“حدود الظالم يرسمها المظلوم”   1 comment

هو من أجمل الأمثال التى قرأتها، ويتفق تماماً مع تنائج التجربة المذكورة فى المقال السابق. فكيف يتوقَّع عاقل ألا ينتهز الآخرون فرصة سلبيته وغفلته عن حقه لينقضّوا عليه؟ علماً بأنهم فى الوضع الطبيعى ما كانوا ليأخذوا حقه ولا كان سيخطر ذلك ببالهم أصلاً بل ألهمهم وأغراهم ضعفه وتفريطه فى ما له. فالمظلوم هنا يحوِّل الوضع كما فى التجربة السابقة من الحالة الأولى (حيث لم يكن للمتطوع إختيار سوى إعطاء زميله بعضاً من ماله الخاص أو عدم إعطائه شيئاً كأسوأ إحتمال) للحالة الثالثة (حيث كان بإمكانه أن يعطى أو يأخذ منه إن شاء)، والآخرون عندما يأخذوا بعضاً مما يملك الشخص السلبى كفدان أو إثنين من عشرة مثلاً يَعتبرون أنفسهم أصحاب جميل لأنهم لم يسلبوه كله.

وحتى فى الأفلام دائماً ما نضحك على الرجل المائع الذى يزغر له البطل المفعم بالرجولة أثناء إنتزاع فتاته الحسناء منه. هذا الضحك ليس عبثياً، فلو تشاجر الآخر مع البطل مثلاً ثم هُزم لن يكون المشهد كومدياً بالمرة.. فالفطرة الإنسانية مبرمجة على إحتقار بل وإفتراس المستضعف المتهاون فى حقه وليس على التعاطف معه أخذاً بمنطق “ماهو لو كان زعلان على حقه كان حاول على الأقل”، حتى أن عدوّك إن أظهر جلَداً وعناداً وهو فى موقف ضعف أجبرَك على إحترامه وإن كنت لازلت تبغضه. وأنا -مِثلى مثل كثيرين- إن رأيت رجلاً “بيتمرقع” فى طريقة الكلام أو الحركات أشعر بأن يدى تأكلنى وأمنع نفسى عن ضربه بصعوبة رغم تأكدى بأنه لا يقصد وغير مُنتبه لما يفعل.

ونرى نفس الملاحظة بين تلاميذ المدارس.. فهم يستقوون على زميلهم المتمسكن الذى لا يرد الإعتداء بقول ولا بفعل، ونفس التصرف نشاهده مطابقاً من أى حكومة مستبدة يخنع شعبها ولا يثور على سلب حقوقه فيزداد تبجحها وتسحق الشعب المستكين -وليس المسكين- تحت البيادة الميرى جزاءاً على رضاه بالظلم وكأنه يشتاق للمزيد. ويتكرر الموقف حتى على مستوى الدول التى لا تعتدى إلا على البلد صاحبة الموارد المفتقدة لجيش قوى و “أسلحة دمار شامل” تذود بها عن ثرواتها وكأنها واقفة فى وسط الدنيا تنادى “إحتلووناااى”، فيكون دمها حلالاً باعتبار أن هى التى جلبته لنفسها. قانون الغابة هذا هو ظاهرة كونية إذاً نراها على كل المستويات.. وبما أن الضمير وحده لا يكفى لردع الإنسان عن ظلم أخيه كما ثبت بالمشاهدات قبل الدليل العلمى فيكون المفرِّط فى حقه شريك المعتدى فى الظلم.

ولهذا يتبين لنا أهمية وجود آليات لمراقبة ومحاسبة المسؤولين حتى وإن كنا نثق بهم، وذلك حفاظاً عليهم من الوقوع فى المحظور عندما يجدون أنفسهم فيما يشبه المرحلة الثالثة من التجربة فيفترسون الناس. ويتبيّن كذلك خطر تولى علمانيون مثلاً للحُكم والمناصب الحساسة.. فما أن يجدوا طريقة للتخلص أو الإستخفاء من آليات الرقابة والمحاسبة -إن وُجدت- فلن يتورعوا عن إرتكاب أى جرم يوافق هواهم لغياب إعتقادهم الفعلى بأنهم سيتعرضون للمساءلة يوم الحساب. إذ يبدو أن الإنسان يخاف ما يختشيش فعلاً وأن ما يحملك على الخُلُق القويم هو الضغوط والتهديدات -سواءاً الدنيوية أم الأخروية- وليست الأخلاق النابعة من داخلك. أيضاً نظرية محبِِطة لكن للأسف حقيقية.. زيادة عن اللزوم!

حسام حريى
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted نوفمبر 15, 2011 by حسام حربى in علم نفس

One response to ““حدود الظالم يرسمها المظلوم”

Subscribe to comments with RSS.

  1. التنبيهات: كيف تحمى اتصالاتك من تجسس الحكومة الأمريكية؟ | «أَبْصِرْ» - مدونة حسام حربى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: