ما أنت سوى خادم مطيع لجسدك   1 comment

هل جذبك العنوان؟ هل إعتبرته إهانة لكرامتك وجئت لتثبت لنفسك أنه مخطىء وأنك لست خادماً لأحد؟ إذاً فللأسف عندى أخبار لك سيئة.. وهى أن مجرد نقرك على المقالة لقراءتها يمثل إطاعة أخرى لسيدك لترضيته، ولنكون أكثر تحديداً: لترضى غريزة الفضول لديه فى هذه الحالة.

لكن هذا التصرف ليس إستثناءاً.. فما حياتك إلا سلسلة من السعى وراء أوامره وابتعاداً عن نواهيه طمعاً فى الفوز بمكافأته وهى السعادة وتجنب عقابه وهو التعاسة…

عندما تأكل أو تبحث عن طعام أو تفكر فى طريقة لكسب المال كى تشترى به الطعام  -سواءاً كانت تلك الطريقة مشروعة أم غير مشروعة- فأنت تطيع جسدك الذى أمَرك بإطعامه وإلا عاقبك بألم الجوع..

وعندما تجتهد لارتداء ملابس أنيقة أو شراء سيارة فاخرة أو الحصول على ترقية لترفع بها من مكانتك فى المجتمع فما أنت إلا خادم لجسدك الذى وعدك بإشعارك بالفخر إن لبيت تلك الأوامر وهددك بإشعارك بالمهانة والذل لو لم تلبيها..

وعندما تفعل المستحيل لإدخار النقود كى تتزوج فأنت تلهث مرة أخرى وراء أوامر جسدك الذى يريد التكاثر بنشر جيناته لمخلوق جديد يستمر بعد وفاتك، وقد وعدك بجعل مخك يفرز جرعة عالية من هرمون السعادة “الدُبَمين” عندما تمارس الجنس لاستدراجك لذلك الفخ.. وسيكافئك بجرعة أخرى منه إن راعيت ذلك المخلوق الجديد وتأكدت أنه ينمو يصحة جيدة حتى يصلح بدوره للتكاثر..

بل وعندما تغضب وتفرغ غضبك بالصراخ أو التشاجر فأنت تحاول تفريغ شحنة عالية من الجلوكوز أفرزها جسدك الخبيث فى دمه ليدفعك للإنفعال كى تتخلص منها.. وإن قررت كبت الغضب فأنت تخدم جسدك أيضاً لأنه حذرك من أن الإنفعال فى هذا الموقف سيكون له تأثير سلبى عليه لاحقاً وتركك حائراً بين ألم الكبت قصير المدى وألم التفريغ طويل المدى.

إنك لمسكين.. جميع إفعالك وتصرفاتك موجهة لخدمة ذلك السيد الذى لا تتعدى علاقته بك علاقة عمل نفعية استغلالية.. يحدد لك أهدافاً ورغبات لا خيار لك فيها ثم يأخذ منك مجهودك وأفكارك وصبرك لتحقيقها وفى النهاية يعطيك جرعة هرمون تمثل شعوراً بالرضى. إنك مجرد مدمن يلهث وراء إرضاء تاجر المخدرات وإلا حرمك من الحقنة التالية. علاقتك به تتلخص فى الخوف الدائم من عصاه ومحاولة الحصول على جزرته.

من هذا المنطلق يمكنك التفكير فى موت جسدك كموت أحد معارفك وليس أكثر.. فلو كانت علاقتك بذلك الشخص نفعية من حيث أنك تعطيه ما يريد فيعطيك ما تريد خِفت فراقه، أما إن كانت علاقة سيئة تعجز فيها عن تلبية طلباته فيحرمك ويبخل عليك بخيره لم تكترث إن عاش بل وقد تتمنى موته لأنك تكرهه. فالموت هو مجرد إنتهاء علاقة تجارية بينك وبين ذلك الجسد حَسُنت كانت أم ساءت.

ومن هنا جاءت الأديان ليحاول الناس التخلص بها جزئياً أو كلياً من تلك العبودية المذلة.. فبدئاً من الصلاة لعدة دقائق وصولاً للرهبنة الكاملة التى تحرم الجسد كل شىء سعَى البشر إلى تأكيد أنهم ليسوا حيوانات وأن بمقدورهم التخلص من الإنقياد لرغبات ذلك السيد المزعج ولو لفترات قصيرة. ولكن المشكلة هنا بالطبع أن الإنسان ما فعل ذلك إلا إنقياداً لأوامر جسده مرة أخرى والذى أملى عليه أن يفكر فى طريقة يشعر بيها بالرقى وبالتميز عن الحيوان. كما أنك سواءاً حاولت الوصول للجنة كما فى الأديان السامية أو للنرفانا كما فى الأديان الشرقية فأنت ما زلت تسعى لإرضاء الجسد حتى ولو كان فى الحياة الأخرى بدلاً من إرضائه خلال الحياة الحالية.. فالمسألة مجرد تأجيل وليس تغيير، ولا طريقة للتخلص من تلك العبودية حتى بالموت.

والآن عَلىّ أن أكف عن الكتابة وأستأذن منك، فسيدى يقول أن وقت راحتى انتهى وأن عَلىّ القيام ببعض الأعمال له وإلا حرمنى من جرعتى اليومية فاعذرنى، ويبدو أن سيدك أيضاً يناديك فلا تتأخر عليه..

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted ديسمبر 24, 2011 by حسام حربى in علم نفس

One response to “ما أنت سوى خادم مطيع لجسدك

Subscribe to comments with RSS.

  1. التنبيهات: “المال السايب يعلم السرقة” | «أَبْصِرْ» - مدونة حسام حربى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: