نحب ما نحبه ونقتنع بما نقتنع به بلا أسباب   1 comment

أيدَت فكرة أننا لا نحب ما نحبه ولا نقتنع بما نقتنع به بناءاً على أسباب معينة تجربة مثيرة جداً* تم فيها عرْض مجموعة من اللوحات الفنية على بعض الطلبة ليختاروا منها واحدة.. وكانت إحدى تلك اللوحات ملونة لشخص يجلس فى منزل بينما أخرى كانت تحميسية (تشجع على العمل) لكن ألوانها قاتمة. قام الدكتور تِم وِلسُن منظِّم التجربة بتقسيم الطلبة إلى مجموعتين.. الأولى يختار أفرادها اللوحة التى تروق لهم بدون أن يبرروا سبب إختيارهم بينما الثانية على أفرادها أن يقولوا لماذا وقع إختيارهم على أى لوحة قبل أخذها. ما حدث كان إختيار معظم أفراد المجموعة الأولى للَّوحة الأجمل (الملونة)، بينما أحس أفراد المجموعة الثانية -فيما يبدو- أن اللوحة التحميسية هى التى يمكن تبرير إختيارها لأنها تشجع المرء على تحمل عقبات الحياة. وبعد ستة أشهر سأل الدكتور أفراد المجموعتين عن إحساسهم، وما حدث كان مفاجأة: أفراد المجموعة الأولى التى إختارت “بدون منطق” كانوا سعداء بلوحاتهم، بينما أفراد المجموعة الثانية التى فكرت قبل الإختيار كرهوا لوحاتهم!

وفى تجربة أخرى مماثلة تم سؤال سيدات ملتزمات برجيم للتخسيس وسيدات غير ملتزمات عن عدد السعرات فى بسكوتة كان بإمكانهن أكلها، وطبعاً كما تتوقع فقد بالغ الملتزمات فى تقدير عدد السعرات.. وكأن عقلهن الباطن أصدر الأوامر إلى العقل الواعى بأن يهوِّل من شأن البسكوتة خوفاً من إفساد الرجيم. وتجربة ثالثة وجدت أن الناس يقدّرون مدى إنحدار التلال بأكثر من الحقيقة عندما يكونوا مرهقين أو أثناء حملهم لشيء ثقيل، وكأنه أسلوب دفاعى للهروب من تسلق تلك التلال.

ماذا يعنى هذا الكلام؟

يعنى أن ما نختاره ونرضاه لأنفسنا من قناعات وأهداف أخلاقية و سياسية و أفكار فلسفية أو إقتصادية أو حتى دينية فى الحقيقة قد نختاره أولاً ثم نبرر لأنفسنا دواعى هذا الإختيار لاحقاً وليس العكس. فالإنسان فى الوضع الطبيعى لا يوازن بين مختلف وجهات النظر بحياد ثم ينحاز للصواب أو للحق، بل هو واقع من البداية تحت تأثير عوامل شتى (أبرزها الجينات والأسرة والمجتمع) تحدد ما سينحاز له أولاً ثم يعمل العقل على إيجاد تبريرات لهذا الإنحياز لاحقاً، وألخص ذلك الكلام دوماً فى جملة “العقل مطية الهوى” تماماً كما أن اليد مطية العقل.. أى أن الهوى يَركب العقل كى يوصله إلى وجهته وليس العكس. وبمعنى آخر فوجهة نظرك فى مسألةٍ ما أشبه بفريقك الكروى المفضل.. تشجعه بلا سبب مهما إتضح لك أنه فاشل وتختلق له الأعذار والمبررات. وقد تبرر إنحيازك له بدايةً إن سُئلت عنه بكونه يربح معظم مبارياته، حتى إذا ما تغير الحال وغدا يخسر ستقول أنك تشجعه لأنه “يحاول بجدية” (رغم أن إجابتك الأولى توحى بأن عليك تغيير ولاءك الآن إلى الفريق الذى يربح معظم مبارياته)، وإن إكتشفت أنه حتى لا يحاول ستقول أنك تشجعه “لأن به أملاً للتحسن” وهكذا.

وعندما حاولْت تطبيق تلك النظرية على نفسى وجدت أنى أعترف -داخلياً طبعاً- باحتمال خطأ أى شىء أنا مقتنع به واحتمال صواب أى شىء أنكره وأعترض عليه بشدة مهما بلغَت بشاعته، واكتشفت أن لكل طرف فى أى مناقشة بلا إستثناء أسباباً يمكنه أن يجدها مقنعة أو غير مقنعة بحسب ما يريد هو أن يقتنع به. ولنضرب مثالاً مبسطاً سنتخيل رجلاً رأسمالياً وآخر شيوعياً يتجادلان فيما بينهما أى الأسلوبين أفضل لإدارة الدولة.. فبينما سيأتى الرأسمالى بأطنان من الأبحاث التى تثبت أن الأداء الإقتصادى يكون أقوى فى السوق الحر، لن يكترث الشيوعى بتلك الأبحاث مؤكداً أن سعادة الإنسان تكمن فى شعوره بالمساواة مع غيره وليس فى زيادة الإستهلاك الكلّى! فهل تظن أن كل منهما قد قام بأبحاث إقتصادية ونفسية قبل تبنى وجهة نظر من الإثنتين ثم شرع بالدفاع عنها، أم أنه تبنى وجهة النظر أولاً ثم بدأ بالبحث عن أدلة تساندها كى يتمكن من نشرها بين الناس؟ أعتقد أنك تعرف الإجابة جيداً يا عزيزى القارىء.. فعندما نمعِّن النظر فى الشخصين سنكتشف “بالصدفة” أن الذى يدافع عن الرأسمالية يمتلك مثلاً أسهماً فى شركة ضخمة أو أن له منصب مرموق فى مكتب كبير يكسب من ورائه الآلاف بينما الشيوعى لا يكاد يجد قوته وقوت أطفاله، وهذا هو سبب “إقتناع” كل منهما بمبادئه.. المبنية على أسس علمية بحتة طبعاً!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

*http://youarenotsosmart.com/2010/05/26/the-perils-of-introspection

Advertisements

Posted أكتوبر 27, 2011 by حسام حربى in علم نفس

One response to “نحب ما نحبه ونقتنع بما نقتنع به بلا أسباب

Subscribe to comments with RSS.

  1. مقالة رائعة كعادتك استاذ حسام

    الهوى مرض خطير والتجرد من الهوى امر مطلوب لكنه يحتاج الى بذل جهد كبير

    هذه بعض الايات

    فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

    وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون

    وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله

    {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: