“المال السايب يعلم السرقة”   Leave a comment

مازلنا مع مسلسل الأمثال الشعبية التى تكشف سبقنا الهائل فى العلوم النفسية ومحاولات الخواجة اليائسة سرقة ما توصلنا إليه ونسْبه لأبحاثه الخايبة. نقول اليوم أن مثل “المال السايب يعلم السرقة” القائم على أن الضمير والأمانة لا يكفيان وحدهما لردع السارق تم إثباته علمياً.. ففى تجربة* روعة ومروِّعة فى آنٍ واحد تم وضع متطوع فى غرفة وإعلامه أن هناك متطوعاً آخر فى غرفة مجاورة، ثم تم إعطاء المتطوع الأول 10 دولارات وسُئل عما لو كان يحب إعطاء بعضها للآخر علماً بأنه لا يعرفه ولا حتى يراه -يعنى لن يعطيه لأنه “بيقدم السبت” مثلاً أو يشعر بالحرج منه- فكانت النتيجة أنه فى المتوسط تم إعطاء المتطوع الآخر 3 دولارات من الـ10. (أكاد أراك تتفاءل أيها القارىء العزيز وتقول “طب يا عم ما الناس كويسة أهه والدنيا لسة بخير”.. إتقل وشوف الحتة الجاية..) ثم قام العلماء بتعديل التجربة قليلاً فقيل للمتطوع الأول “يمكنك إعطاؤه بعضاً من الـ10 دولارات أو أخذ منه دولاراً واحداً إن شئت”.. فماذا كانت النتيجة؟ أن المتطوع الذين قيل له ذلك -كمتوسط- لم يعط الآخر شيئاً ولم يأخذ منه شيئاً بدلاً من إعطائه الدولارات الثلاثة! فى المرحلة الثالثة بقى قالوا له “يمكنك إعطائه أى نسبة من دولاراتك الـ10 أو أخذ منه أى مبلغ يصل إلى 10 دولارات إن شئت”.. فكان المتطوع المتوسط يأخذ من زميله دولاراً ونصف بدلاً من تركه بلا عطاء وبلا نقص كما فى المرحلة الثانية!

هذه التجربة مخيفة جداً ودلالتها تمتد لكل التعاملات الإنسانية تقريباً.. فهى تُثبت ببساطة أن البشر يأخذون قراراتهم فى إطار “المجال المُتاح” وليس فى إطار ثابت أو محدد. فالمتطوع الأول عندما لم يكن باستطاعته أن يظلم أو يسرق زميله آثر أن يعطيه بعضاً مما يملك طواعية، فى حين أنه عندما أُعطى الفرصة لأخذ القليل منه لم يتبرع له بشىء على أساس “هو أنا هَدّيك كمان؟؟ كتَّر خيرى إنى ماخدتش منك حاجة”، ومع زيادة المبلغ الذى كان بإمكانه سرِقته من الآخَر زاد طمعه وطولت يده مع ثبات إحساسه بأنه “آخر مجدعة” باعتبار أنه سرق دولاراً ونصف فقط فى حين كان يمكنه سرقة 10 دولارات بحالهم! وأنا أتنبأ أنهم إن كانوا عرضوا عليه فى مرحلة رابعة إعطاء زميله بعضاً من العشرة دولارات أو أخذ ما يصل إلى مائة دولار منه لكان أخذ عشرين مثلاً رغم أنه لم يأخذ العشرة كاملة فى المرحلة الثالثة.

هذه التجربة ترينا أن كل منا ليس “شخصاً” بل “معادلة”، فالإنسان ينظر للظروف المحيطة به ثم يختار نقطة ما بين “أسوأ إختيار” و”أفضل إختيار”.. وعلى سبيل المثال فقد تُغفر ذنوب -والله أعلم- من نشأ فى بيئة كلها قَتَلة فاختار أن يكون لصاً فقط وليس قاتلاً فيكون وقع إختياره على “أفضل نقطة فى المجال المتاح له”، بينما الذى يولَد مثلاً فى بيئة شديدة الصلاح قد تكون وقعته سودة إن لم يتحول إلى داعية كبير لأنه فى “المجال المتاح أمامه” يكون التقاعس عن الدعوة هو أسوأ نقطة، فهو لا يمكنه أن يسرق أو يقتل أصلاً فهذا “خارج الإختيارات المتاحة”.

وبهذه التجربة نفهم أيضاً سبب ثناء نجيب الريحانى فى فِلم “سى عمر” على اللص الذى سرقه فور علمه بأنه دفع أجرة الفندق قبل أن يتسلل هارباً، لأنه كان باستطاعته أخذ كل النقود وترك عمر المسكين يتلقى وعده من المدير! ونفهم أيضاً لماذا يمن المستبدون والظلمة على شعوبهم بأشياء تافهة أو حتى بأبسط الحقوق على طريقة “أنا كان ممكن أبهدلك”، فهو لا يمثل عندما يقول ذلك بل هو فى الحقيقة مقتنع تماماً أنه طيب ليس لأنه أحسن إليك ولكن لأنه أساء إليك إساءة بسيطة فى حين كان يمكنه فعل ما هو أبشع بكثير.. وباختصار نُدرك مدى الضعف الإنسانى حين يوضع فى موقف لا يحُول فيه بينه وبين الخطأ حائل خارجى وصعوبة إن لم يكن إستحالة السيطرة على النفس فى تلك الحالة، ومن ثَم ندرك أهمية تجنب هذا الموقف أصلاً من البداية عند تصميم نظم سياسية أو اقتصادية.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

*www.youtube.com/watch?v=pQItB5uoiHI

Advertisements

Posted نوفمبر 6, 2011 by حسام حربى in علم نفس

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: