نتمسكن لحد ما نتمكن   3 تعليقات

هل تقبل أن تصادق إسرائيلياً؟ بالطبع لا

ما السبب؟ لعلها جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب وأنها كيان احتلالى مستعمر قائم على طرد السكان الأصليين إلخ

حسناً.. لكن هل تتقبل أن تصادق أمريكياً؟ غالباً نعم

ما السبب؟ أليست جرائم أمريكا ضد الفلسطينيين والعراقيين والأفغان وسكانها الأصليين أكبر من جرائم إسرائيل بكثير؟

لعلك انتابتك بعض الحيرة الآن.. أو لعلك تحاول البحث عن فارق جوهرى بين الإثنين يبرر تناقضك العجيب!

حسناً دعنى أسألك سؤالاً آخر..

لو أنك مسلم تعيش فى مصر، كم من أصدقاءك مسيحيين؟ غالباً واحد على الأكثر، وعادة لا يوجد

ما السبب؟ لعلك لا تستلطفهم كونهم طائفة مختلفة عنك فلا تستسيغ معتقداتهم وعاداتهم إلخ، ولو كنت متديناً لعلك لا تطيق شركهم بالله وعبادتهم لعيسى

طيب لكن ماذا لو ذهبت للعيش والعمل فى أمريكا أو أوربا؟ الآن صار فجأة معظم أصدقاءك مسيحيين! ليس هذا فقط، بل إنك لم تعد تشعر أنهم طائفة مختلفة أو سخيفة من الأساس! ما السبب؟ إنهم ما زالوا طائفة مختلفة عنك وبنفس المعتقدات والعادات والشرك إلخ

حسناً دعنا ننتقل لمثال أخير أكثر شخصية..

لو أن لك صديقاً مقرباً عمل بوظيفة تعترض عليها بشدة لأسباب أخلاقية، هل سيكون رد فعلك إزاؤه نفس رد فعلك إزاء مَن تربطك به معرفة سطحية عمل بنفس الوظيفة؟ الإجابة لا.. رغم أن غضبك لو كان سببه أخلاقياً بحتاً لكان يجب عليك توجيهه بنفس الدرجة للإثنين نظراً لتساوى الجرم

والحقيقة أنى تفكرت كثيراً فى هذه الأسئلة وغيرها مما أطبقه فى حياتى.. فللوهلة الأولى يبدو أننا مصابون جميعاً بنوع من التناقض اللامنطقى، لكن بتضييق الخناق على اللغز بتضح أن خطأنا يكمن ليس فى تصرفاتنا بل فى تفسيرها. والتفسير الصحيح أن مفتاح تصرفاتنا “الأخلاقية” يكمن -ليس فقط فى أخلاقيتها- بل أيضاً فى مدى سهولة تطبيقها ومدى تقديرنا لجدواها..

فأنت ترفض مصادقة الإسرائيلى وتقاطع إسرائيل لسهولة ذلك ولاعتقادك بإمكانية هزيمتهم فى الحرب
وترفض مصادقة المسيحى فى مصر لقدرتك على مقاطعته بسهولة ورغبتك فى معاقبته نفسياً
وترفض السكوت على وظيفة صديقك السيئة بل وتقاطعه لاعتقادك بأن رد فعلك العنيف إزاؤه قد يدفعه لتركها أو على الأقل يعاقبه نفسياً على ما فعل

وعلى الجانب الآخر، فمقاطعة الأمريكيين شديدة الصعوبة فضلاً عن كونها قليلة التأثير على بلد عملاق كأمريكا، ومقاطعة المسيحيين فى الخارج شبه مستحيلة ولن تؤذى سوى صاحبها، واعتراضك على توظّف الغرباء فى وظيفة لا أخلاقية لن يكون مؤثراً عليهم ولذا فلا تأخذ أى رد فعل ضدهم على الإطلاق! ليس هذا فقط.. بل إننا لا نتوقف أصلاً لنفكر فيما لو كان علينا إتخاذ ردود الأفعال هذه، كأننا مصابون بنوع من العَمَى الإنتقائى الذى يعلم جيداً متى ينبهنا لإمكانية أخذ رد فعل ومتى نرتدى نظارة سوداء ونتجاهل ضمائرنا ومبادئنا. ولذا فيمكن تفسير معظم الفارق بين “ذو الضمير” و”فاقد الضمير” بالنظر لتقدير كل منهما لجدوى ما يفعل، إضافة لدرجة عناد وحماس كل منهما بصفة عامة. فالأمر ليس مجرد أن هذا شخص “جيد” وذاك “سىء”، بل هناك آليات أكثر تعقيداً تجرى فى الداخل تؤدى للنتيجة النهائية التى نراها فى الخارج

ويحضرنا هنا أمثلة سياسية مضحكة ذات صلة بما نقول.. فقد رفض د. محمد مرسى تهنئة بشار الأسد بالرئاسة لأنه “لا يعترف به” كونه سفاحاً يقتل شعبه، ورغم ذلك فقد قَبِل تهنئة أوباما أيما قبول رغم قتله لشعب العراق وأفغانستان بأضعاف ما قتل بشار من السوريين! هنا يمكننا تفهم وجهة نظر الرئيس مرسى (حتى لو لم يكن هو نفسه يدركها)، فرفْض تهنئة بشار سهلة علينا وموجعة له، أما رفض تهنئة أمريكا فهى فضلاً عن كونها شديدة الضرر دبلوماسياً فهى غير موجعة على الإطلاق لأن بلد كأمريكا لا تكترث بمرسى ولا مصر ولا حتى بالعرب أجمعين، فلماذا “نجر شَكلها” بقرار يضرنا ولا يضرها؟ وبنفس التفسير الجديد يمكننا تفهم وجهة نظر مَن يعترضون على الإخوان اليوم فى حين لم ينطقوا بكلمة معارضة فى عصر مبارك..، فالإعتراض على مبارك بـ”كلمة حق عند سلطان جائر” كان غير مجدى على الإطلاق حتى لو أُمِنَت عواقبه، بينما الإعتراض على الإخوان قد يؤدى لتغيير ملموس ولذا فقد انطلقت ألسنتهم الملجمة فجأة

والحقيقة فإن لهذا “النفاق” منافع كبيرة لصاحبه.. فلو تخيلنا شخصاً شديد الصراحة لأقصى درجة بحيث يتصرف فى أوقات الضعف كما يتصرف فى أوقات القوة المطلقة لاستحالت الحياة بالنسبة له لأنه سيأخذ قرارات شديدة الصعوبة يعانى تبعاتها دون أى تحقيق ملموس لأهدافه، ولذا فعادة ما يتمثل التصرف المتوازن فى محاولة تغيير ما يمكن تغييره و”اليأس” مما لا يمكن تغييره لدرجة أننا ليس فقط نتجنب التعامل معه بل لا نراه أصلاً. وهذه بالمناسبة إحدى الحجج القوية لنظام اقتصادى كالإقطاع مثلاً، فالفلاح المُعدم لا يحقد على الباشا أبداً لعلمه ضمنياً باستحالة الوصول إليه، بل يحقد على جاره أو صديقه فقط، ولا يتطور الأمر لصدام طبقى إلا عندما يصير لدى هذا الفلاح أمل حقيقى فى المساواة.. وهنا يغضب ويثور و”يشعر بمرارة الظلم” (ولعله وقتها يرفض تهنئة الباشا بمناسبة نجاح إبنه فى المدرسة!)

وهكذا يا عزيزى القارىء نفسر نفاقنا الإجتماعى وعَوَرنا السياسى بتفسير منطقى ومقبول!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted نوفمبر 1, 2011 by حسام حربى in علم نفس

3 responses to “نتمسكن لحد ما نتمكن

Subscribe to comments with RSS.

  1. التنبيهات: “المال السايب يعلم السرقة” | «أَبْصِرْ» - مدونة حسام حربى

  2. انا قرأت بعض مقالاتك ….. استاذ بمعنى الكلمة …. مش نفاق …. وﻻ ايه رأيك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: