ما بين الترف والألم.. نظرية المعاناة الثابتة   Leave a comment

رغم تناقض الواقع مع نظرية الـ”24 قيراط بتوع كل واحد”، إلا أنه من الواضح تماماً أن هناك آليات تضمن نوعاً من التساوى بين شعور البشر بالسعادة أو التعاسة على اختلاف ظروفهم. أول مرة فكرت فى ذلك على ما أذكر كان بعد تصدقى على فقير أخَذ منى نقوداً بلا إعتراض، وتخيلت نفسى لو كنت مكانه أنى يستحيل طبعاً كنت أقبل هذا على نفسى وأن الموت أهون! لكن ببعض العُمق فى التحليل توصلت إلى أن طباعاً مثل الكرامة والغرور والخجل والحساسية بل والشفقة والرحمة تمثل جميعها نوعاً من “المعوقات” التى تصيب المرء كلما إزداد غِنىً ورفاهية، فتُصَعِّب عليه حياته كى يظل مستوى سعادته وتعاسته عند التوازن. فالفقراء -بصفة عامة- لا يصيبهم القرف من الحشرات مثلاً ولا يتألمون إن أخذوا صدقة ولا “يتعقدون نفسياً” إن تعرضوا لإهانة بسيطة بعكس الأغنياء.. كما أنهم أخشن فى التعامل مع من هم أضعف منهم وتجدهم غلاظاً مع بعضهم نسبياً، فضرْب الأب لإبنه ضرباً مبرحاً كما ضربه أباه ضرباً مبرحاً من قَبل شىء معتاد فى البيئات الفقيرة بعكس الغنية التى قد يؤدى ذلك إن حدث إلى مشاكل كبيرة بين أفراد الأسرة، ولكن لاحظ هنا أن الإبن الفقير لا يتألم من العلقة الساخنة أكثر من تألّم الولد المدلل من نهر أو حتى نظرة أبيه الحادة له نظراً لرقة شعوره، فهناك تَناسب بين فظاظة التعامل ووجود “مناعة” لها.

ويترتب على ذلك ظهور المشاكل فى حالة وجود فجوة بين الأجيال إن كان الأب قد نشأ فى بيئة فقيرة ثم اغتنى وتربى أبنائه فى العز، أو كان الحاكم من بيئة أرقى أو أقل من عامة الشعب فينظر للأمور نظرة أكثر أو أقل حدة عن نظرتهم إليها الخ، وهى حالات لا مفر منها نظراً لأن كل جيل ينشأ أكثر ترفاً من الذى سبقه بفضل الإختراعات الحديثة فيصير أرق وأوهن من سلفه.

وتجد ذلك حتى على مستوى الدول، فالدولة الغنية تعتنى بحقوق الإنسان والحيوان فى حين يسخر سكان الدول الفقيرة من تلك القوانين ويعتبرونها رفاهية زائدة تصل إلى حد السفه. لكن الشخص المرفه يحتاج إلى بعض المعاناة كى يُشعر ضميره بالراحة، وكلما زادت رفاهيته وجّه اهتمامه للأمور الأقل أهمية حتى يصل للقضايا المفتعلة كالإنبعاث الحرارى من قلة ما يجد من مشاكل فى حياته، فتجده يقرأ أغلفة المنتجات ليشترى المنتج المعاد تصنيعه فقط والذى يكون أعلى ثمناً كى يشعر أنه يتعب فى سبيل قضية مهمة وأنه صاحب مبدأ يعانى من أجله.

ومن أمثال العرب الجاهلية “من بدا جفا”، أى أنه حتى بالنسبة لحياة أهل المدن الصحراوية الشاقة كان البدو المتنقلين يُعتبرون جافين غلاظ الطبع و”غير مهذبين”.. وبالمقابل كان البدو يعتبرون سكان المدن كمكة والطائف مدللين ومفسودين! وبنفس النمط من منظور تاريخى يمكننا فهم سبب ما نعتبره “توحش الناس” فى العصور القديمة والوسطى، وهو أنهم ببساطة نشأوا فى بيئة قاسية مقارنة بالبيئة الناعمة التى نشأنا نحن فيها ابتداءاً من القرن العشرين.. فبينما هم كانت  تأتيهم “شوطة” الطاعون فتقضى على نصفهم مثلاً صار الموت والأمراض الفتاكة بالنسبة لنا شيئاً نادراً ومفجعاً بعد اختراع الأمصال والعقاقير. وبينما هم كانوا يصنعون كل شىء يدوياً فكانت ندرة الطعام شيئاً معتاداً عندهم خاصة لو جاء عام فيه جفاف أو محصول ضعيف مثلاً صار الجوع -بمعناه الحرفى- شيئاً لا تكاد تسمع به عندنا بعد التصنيع الثقيل وتقنيات التبريد والتثليج والنقل التى جعلت سعر رغيف العيش عدة قروش فى معظم أنحاء العالم وجعلت الطعام متاحاً على مدار العام. إذاً فمن الطبيعى أن تبدو لنا الممارسات التى كانت بالنسبة لهم شبه عادية كقسوة لا يمكن تصورها، بينما بالنسبة لهم كانت ديدن الحياة وجزءاً من سنتها.

فى النهاية أعتقد أنه بإمكاننا جمع كل تلك المشاهدات فى نظرية نسميها “المعاناة الثابتة”، فالإنسان أياً كان مستواه المادى يتألم مثلاً من شيئين كمتوسط.. فإن تخلص من مشاكل البحث عن الطعام والشراب فسيبدأ يعانى من شيئين آخرين مثل حرارة الطقس وقذارة الشوارع.. وحين تُحل تلك المشكلات بالتكييف وآلات النظافة يدرك فجأة مدى استحالة الحياة بدون تلفون وتلفزيون. وعندما يتوفر له ذلك يتسائل كيف كان يعيش بدون مَيكرويف وبدون لابتُب، وعندما يحصل عليهما يبدأ بالتفكير فى معاناة المظلومين من البشر والحيوانات، وعندما يحقق بعض الإنجازات فى هذه المجالات يقول علينا الآن أن نحارب النيازك التى تهدد الأرض وإضطهاد المرأة الخ. إذاً أنت دائماً تعانى فى الوضع الطبيعى من نقص “الحاجتين إلّى بعد كدا” وهو يشبه ما يُعرف بهرم مَسلو للأولويات.

طيب حتى الآن يبدو أن الترف شىء جيد أو على الأقل محايد، إذ يجعل المرء أكثر رقة وأكثر تعاطفاً مع الآخرين.. لكن يبدو أن العلم فى السنوات الأخيرة أبَى إلا أن يوضح لنا عكس ذلك. ففى إحصائية مفزعة وُجد أن مستوى التعاطف بين طلاب الجامعات فى أمريكا قل بنسبة 40% خلال حوالى ربع قرن[1]، وإكتشفت إحصائية أخرى انه كلما زاد ثراء المرء أو إعتقاده أن مستواه الإجتماعى مرتفع كلما قل تعاطفه مع الآخرين[2]، وثالثة أعلنت أن تعرض المرء للأدوات الترفيهية يزيد من أنانيته[3]، وأشارت رابعة أن من يشعر أنه فى وضع قوة ينفق أقل على الآخرين بعكس من يشعر أنه فى وضع ضعف[4]. وأخيرة أشارت إلى أن تخيّل الفقراء أنفسهم كأغنياء جعلهم أقل تفكيراً فى مشاكل الفقراء والتعاطف معهم والعكس صحيح بالنسبة للأغنياء[5].

ولذا يبدو أن هناك مستوىً منشوداً من الرفاهية إن قَل فستقل الرأفة معها لأن الناس ستتعارك على لقمة العيش وإن زاد فستقل أيضاً لأن الناس سيصابون بسعار الطمع والمادية. ولِم لا؟ فلكل شىء فى حياتنا وسَطاً منشوداً إن زاد أو قل عنه إختل التوازن وبدأت المشاكل بما فى ذلك الطعام والرياضة والتعليم والعمل والثقة بالنفس وبالآخرين بل وحتى الرحمة والكرم والذوق. فلا عجب أن يتبع الترف نفس السُنة إذاً.

على كلٍ يمكننا بتلك النظرية فهم وتفهّم أسباب قيام الناس من المستويات المختلفة عنا بأشياء نعتبرها إما قسوة غير مقبولة أو رفاهية غير معقولة، ففى المرة القادمة التى ترى فيها رجلاً حافياً يطارد إبنه بالشبشب أو فتاة توتى فروتى تصرخ لأن نملة تمشى على كُمّها ستلتمس العذر لكليهما، لأنك ستدرك أن رد فعلك لم يكن ليختلف لو أنك نشأت تحت نفس الظروف!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

[1]http://www.usatoday.com/news/education/2010-06-08-empathyresearch08_st_N.htm
[2]http://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-1332291/Why-people-rich-good-empathy.html
[3]http://www.montrealgazette.com/technology/Exposure+luxury+alter+decision+making+Study/2513194/story.html
[4]http://www.bakadesuyo.com/does-power-make-you-spend-more-money-on-yours
[5]http://www.psychologytoday.com/blog/hidden-motives/201008/why-are-the-poor-more-generous

Advertisements

Posted يناير 27, 2012 by حسام حربى in سعادة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: