ما بين الخوف والطمع: نظرية المخاطرة الثابتة   1 comment

نفر من العصا طمعا فى الجزرة

معلوم لدى الجميع -ولو ضمنياً- وجود عاملان أساسيان وراء قرارات البشر، وهما الطمع فى زيادة ما عندهم والخوف من فقدان ما لديهم. فأنت مثلاً إن أردت عبور الشارع لشراء بعض الخبز تقارِن تلقائياً بين “طمعك” فى الحصول على الغذاء و “خوفك” من فقدان صحتك أو حياتك نتيجة الإصطدام بسيارة عابرة.. ولأن المكافأة تكون أعلى من المخاطرة من وجهة نظرك فتمضى قدماً فى عبور الشارع مما يمثل خروجك من الإطار الآمن (منزلك) إلى إطار مختلف غير مضمون العواقب (الشارع). وبالمقابل فقد تَبغض إنسان إلى درجة الرغبة فى قتله، لكن لإيمانك بإستحالة الهرب من عقاب الله أو لقراءتك أن 90% من جرائم القتل يتم التوصل فيها للجانى تقرر أن المخاطرة أكبر من المكافأة ولهذا تتورع عن الفعل. وكل إنسان منا لديه عاملا الخوف والطمع بالضرورة وإن إختلفت نسبتهما، لأننا إن فرضنا جدلاً وجود إنسان يطمع فقط ولا يخاف فسيموت فوراً لأنه سيأخذ مخاطرات غير محسوبة فى سبيل تحقيق كل ما يخطر بباله، وبالمقابل فإن وُجد إنسان يخاف فقط ولا يطمع فلن يحقق أى شىء فى حياته ولن يدافع عن حقوقه أبداًً تجنباً للأذى بل وقد يموت جوعاً. لكن ما الذى يحدد نسبة الخوف والطمع عند كل منا؟

تقول نظرية المخاطرة الثابتة أن العوامل الوراثية وطريقة التربية تحدد لك نسبة لا تتغير من المخاطرة تحاول الإتزام بها كى تصل لتوازنك المفضل بين الطمع والخوف.. وبتغيُّر الظروف المحيطة تتغير قراراتك فى محاولة للحفاظ على نسبة المخاطرة المطلوبة تلك بلا زيادة ولا نقصان، لأنه كما قلنا، زيادة المخاطرة تهدد وجودك وقلتها تقلل مكاسبك المحتملة. فمثلاً الشخص الذى يشعر بأن حياته مهددة يقل لديه عامل الطمع بشدة ويكتفى بما يقيم صلبه فقط لشعوره بأن المخاطرة التى يواجهها أكبر من النسبة المثالية لديه، فنجده يعوض هذه الزيادة بأخذ قرارات أقل شجاعة وأكثر حرصاُ. وبالمقابل فالذى لا يشعر بأى تهديد على الإطلاق كشخص فى موضع سلطة أو نفوذ كبير يحس بأن مستوى المخاطرة الذى يأخذها متدنى جداً ويزداد لديه الإحساس بالأمان إلى درجة غير مقبولة، مما نطلق عليه فى كلامنا الدارج لفظ “زهقان” أو “تالف”، وبالتالى فيبدأ بأخذ مخاطرات قد تبدو لنا غير عقلانية أو بها ضرباً من الجنون، لكن أجمل ما فى هذه النظرية تفسيرها لتلك التصرفات وكيف أنها منطقية تماماً!

فمثلاً إن قرأت عن حوت الأعمال هشام طلعت ستجده كان يملك الثلاثة أمنيات التى يسعى لها معظم الرجال: المال والسلطة والجنس. لكنه رغماً عن ذلك دمر نفسه بمخاطرة لم يكن لها أى داع. فهل هو أحمق؟ هل مسه الجنون فجأة؟ لا.. كل ما هنالك أن شعوره بالأمان زاد إلى درجة لا تُحتمل، فبدأت غريزته “الطمعية” المبرمجة بداخله تلح عليه بشدة شاكية الوضع القائم وآمرته بأخْذ بعض المخاطرة فى سبيل إعادة حالته النفسية للتوازن لأن شعوره بالملل غدا لا يُطاق.. ومن ثَم بدأ بالبحث عن عمل يحقق له مخاطرة وسعادة فكان مقتل سوزان تميم. أيضاً تفسر لنا النظرية سبب التصرفات الحمقاء التى إتخذتها الدول والإمبراطوريات القوية على مر التاريخ والتى عادة ما كانت سبباً فى فنائها.. فشعور قيادات ومواطنى تلك الأمم خرج عن توازنه المنشود مائلاً إلى جانب الطمع بعد أن قَل الخوف لديهم إلى درجة لا تُحتمَل، فبدأوا باتخاذ قرارات هوجاء لتحقيق الإثارة المطلوبة على طريقة {فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} وهو ما أدى إلى نهايتهم. وباختصار فيمكن القول بأن غرْس هذه الآلية فى النفوس كى يغتر القوى بقوته فينهار مفسحاً المجال لمن يأتى بعده هو ما يضمن تداول الأيام بين الناس.

يمكننا أيضاً استغلال النظرية لتقييم الجدوى من بعض القوانين.. فمثلاً قانون إلزام السائق بربط حزام المقعد لا فائدة منه لأنه يزيد من إحساس الأمان لديه فيُخرجه عن التوازن مما يدفعه لتعويض ذلك بزيادة المخاطرة لتحقيق شىء يجلب له سعادة هامشية، فيزيد من سرعته مثلاً. وإن ألزمْته بإرتداء الحزام ووضعت له حداً أقصى للسرعة فسوف يتحدث فى المحمول أثناء القيادة.. وإن منعته من ذلك أيضاً فسيسرح بخياله ولا ينتبه للطريق. المهم أنه سيزيد من الإهمال ليعوض الإلتزام “الزائد” من وجهة نظره ليعود مرة أخرى إلى التوازن بين الراحة والمخاطرة مما يزيد من إحتمالية الحوادث خاصة للمشاة الذين ليس لديهم أحزمة تُربط. وقد أزالت ولاية مُنتانا الأمريكية مثلاً حدود السرعة بالكامل من طُرقها السريعة ولم يؤد ذلك إلى زيادة الوفيات[1]، بل وأشارت دراسة بريطانية إلى زيادة الوفيات بعد تقليل حدود السرعة[2]! وإكتشفت دراسة أخرى أن تجريم إستخدام المحمول أثناء القيادة لا يقلل من الحوادث[3]، كما أوضحت دراسة ميدانية أن رؤية قائدى السيارات لراكبى العَجَل يرتدون الخوذات فاقم من الحوادث لأنهم بالغوا فى الإقتراب منهم بعدما شعروا بالأمان الزائد![4] كل ذلك يدل فعلاً على أن بعض القوانين المُقيِّدة للحريات عن طريق معاقبة السلوك الفردى لا تؤدى سوى لمضايقة الناس بدون تقديم أى فائدة بل وقد تأذيهم أحياناً، والسبب هو إنحيازنا دائماً لمعدل مخاطرة ثابت لا يتغير بتغير القوانين.

أخيراً نجد النظرية تفسر لنا جزئياً سبب زيادة الحرص وإنعدام الحماس كلما تقدم المرء فى السن.. فقوة وطاقة الشاب تولِّد لديه الطموح وبالتالى عِشق المخاطرة بطريقة قد تصل إلى الغرور أو التهور أحياناً، فنجده أكثر طمعاً وأقل خوفاً من الكبير الذى فَقد هذه القوة والطاقة فأدرك عجزه عن تعويض ما قد يفقده من مال أو ولد مثلاً، وبالتالى يؤثِر السلامة ويصير كل ما يتمناه هو العيش بأمان وستر*. أليست بحق نظرية جذابة وتفسر لنا كثيراً مما قد يبدو تصرفات عشوائية غير مفهومة؟

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

المصادر
[1]http://www.motorists.org/speedlimits/home/safety-setting-speed-limits/#CONCLUSION
[2]http://www.telegraph.co.uk/news/uknews/road-and-rail-transport/8038821/20mph-limit-has-not-made-roads-safer.html
[3]http://www.iihs.org/news/rss/pr012910.html
[4]http://www.scientificamerican.com/article.cfm?id=strange-but-true-helmets-attract-cars-to-cyclists
*هناك سبب آخر لقلة التهور كلما تقدم المرء فى السن، وهو ضعف إفراز هرمون الذكورة التستسترون وقلة تأثر المخ بهرمون السعادة الدُبَمين مما ينتج عنه قدرة أكبر على التحكم فى النفس وتأجيل إشباع الرغبات.

Advertisements

Posted ديسمبر 2, 2011 by حسام حربى in علم نفس

One response to “ما بين الخوف والطمع: نظرية المخاطرة الثابتة

Subscribe to comments with RSS.

  1. التنبيهات: أسباب الخسارة فى سوق الخيارات الثنائية | ENSU

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: