وهم إسمه المبادىء   1 comment

نحن نعرّف “المبدأ” بأنه الشىء الذى لا يبدأ شىء قبله.. فمثلاً قد تحتاج للمال وفوراً، لكن لأن مبدأك هو “عدم السرقة” فتفضِّل أن تظل فقيراً على أن تخالفه أى أن الأمانة تأتى عندك قبل الغِنى. لكننا سنتحدث اليوم عن تجربة لا أبالغ إن وصفتها بأنها ثورية فى عِلم النفس، وهى تدور حول ماهية تلك المبادىء وحقيقتها..

كما تعلم ففى أمريكا حزبين رئيسيين “الجمهورى” و”الديمقراطى”. وبصفة عامة ينحاز مؤيدو الحزب الجمهورى أو “المحافظون” لما يُسمَّى بالحرب على الإرهاب، لكنهم معروفون أيضاً بمعارضتهم للإجهاض وكره من يقومون به باعتبارهم قَتَلة أجنة (لكن قتل المسلمين عادى)، فى حين بتبنى مؤيدو الحزب الديمقراطى أو “اللِبراليون” الأفكار العكسية حيث يدعون للسلام نسبياً بينما يؤيدون حق المرأة فى الإجهاض باعتبار أن الجنين ليس إنساناً ذو حقوق. التجربة التى سنتحدث عنها* استغلت ذلك الإختلاف فبدأت بجمع بعض المتطوعين ينتمى بعضهم لهذا التيار وبعضهم لذاك ثم عرضت عليهم رأيين متناقضين لـ”خبراء”، أحدهما مؤيد للتعذيب يقول أنه مُجدى فى حالات التحقيق لإستخراج المعلومات من المشتبه به والآخر يؤكد أنه عمل قبيح لا طائل منه فى التحقيق ولا يؤدى سوى لإيلام الضحية.. وبعد عرض الرأيين على المتطوعين تم فصلهم عشوائياً إلى مجموعتين. ثم سُئلت المجموعة الأولى عن رأيها فى جدوى التعذيب ومدى صحته من الناحية الأخلاقية والقانونية “علماً بأن المُعذَّب هو مسلم أمريكى كان يخطط لتفجير مراكز تجنيد فى أمريكا”، فى حين سُئلت المجموعة الأخرى نفس الأسئلة عن التعذيب إلا أن ما قيل لها كان أن “المُعذَّب هو رجل مسيحى أبيض خطط لتفجير عيادات الإجهاض”.. فماذا كنت تتوقع أن يكون شكل الإجابات يا عزيزى القارىء؟

تماماً! فقد رأى المحافظون الذين قيل لهم أن الضحية مسلم أن التعذيب سيكون ذو جدوى فى تلك الحالة لإستخراج معلومات منه وأنه لا غبار عليه من الناحية الأخلاقية نسبياً، فى حين تعاطف إخوانهم المحافظون فى المجموعة الأخرى مع الذى خطط لتفجير عيادات الإجهاض وكان رأيهم ليس فقط أن تعذيبه غير أخلاقى بل إنه أيضاً غير مُجدى فى إستخراج المعلومات ولن يوصل المحققين إلى شىء! وطبعاً رأى اللِبراليون العكس فى الحالتين. المذهل أن المتطوعين لم يكونوا يكذبون.. بل اعتقدوا حقاً أن التعذيب مجدى هنا وغير مجد هناك رغم أن الفكرة واحدة!

ماذا نستفيد من هذه التجربة؟ نستفيد ما سبق به الفلاح المصرى الخواجات منذ فجر التاريخ حين قال “حبيبك يبلعلك الزلط وعدوك يتمنالك الغلط”، أى أن الفعل نفسه ليس مهماً بقدر الفاعل الذى قام به أو مورِس عليه الفعل. وأنت إن قرأت مثلاً أن الأرجنتين تعذب مواطنيها فلن يعنى لك هذا الأمر الكثير، لكن إن قرأت (وأنا مثلك) أن مصر تعذب مواطنيها فسينجلى لسانك فى إظهار مشاكل التعذيب وآثاره النفسية على الضحية وكيف أنه جريمة لابد من وقفها وتعارضها كل القيم والأديان والمعاهدات الدولية الخ.. وفى بعض بلدان أوربا مثلاً إن قام أحدهم بسب الإسلام أو نبيه فلن يأبه به أحد لأنه “يعبر عن رأيه”، أما لو تجرأ وأنكر محرقة النازى أو حتى شكك فى عدد المفترض مقتلهم بها فسيدفع غرامة محترمة وقد يُلقى فى السجن لأنه جرح مشاعر اليهود.. وإن احتسب الحَكَم فى مباراة كرة ضربة جزائية لصالح فريقك فلن تعترض بل وقد تتحمس له وتحبه باعتبار أن “لمْس لاعب لزميله مخالفة تستحق ضربة جزائية” والعكس صحيح إن جاءت الضربة ضد فريقك باعتبار أن “دى عالم بتستهبل ده يا دوب لمسه ومكانش يقصد كمان”. الله! المسألة ليست مبدأ بشاعة التعذيب أو مبدأ التعبير عن الرأى أو مبدأ إدارة مباراة بقواعد معينة إذاً.. كل ما فى الأمر أن لكلٍ منا خطوطاً حمراء وعند رؤيتها تُتَجاوز نستخدم ما نسميه بالـ”مبادىء” كوسيلة لمحاربة ذلك التجاوز. أى أننا جميعاً منحازون ومنافقون بطريقة أو بأخرى.

وكمثال شخصى فأنا إن رأيت بعض الحكومات تحاول منع الحجاب مثلاً فسأهاجمهم باعتبارهم “لا يحترمون الحرية الشخصية للمرأة”، أما إن رأيتهم يحاولون منع التعرّى فسأؤيدهم باعتبارهم “يحمون المجتمع من الفساد” وسيتبنى العلمانيون الموقف العكسى.. إذاً لا الإسلامى ولا العلمانى يعبأ بـ”الحرية الشخصية للمرأة”، بل إن تلك الحرية لا تساوى شيئاً عند النساء ذاتهن، فكثير من المتدينات تود لو حُمل الحاسرات على الحجاب (ربما بدافع الحقد “إشمعنى هما يبينوا شعرهم واحنا لأ؟”) وكثير من الحاسرات تود لو مُنع المتدينات من الحجاب (ربما بدافع الحقد أيضاً “إشمعنى هما يسمعوا كلام ربنا واحنا لأ؟”)، فلكلٍ منا إذاً أهدافاً وصورة معينة فى باله يحب رؤية المجتمع عليها، لكن بدلاً من المجاهرة بتأييد تلك الصورة بسبب تعاطفه معها صراحة فيقول الإسلامى “أنا أؤيد الحجاب لأنى أحبه وأوافق عليه” ويقول العلمانى “أنا أؤيد التبرج لأنى أحبه وأوافق عليه” يتحجج كل منهما بكلمة أنيقة يُغلِّف بها كلامه ليُخفى ما فى داخله فيظهر بشكل رجل المبادىء الذى لا يريد شيئاً لنفسه، وذلك أملاً فى كسب تأييد جمهور الوسَط الذى لم ينحز لأحد الرأيين بعد فتجذبه تلك الشعارات الرنانة التى يكتشف -فيما بعد- أنه انجذب لها ليس لأنها وافقت مبادءه بل لأنها وافقت أهواءه وعزفت على وتراً حساساً عنده.. لتبدأ الدورة من جديد!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

*www.psychologytoday.com/blog/maybe-its-just-me/201005/our-opinions-about-torture-depend-the-person-who-is-tortured

Advertisements

Posted أكتوبر 17, 2011 by حسام حربى in علم نفس

One response to “وهم إسمه المبادىء

Subscribe to comments with RSS.

  1. التنبيهات: نظرية الأقنعة وانعدام الإرادة | «أَبْصِرْ» - مدونة حسام حربى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: