الرقابة وأثرها على السلوك الإنسانى   Leave a comment

هل طبيعة البشر شريرة؟ طبعاً يبدو هذا كسؤال ساذج بعد كل التجارب المذكورة. لكن هناك معياراً يمكن النظر من خلاله لنتائجها.. وأتوجه إليك بهذا السؤال يا عزيزى القارىء: لماذا لا يكون السبب فيما يبدو لنا أنه توحش البشر أثناء تلك التجارب هو خلْقها لفجوة مفاجئة بين ما إعتاده الناس من الرقابة على تصرفاتهم وبين الرقابة الفعلية فى التجربة؟ أو بمعنى آخر، هل حياتنا فى مجتمعات “متحضرة” فرضت علينا سلوكيات مهذبة جداً مما حوَّلنا إلى إنتهازيين ننتظر فرصة غياب الرقابة كى نطلق العنان لعقدنا النفسية المكبوتة؟

قد يبدو هذا التفسير غريباً، لكنى أكاد أجزم أن التجارب ذاتها لو كانت أجريت منذ مائة سنة (أو أجريت على أناس يعيشون الآن مثل حياتنا منذ مائة سنة كسكان البلاد البدائية مثلاً) لكانت القسوة والأنانية أقل، ومنذ ألف سنة لكانت أقل وأقل، لسبب بسيط.. وهو أن ظروف التجارب لم تكن ستختلف أصلاً عن طبيعة حياة الناس فى الوضع الطبيعى! فمنذ ألف عام مثلاً كانت جرائم القتل شديدة السهولة، فلم يكن هناك علم البصمات ولا حمض نووى ولا طرق التحقيق الحديثة ولا حتى صور للمشتبه بهم يمكن تعميمها على مراكز الشرطة الخ، فكان الناس يتقيدون فى تصرفاتهم اليومية بالأخلاق النابعة من داخلهم إلى جانب طبعاً يقينهم برؤية الإله لما يفعلونه. وبمعنى آخر فقد كانت ضمائرهم “تتمرن” بإستمرار كلما واجهوا ضغوطاً وإغراءات لإرتكاب جرائم لا يردعها سوى الضمير، وذلك بعكس مجتمعنا اليوم الذى يصعب أن ترتكب فيه جريمة لعلمك أنك غالباً ستعاقَب عليها وبالتالى فضميرك فى اجازة منذ سنين طويلة.. ومعروف أن أى عضو لا يُستخدم فى جسم الإنسان يضمر ويذبل مع الوقت!

وإن صح هذا التحليل فستكون وسائل المراقبة وإن كانت لها فوائد فى تحسين سلوك البشر إلا أن لها أخطاراً جسيمة تتمثل فى قتل ضمائرهم وإستحالة إستقامة سلوكهم بدونها بعد إعتيادهم على وجودها. وإن تخيلنا مثلاً أن عاصفة شمسية عطلت كل الأجهزة الكهريائية -كما يُقال أنه ممكن فى السنوات القادمة- فسيؤدى ذلك إلى كمية جرائم غير مسبوقة فى الدول المتقدمة التى سيتصرف سكانها كالكلب المسعور الذى وجد قفصه مفتوحاً، بينما لن تتأثر الدول البدائية البتة لأن “عضلات ضمائرهم” قوية منذ البداية ولا يحتاجون لأجهزة حديثة ليرتدعوا عن السرقة والقتل.

والسؤال هنا أيهما أفضل.. الحياة فى مجتمع تكثر به كَمِرات المراقبة وتسجَّل فيه كل حركة وكل كلمة بحيث تنعدم فيه الجريمة تقريباً كما فى رواية جورج أوْروِل الشهيرة المسماة “1984”، أم مجتمع يَسمح لأفراده بأن يخطئوا ويهربوا بفعلتهم أحياناً؟ هذا من الأسئلة الفلسفية شديدة الصعوبة.. وأعتقد أن الإجابة المثالية ستكون -كما تعودنا- هى الحل الوسط. فلا نريد كمرات فى كل شارع ومخبرين يتصنتون على مكالماتنا ويقرأون مراسلاتنا، ولا نريدها كذلك أن تكون “سايبة” بلا أى وسائل لتتبع مرتكبى الجرائم.

وهناك وسيلة بسيطة وفعالة لِنَزن فائدة وسيلة رقابة معينة لمعرفة ما إذا كان يجب علينا تبنيها أم لا.. وهى تخيُّل أن شخصاُ يريد القيام بجريمة ونسأل أنفسنا: هل سيستطيع الإفلات من هذه الوسيلة إن إستخدمناها؟ فإن كانت الإجابة نعم كما فى حالة إرتداء قناع كى لا تتعرف الكمرا عليه أو إرتداء قفاز لأن الشرطة جمعت بصمات أصابع كل الشعب الخ فستكون وسيلة المراقبة تلك بلا قيمة حقيقية لسهولة تجنبها من قِبل المجرمين، فاستخدامها لن يستهدف عملياً سوى خصوصية الأبرياء (أو المجرمين الأغبياء بالطبع، لكنهم أقلية فلن نبنى حُكمنا على إستثناءات). أما إن كانت الإجابة لا، مثل تفتيش الحقائب فى المطارات للتأكد من خلوها من المواد الخطرة -وهو شىء لا يستطيع المجرم أن يخفيه- فستكون وسيلة المراقبة تلك -وإن كانت تؤذى الخصوصية بقدرٍ ما- إلا أن قيمتها الأمنية تفوق ذلك الإيذاء.

وبعض النظم ككمرات المراقبة تكون قليلة التأثير فى حالة إستخدامها مفردة، لكن بتعميمها لتراقب معظم أنحاء المدن كما تفعل دبى وبريطانيا وللأسف -كما تردد- الإسكندرية مؤخراً تكون عظيمة الأثر لأنها مجتمِعة تراقب كل إنسان من لحظة خروجه من منزله حتى رجوعه إليه، وهكذا لن يخدعها قناع يغطى الرأس مثلاً. ونظام مشابه تتبناه المخابرات الأمريكية فى تسجيل كل إتصال ورسالة تصل أيديها إليها على شبكة الإنترنت.. لكن بالنسبة لى فهذا النوع من “الأمان” يمثل كابوساً مرعباً لا أرغب بالعيش فيه أبداً حتى وإن كان سيقضى على الجريمة تماماً، لأنه سيقضى على خصوصيتى وحريتى معها. فواضعو القوانين والقائمون عليها ليسوا ملائكة، وإن أتيحت لهم معرفة كل شىء وصاروا كالآلهة فستكون قوتهم مطلقة ومفسدتهم مطلقة.

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted نوفمبر 25, 2011 by حسام حربى in علم نفس

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: