“الغرَض مرض”   1 comment

هو مَثل آخر سبق به المصرى البسيط الخواجات المتعلمين بتوع المدارس، ونتحدث الآن عن خداع النفس.. فكم من مرة يا عزيزى القارىء سمعت عبارات مِن قبيل “سننتصر على الأعداء قريباً” من أفواه سياسيين أو زعماء فكريين مرموقين؟ أنا شخصياً لا أذْكر أنى سمعت أبداً واحد منتمى بقوة لتيار من التيارات شرقية كانت أم غربية يقول أن تياره سينهزم فى المستقبل أو حتى وضَع إحتمال لغياب النصر عنه. ولن أختلف معك أن هناك نسبة من تلك التصريحات تكون من قبيل الضحك على الذقون ورفع الهمم بالباطل، أما النسبة الأخرى فهى راجعة لإعتقاد ذلك الشخص حقاً بأن بكرة أحلى من النهاردة وأن المشاكل التى يمرون بها ستنجلى حتماً.

الجديد أنه تم إثبات هذا الشعور علمياً بطريقة غير مباشرة فى عدة تجارب بسيطة[1]، حيث قام العلماء بإطعام مجموعة من المتطوعين كمية كبيرة من الحلويات حتى شعروا بالعطش الشديد وسقوا مجموعة أخرى حوالى لتراً من الماء.. ثُم وضعوا كوباً من الماء على مسافة معينة من أفراد المجموعتين وسألوهم عن المسافة بينهم وبينه. وكما أظن قارئى العزيز قد إستنتج بالفعل، فقد اعتقد العطشى أن الماء أقرب إليهم من زملائهم. وتم تأكيد النتيجة بإجراء تجارب أخرى أثبتت جميعها أنه كلما زادت رغبتك فى شىء كلما إعتقدْت أنه أقرب إليك!

وبتعميم تلك النتائج على نطاق واسع فيمكننا تفسير إعتقاد السياسيين المهزومين بأن النصر قريب، فهم مشتاقون له بشدة حتى يبدو وكأنه سيحدث غداً وإن لم تكن هناك أى علامات موضوعية توحى بقدومه. وأتخيل مثلاً زعماء الحركة الصهيونية يعدْون أتباعهم خلال النصف الأول من القرن العشرين بأنهم سيكون لديهم دولة لأن “المستقبل لنا”، ثم ما أن حدث ذلك حتى بدأ زعماء العرب يبشرون شعوبهم بقرب زوال إسرائيل لأن “المستقبل لنا إحنا”، وما الأيام إلا دول بين الناس تارة لك وتارة عليك ولا يوجد شىء إسمه “المستقبل للفئة الفلانية” لأن المستقبل لا ينتهى.

و تأكيداً لما سبق نجد إحصائية تثبت أن خداع النفس لا يقتصر على رؤية فعل معين كسىء أو أقل سوءاً بل يتعدى إلى رؤيته أصلاً، وتذكرنا بالموقف المألوف حيث تجد صديقك الذى يتحرق شوقاً للتعرف بزميلته فى الجامعة أو العمل يقسم لك أنها تحبه وتموت فى دباديبه بدليل أنها صفعته بالقلم على وجهه “حتى لا تظهر عليها علامات هذا الحب وينكشف أمرها”، فقد وُجد أن الآباء يعتقدون أن أبناءهم المراهقين لا يهتمون بالجنس على طريقة “مستحيل ولادى يعملوا كدا” بعكس نظرتهم إلى أبناء الآخرين.. وطبعاً ظن الآخرون نفس الشىء عن أولادهم وأولاد الآخرين![2]

ولى تجربة شخصية طريفة فى هذا المجال، فقد كنت أقرأ عن أحد الأديان التى لا أعرف كثيراً عنها.. وأثناء قراءة كل معتقّد كنت أرد عليه تلقائياً فى عقلى بأنه “هذا طبعاً لا يُعقَل بسبب كذا وكذا”، قبل أن أكتشف فى أحد المرات بعدها بثانية أن نفس المعتقد موجود فى الإسلام! كان إحساساً مرعباً، فمجرد رغبتى فى تفنيد هذا الدين وإثبات لامنطقيته جعلتنى أرى معتقداته خاطئة قبل إدراك أنى أؤمن بها فعلاً. لكنه أيضاً يفسر لنا سبب التضاربات الرهيبة فى أوجه النظر والتى تؤدى فى ذروتها إلى الحروب الطاحنة.. فأنت تؤمن بما فيه مصلحتك وتراه منطقياً حتى وأنت أمين مع نفسك تماماً.. فكيف تتوقع أن تتفاهم مع خصمك أو عدوك فى يوم من الأيام؟ وصدق الفلاح المصرى.. الغرض فعلاً مرض!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

[1]http://www.psychologytoday.com/blog/mental-mishaps/201006/seeing-your-desires
[2]http://www.livescience.com/culture/parents-teens-sex-100503.html

Advertisements

Posted نوفمبر 3, 2011 by حسام حربى in علم نفس

One response to ““الغرَض مرض”

Subscribe to comments with RSS.

  1. التنبيهات: “المال السايب يعلم السرقة” | «أَبْصِرْ» - مدونة حسام حربى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: