جوجل إيرث” عدد المتظاهرين بـ14.3 مليون ما بين مؤيد ومعارض، منهم 3.8 مليون فى التحرير و2.6 مليون عند الإتحادية[8]. لكن هذه الأرقام مستحيلة لأن معناها حشر حوالى 46 شخص فى كل متر مربع[9]، بل إن الحرم المكى ذاته لا يستوعب تلك الملايين. ثم أشارت غرفة عمليات وزارة الداخلية أنهم كانوا 17 مليوناً ما بين مؤيد ومعارض[10]. ثم برز من يبارك فى العدد قليلاً فجعل المعارضة وحدها 30 مليوناً، وقام آخرون -من باب الأمانة والدقة- بجعلها 33 مليونا دون ذكر أى مصدر محلى أو أجنبى.

وعلى كلٍ فبفرض صحة الأرقام المذكورة بدايةً فهى لا تفاجىء أحداً لأن مَن رفضوا الدكتور مرسى فى الإنتخابات الماضية كانوا 12 مليوناً. لكن لابد من الإنتباه إلى أنه ليس كل من تظاهر ضد الرئيس كان يطالب برحيله أو عزله بالقوة، فقد وجد استطلاع رأى قام به مركز “تكامل مصر” أن 26% فقط من المصريين يؤيدون عزل مرسى بالإنقلاب العسكرى[11] وذلك رغم معارضة نسبة أكبر لسياساته. والأهم أن عدد المتظاهرين المعارضين يوم 30\6 أياً كان لا يعكس شعبية الرئيس بدقة نظراً لغياب معظم أنصاره من الشوارع ذلك اليوم.. فمن الطبيعى أن ينزل قلة منهم فقط وهو فى السلطة. بينما لو أجرينا إحصائية على توجهات المتظاهرين الآن بعد الإنقلاب لوجدنا جلهم من أنصار الرئيس نظراً لاعتراضهم على السلطة الجديدة وهكذا. ولذا فصندوق الإقتراع هو الحَكم وليس الشارع.

7-“لم يقع إنقلاب عسكرى”
على الرغم من تطابق ما حدث فى الثالث من يوليو مع تعريف الإنقلاب العسكرى -وهو إقالة جيش لحكومة- وذلك بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معه، فلم يزل بعض مؤيدى الانقلاب ينكرون أصلاً أنه انقلاب ، مدللين على ذلك بتقلد رئيس المحكمة الدستورية المستشار عدلى منصور لمنصب الرئاسة خلفاً للدكتور مرسى. لكن هل يمثل منصور رئيساً حقيقياً لدولة مدنية أم رئيساً شكلياً لانقلاب عسكرى؟ للإجابة على هذا السؤال ينبغى علينا طرح بعض الأسئلة أخرى.. منها مثلاً: هل تلتقى رموز المعارضة فى الوضع الطبيعى الغير إنقلابى بوزير الدفاع بدلاً من رئيس الجمهورية الجديد؟[12] وهل تجتمع الوفود العربية والأجنبية أيضاً مثل وزير خارجية الإمارات[13] ونائب رئيس وزراء البحرين[14] ونائب وزير الخارجية الأمريكى[15] فى الوضع الطبيعى الغير الإنقلابى بوزير الدفاع؟ وهل تُقال حكومة بأكملها باستثناء وزير الدفاع بالصدفة إلا فى حالة الإنقلابات؟ وهل يقطع بث جميع قنوات تيار بعينه وتعتقل جميع قياداته وتُجمد أموالهم فى غير انقلاب؟ وهل من حق رئيس الجمهورية الجديد فى غير وقوع إنقلاب تعليق دستور دائم مستفتى عليه؟ وفى حال ما تقرر كتابة دستور جديد فى دولة مدنية يحكمها القانون وليس القوة العسكرية، هل يتم اختيار جميع أعضاء لجنة صياغته بالتعيين لا الإنتخاب؟[16] إن لم تكن كل هذه دلائل فجة لانقلاب عسكرى فلا ندرى كيف يكون شكل الانقلاب العسكرى.

8-“الجيش قتل عشرات المعتصمين وأصاب المئات دفاعاً عن النفس”
هى أكثر الأكاذيب رعونة لتحويلها الضحية إلى جلاد والعكس. فقد قُتل من معتصمى الحرس الجمهورى فى المجزرة التى عُرفت إعلامياً باسم “مذبحة الساجدين” خمسين فور إطلاق النار عليهم -ويتردد أن الرقم تعدى الـ80 الآن- وبلغ عدد المصابين أكثر من ألف[17]، بينما قُتل من الجيش ثلاثة منهم واحد على الأقل برصاص الجيش نفسه[18] (ولا نعرف هل قُتل الإثنين الآخرين قبل إطلاق النار على المتظاهرين أم بعد). وللأسف فقد مارس الإعلام المصرى تضليله المعتاد بقطع اتصال الشهود[19]، وحذف الأخبار بعد نشرها[20]، كما رفض الجيش إجراء وسائل الإعلام الأجنبية مقابلات مع الجنود المتواجدين آنذاك أو تفريغ محتويات كاميرات نادى الحرس الجمهورى[21]، وكل ذلك كاف لإثبات أن لديهم ما يخشوه ويخافون فضحه. وفوق هذا فقد صور الصحفى أحمد عاصم آخِر مقطع له لقناص جيش يطلق عليه النار فيرديه قتيلاً بطلقة فى الرقبة[22]، ثم أصدرت لجنة تقصى حقائق الشورى تقريراً مدعماً بالعديد من الأدلة -منها وجود إصابات مباشرة فى الرأس والصدر ووصول قوات صاعقة فى اليوم السابق- ليؤكد أن المذبحة كانت متعمدة ومعد لها سلفاً[23].

لكن حتى بافتراض كذب جميع شهود العيان ولجنة التقصى وتزوير المقاطع -وهو ما لم يقل به أحد- وبفرض أن الجيش تعرض بالفعل لإطلاق نار أولاً.. فنستنبط من عدد القتلى والمصابين المهول أن الجيش اتخذ ذلك ذريعة لارتكاب المذبحة. فإنْ تعرَّض أحد لإطلاق رصاصة أو اثنتين أو عشرة فرَد بإمطار مساحة كبيرة يتواجد بها مئات الناس بوابل من آلاف الطلقات لمدة أربعة ساعات فلا يعنى ذلك سوى تدبير للقتل العمد. وفوق هذا فالذى لم يُقتل أو يُصب تم اعتقاله وتعرض كثيرون منهم للتعذيب[24]، مما يدل على سوء النية المبيّتة وأن الأمر لم يكن حادثاً عرضياً كما يقال. ورغم جميع تلك الأدلة فلم يحاسَب أحد، ولن يحاسَب أحد لأنه طبقاً للمادة 19 من الإعلان الدستورى الجديد فإن “القضاء العسكرى جهة قضائية مستقلة يختص دون غيره بالفصل فى كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها”.

الآن وقد انتهينا من الرد على الكذبات الثمانية، نقول أن أكثر ما يخيف فيها أنها لا تمثل سوى قطرة فى محيط.. فقد رصد النشطاء فى يناير الماضى 24 كذبة تسىء للإخوان فى مختلف وسائل الإعلام خلال 24 ساعة فقط[25]. وإن أضفنا لذلك تركيز الإعلام الشديد على أخطاء الإسلاميين الفردية مع تجاهل أخطاء غيرهم الممنهجة، وأيضاً إيقاف جميع المحطات الإسلامية للتعتيم على أى وجهة نظر أو دلائل تدافع عنهم، فسنجد أن المشاهِد العادى تتبدى له اليوم صورة مشيطنة تماماً للمعسكر الإسلامى وصورة منحازة وملائكية تماماً لمن سواهم حتى وإن كان الواقع غير ذلك.

لا يستطيع الإنسان اتخاذ قرار صائب فى أية مسألة دون معلومات دقيقة أولاً، ومن أقوال تشرشل الشهيرة والصحيحة للأسف أن “أقوى حُجة ضد النظام الديمقراطى هى دردشة 5 دقائق مع الناخب العادى” لأنها ستظهر مدى جهله وسهولة التأثير عليه وتشويه فكره. لكن أمْا وأننا نحاول جاهدين إقامة نظام ديمقراطى يكون لكل مواطن به صوت وتأثير بدلاً من تسليم أمرنا لمستبد يفعل بنا ما يشاء، فلن تنجح التجربة دون استقاء كل منا لمعلوماته التى تشكّل صوته وقراره من مصادر متنوعة ومختلفة التوجهات. ولعل أفضل وأبسط نصيحة تحصّن بها نفسك من الأكاذيب والشائعات يا عزيزى القارىء هى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}

حقوق النقل مهدورة من حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

المصادر
[1]http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2013/05/11/392234.html
[2]http://onaeg.com/?p=976325
[3]http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/05/130529_egypt_rebellion_signatures.shtml
[4]http://www.al-seyassah.com/AtricleView/tabid/59/smid/438/ArticleID/246561/reftab/59/Default.aspx
[5]http://www.almessa.net.eg/main_messa.asp?v_article_id=92018
[6]http://new.elfagr.org/Detail.aspx?nwsId=371627&secid=61&vid=2
[7]http://almogaz.com/news/politics/2013/05/27/927347
[8]moheet.com/news/newdetails/679713/1/إحصائية-لجوجل-أكثر-من-3-مليون-متظاهر-بالتحرير.html
[9]http://ejabat.google.com/ejabat/thread?tid=0ba2b53780c70c7a
[10]www.alwafd.org/أخبار-وتقارير/13-الشارع السياسي/505733-17-مليون-متظاهر-ضد-مرسي
[11]http://www.ecmeg.com/?p=50
[12]http://new.elfagr.org/Detail.aspx?nwsId=375203&secid=1&vid=2
[13]www.alwafd.org/أخبار-وتقارير/13-الشارع السياسي/510529-وفد-إماراتى-يلتقى-السيسى-والرئيس-خلال-أيام
[14]http://www.alwasatnews.com/3960/news/read/792059/1.html
[15]http://www.youm7.com//News.asp?NewsID=1162544
[16]http://moheet.com/News/Print?nid=684150
[17]http://elshaab.org/thread.php?ID=66134
[18]http://www.sbs.com.au/news/article/1787620/Comment-Eyewitnesses-describe-a-deadly-rampage-in
[19]http://islammemo.cc/hadath-el-saa/mazpaht_elsagdeen/2013/07/09/175907.html
[20]http://www.watnnews.com/NewsDetails.aspx?PageID=3&NewsID=87375
[21]http://islammemo.cc/akhbar/arab/2013/07/20/176841.html
[22]https://www.youtube.com/watch?v=5X5aoRbE44Q
[23]http://islammemo.cc/hadath-el-saa/mazpaht_elsagdeen/2013/07/16/176519.html
[24]http://islammemo.cc/akhbar/locals-egypt/2013/07/11/176096.html
[25]http://www.klmty.net/2013/01/24-24.html

Posted يوليو 18, 2013 by حسام حربى in حيَل الإعلام