ماذا لو كنت مكان من أساء إليك؟   Leave a comment

فى فترة من الفترات كنت شديد القسوة فى الحكم على الآخرين ولم أكن أتقبل -داخلياً على الأقل- أى نوع من التقصير أو الأخطاء منهم، وأتوقع منهم الكمال التام فى أى تعامل. لكن دائماً ما كان هناك نوعاً واحداً من الأخطاء التى أجد نفسى مُجبراً على إلتماس العذر لمرتكبيها، وهى تلك الأخطاء التى كنت أقع أنا بها فى فترة من الفترات. ويبدو أن هذا نمط عام شديد الإنتشار.. فمن الصعب أن نجد من يعذر الكذابين إلا إن كان هو وُضع فى ظروف جعلته يكذب عن إضطرار أو إختيار فى يوم من الأيام، ومن الصعب أن نجد من يعذر اللصوص إلا إن كان وُضع هو فى ظروف جعلته يسرق فى يوم من الأيام، وقس على ذلك كل التصرفات الصغير منها والكبير التى نتأفف منها وننظر لمن يقوم بها بنوع من التعالى والأفضلية.. دائماً إرتكابك لهذا الفعل فى الماضى يكسر فيك تلك الإنفة والغطرسة فتجد نفسك تقدر ظروف من يقومون بها وتضع نفسك مكانهم فتتعاطف معهم بدلاً من أن تغضب منهم.

لكن تساؤلاً خطيراً جال بخاطرى.. وهو أنى عملاً بتلك القاعدة ينبغى علىّ أن أعذر جميع الناس سواءاً كنت أقترف فى الماضى مثلما يقترفون هم الآن أم لا، لأتنى ببساطة لو كنت وُضعت مكانهم لتصرفت مثلهم تماماً، فلا أحد يختار الظروف والجينات التى يولد بها.

ويترتب على تلك الفلسفة نظرة مغايرة تماماً إلى فكرة العقاب.. فلا ينبغى أن يكون عقاب المخطىء بهدف التشفى أو الإنتقام، بل يكون بهدف تقويم سلوكه وردع الآخرين عن أن يحذو حذوه فقط. بل وتكاد تمتد الفكرة لتمحو كلمة “مخطىء” من القاموس بالمرة.. فمهما بلغ سلوك الناس من إنحطاط وتردى من وجهة نظرنا فهم لا يفعلون إلا ما تمليه عليهم ضمائرهم -التى لم يختاروها- وتربيتهم -التى لم يختاروها- وجيناتهم الوراثية -والتى لم يختاروها هى الأخرى- وبالتالى فعلى أى أساس نعطى أنفسنا الحق فى تعريف الصواب من الخطأ؟ مثلاً ماذا ستقول للص يجادلك ويقول لك أن السرقة من حقه لأنه فقير وغيره غنى؟ وماذا ستقول لقاتل يجادلك ويقول أنه قتل شخصاً بسبب تصرفاته التى جعلته غير قادر على الصبر عليه أكثر من ذلك؟ ستضطر أن تعاقبهم وإلا صار المجتمع فوضى، لكنك أثناء معاقبتهم لا ينبغى أن تكرههم أو تحتقرهم أو تظن نفسك أفضل منهم.. فهم قد فعلوا ما قد أملاه عليهم تفكيرهم كما تفعل أنت ما يمليه عليك تفكيرك تماماً. كل ما هنالك أن تفكيركما مختلف. ويمكننا تشبيه من يعاقِب إنساناً بِنِية الإنتقام بمن يعاقب قطة بسبب قضاء حاجتها فى مكان مختلف عما دربها عليه بِنِية الإنتقام منها. سيكون هذا تصرف طفولى وأهوج.. فالمفروض أن يعاقبها عقاباً محدوداً بقدر ما يجعلها تدرك أن ما فعلته كان خطأ (من وجهة نظره)، لا أن يتشفى فيها أو “يرد لها الإساءة”.

أخيراً أعترف أنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل علىّ اتباع تلك النصيحة.. فكلنا تعرضنا لمواقف ندرك فيها تماماً أن حجم الغِل والإستفزاز الذى نجد صدورنا تضيق به لا يمكن إحتواءه أو التعامل معه بكل تلك الحكمة. لكن فى نهاية اليوم عندما أعود إلى بيتى وأرقد على فراشى مراجعاً ما حدث أدرك تماماً أن ذلك الشخص لم يكن مخطئاً ولم يكن يستحق تعاملى معه بقسوة رداً على ما فعله معى، لكنى أسامح نفسى أيضاً على إنفلاتها فى رد الفعل لأن هذه هى الطريقة الوحيدة لخوض بحر الحياة الثائر وإلا صرت لقمة سائغة للجميع، كما أنه ما حملنى على ذلك إلا تربيتى وظروفى وجيناتى التى لم أخترها أنا أيضاً!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted ديسمبر 10, 2011 by حسام حربى in فلسفة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: