نظرية الأقنعة وانعدام الإرادة   4 تعليقات

لعلك بدأت تلاحظ أين تؤدى بنا كل تلك الأفكار المذكورة فى المقالات السابقة يا قارئى العزيز، لأنها تتمركز حول ما يمكن أن نسميه “نظرية الأقنعة” القائمة على أن البشر لا وجوه لهم، بل يرتدون أقنعة قابلة للإستبدال من وقت لآخر حسب تغيير الظروف والمصالح.

ولشرح تلك النظرية تخيل معى أننا سألنا بعض العرب أو المسلمين عن رأيهم فى إسرائيل مثلاً، ماذا سنسمع؟ طبعاً أنه كيان غاصب وظالم ومعتدى الخ.. لكن حينما نسأل يهود إسرائيل عنها سيشرحون أن اليهود تعرضوا لأبشع أنواع الإضطهاد على مر العصور ولذا لزم لهم دولة صغيرة يحتموا بها حتى إن عنى ذلك تقديم الفلسطينيين لـ”بعض التضحيات” الخ. طيب هل تعتقد أنه بالصدفة أيد معظم هؤلاء فكرة الدولة العبرية بينما رفضها معظم هؤلاء؟ بالطبع لا.. الذى حدث هو أن المسلمين هنا إرتدوا “قناع” الإسلام والذى يحتم عليهم رفض إسرائيل وفَعل اليهود العكس. ويتضح هذا جلياً عند تغيّر المعسكرات فترى أن الصهيونى المتشدد سواءً كان يهودياً أو مسيحياً أو ملحداً إن تحول للإسلام -وهذا نادراً ما يحدث لكنه يحدث- تتبدل نظرته بالكلية فوراً تجاه الصهيونية ويغدو من أكبر المدافعين عن الفلسطينيين.. الله! هل علِم أشياء جديدة أو قرأ حقائق لم يكن يعلمها؟ أبداً.. كل ما فى الأمر أنه استبدل قناع الصهيونية بقناع الإسلام فتغيرت نظرته للحياة بما يناسب قناعه الجديد.

أول تجربة لى من هذا النوع كانت عندما عملت مدرساً لفترة قصيرة فى مَدرسة ثانوية.. والسبب فى كونها تجربة “قناعية” هو أنى أثناء كونى تلميذاً كنت أمقت المدرسين أيما مَقت وأعتبرهم أناساً ثقلاء على النفس ولا فائدة منهم ويدرسون أشياء لا تنفع ولا تضر الخ.. فإذا بنظرتى هذه تتبدل 540 درجة فى اللحظة التى تم تعيينى فيها مُدرساً. فأصبح المدرس له شرعية “لأن أولياء أمور الأولاد اختاروا أن يعلموهم وهما حرين فى عيالهم” وأصبح التلاميذ حفنة من المخلوقات المزعجة المفتقدة للنضج التى يستحيل التفاهم معها الخ. كان هذا التغيير الفورى فى المبادىء يفزعنى كلما تأملته وبدأت أتسائل عما إذا كانت هناك أية مبادىء على الإطلاق أم أن كل شىء يخضع للزاوية التى تنظر منها له.. وأتت نظرية الأقنعة لتجيب بالإجابة الثانية للأسف، فأنا لا أكره المدرسين ولا أكره التلاميذ، لكنى إرتديت قناع التلميذ فى فترة فكرهت المدرسين ثم ارتديت قناع المدرس فى فترة أخرى فكرهت التلاميذ.

وبدون تلك النظرية نستغرب عندما نجد أن عبد الناصر والسادات مثلاً كانوا “ثورجية” فى شبابهم ثم ما لبثوا أن وصلوا للحكم حتى غدوا يلقون بمناوئيهم السياسيين فى السجون أكثر من الملك بل وتحت التعذيب الشديد أحياناً! لكن تأتى نظرية الأقنعة لتوضح أنهم ليسوا ثورجية وليسوا ظلمة، بل مِثلهم مِثل باقى البشر “بلا وجوه”.. فارتدوا قناع الثورجية حينما كانوا ضباطاً فى الجيش ورأوا فساد النظام ثم إرتدوا قناع المستبدين حينما وصلوا للسلطة ورأوا إعتراض البعض عليهم.

وبنظرة فلسفية لنظرية الأقنعة تجد أننا إن وُلدنا فى فضاء تام بلا أشياء وبلا أشخاص فلن تكون لنا ذات ولا عقل بالمعنى المعروف.. فوعيك نفسه بما فى ذلك آراءك عن أبسط الأشياء أو أعقدها ما هو إلا نتيجة تفاعلات مختلفة مع ظروف الحياة حيث تضعك، وكل ما يحول دون تحولك لنسخة مطابقة من شخص آخر هو إختلاف الظروف والجينات. وإن سلمنا بصحة تلك الفكرة وأخذناها للنهاية فسيبدو أننا كبشر منزوعى الإرادة تماماً من الناحية العملية، وتتحكم فينا الظروف الجينية والبيئية فتملى علينا تصرفاتنا بينما نتخيل أننا أحرار فيما يُعرف بالحتمية أو القدَر. وتؤيد تلك النظرية بعض التجارب العلمية والتى إكتشفت أن الناس يبررون أى قرار يُقال لهم زوراً أنهم إتخذوه فى الماضى[1]، إذ لا يكاد يشك أحد أنه لم يتخذه حقاً، بل يبدأ فى سَرد الأسباب والدوافع مباشرةً بناءاً على القناع الذى قيل له كذباً أنه ارتداه! نظرية محبطة ومخيفة أليس كذلك؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

المصادر
[1]http://youarenotsosmart.com/2010/05/26/the-perils-of-introspection

Advertisements

Posted أكتوبر 29, 2011 by حسام حربى in علم نفس

4 responses to “نظرية الأقنعة وانعدام الإرادة

Subscribe to comments with RSS.

  1. انا معاك ان كل واحد فينا عنده اكثر من قناع بيستعمله فى بعض الاوقات بس اظن ان الامر اختلط عليك هنا بمعنى انك لما بكون فى مكانه معينة او وظيفة معينة لازم يتعامل بشكل مختلف يعنى لما تكون تلميذ غير لما تكون مدرس لما تكون مدير غير لما تكون موظف مكانك بيفرض عليك اداء معين علشان تكون قد المسئولية ده مش اسمه قناع يا استاذ حسام

    • هو قناع لإن الموضوع مش مجرد طريقة التعامل لكنه وجهة النظر المتبناة تجاه موضوع معين. يعنى هل المدرس شخص “شرير” أو لا؟ دى فلسفة بغض النظر عن طريقة التعامل معاها.

  2. كلامك كله صح لكن تبا دل الادوار هو اللى بيفرض علينا كدة دورك كطالب بيخليك تشوف المدرس من زاوية معينة ولما تدور الدائرة وتصبح مدرس دورك كمدرس بيخليك تشوف الطالب من زاوية معينة وهكذا كل شئ طيب وبعدين الحل اية والله انت لخبطتنا هى كدة الحياة الموقع اللى انت فية بيفرض عليك زاوية معينة تشوف بيها الاشياء شكرا على كل مدوناتك سلام

    • الحل بيكون فى وضع نفسك مكان الآخر ومحاولة الوصول لإتفاق مقبول من الطرفين.. لكن دا تقريباً مستحيل يحصل لإن الطرف الأقوى معندوش حافز يعمل كدا مادام ممكن ياخد كل حاجة ومايديش الأضعف حاجة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: