لا تحزنوا لهبوط البورصة ولا تفرحوا لارتفاعها   1 comment

لم تكن وسائل إعلامنا تتحدث كثيراً عن البورصة المصرية فى السنوات الأخيرة، لكن هذا تغيّر منذ إندلاع الثورة عندما هوت مؤشراتها إلى أسفل سافلين. ومن وقتها صار مفروضاً علينا أن نقرأ كل صباح فى الجرائد ونسمع كل مساء فى نشرات الأخبار عن جديد ارتفاع أو انخفاض قيمتها باعتبار أنها تمثل “اقتصاد مصر”، ومَن لم يهتم باقتصاد المصريين فليس منهم. ولِحَظّى التعس فإننى أحد الذين درسوا أسس الإقتصاد ويعرفون الأهمية الحقيقة لتلك الأرقام، ولذا فأجد نفسى منذ وقت الثورة وحتى اليوم أشد شعرى مجدداً كلما قرأت خبراً يفصّل عدد المليارات والملايين والقروش والملاليم التى “كسبتها” أو “خسرتها” بورصتنا الحبيبة وسط تهليل بالإرتفاع أو نحيب بالإنخفاض.

ولمّا كنت إنساناً إجتماعياً لا يحب أن يتعذب ويعانى وحده، ولمّا كان أيضاً شَعرى المسكين قد أوشك على النفاد، رأيت أنه ما مِن بُد عن كتابة مقال يشرح لغير المتخصص ماهية البورصة ومدلول ارتفاعها أو انخفاضها، وأملى فى الله ثم فى محررى الصحف ومذيعى القنوات بأن يؤدى هذا للإهتمام بالأخبار الحقيقية الجادة، حيث أن ارتفاع أو انخفاض البورصة لا يمثل خبراً أهم من فوز الأهلى أو الزمالك بالدورى والكأس (حسناً.. ربما أكون قد أسأت إختيار المثال لكنى واثق من فهم القارىء لما أعنيه).

بداية ما هى البورصة؟ البورصة أيها السادة ببساطة هى سوق تداول الأسهم والسندات بعد إصدارها الأول. سنتجاهل السندات فى حديثنا اليوم لأنها عبارة عن عقود إقراض محددة القيمة والأجل ونركز على الأسهم. عندما تشترى سهماً فى شركة تصبح أحد ملاك هذه الشركة، وبالتالى يصير من حقك أخذ نصيب من أرباحها بقدر نسبة ملكيتك فيها، كما يصير من حقك بيع السهم فى حالة مثلاً ما توقعت هبوطه أو فى حالة ما زُنقت فى قرشين. طيب حتى الآن كلام بسيط وجميل.. ولكن ماذا يعنى انخفاض قيمة هذه الأسهم مجتمعة كما فى حالة الثورة أو ارتفاعها مجتمعة كما حدث فى الأيام الأخيرة؟

عندما يُتوقع لاقتصاد دولة من الدول الإزدهار يُقبل أهل تلك الدولة والأجانب على الإستثمار فى شركاتها عن طريق شراء أسهمها والعكس صحيح. إذاً بدايةً فتغيّر قيمة الأسهم مجتمعة على المدى القصير يدل على مدى ثقة المضاربين فى هذه الأسهم فيها وليس عن تغيّر قيمتها المنتجة فى حد ذاتها. وعلى سبيل المثال فنجد أن مؤشر نَسدَك الأمريكى الخاص بالشركات التقنية قد قفزت قيمته من حوالى ألف وخمسائة نقطة عام 1998 إلى حوالى خمسة آلاف نقطة عام 2000 قبل أن يهوى إلى حوالى ألف نقطة عام 2002.. فهل هذا يدل على أن ما أنتجته الشركات التقنية الأمريكية قد تضاعف ثلاث مرات فى عام ثم هبط إلى الخُمس فى عامين؟ بالطبع لا.. بل يعنى ببساطة أن المستثمرين تهافتوا على شراء تلك الأسهم فى فترة من الفترات لتوقعهم ارتفاع سعرها فانتفخت ثم باعوها فى فترة أخرى عندما توقعوا انخفاض سعرها فانخسفت. وهذا لا يعنى أى شىء بالنسبة للإنتاج الحقيقى الذى تقدمه تلك الشركات للاقتصاد كالسلع والخدمات والتوظيف.

وهذا يدفعنا لأول مشكلة فى البورصة وهى تكرار الارتفاع والإنخفاض أو ما يعرف بالفقاعات.. فكما تعرفون جميعاً أنه ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع. وبالتالى فتلك التضاريس و”المطبات” تؤدى لوهب أموال لأناس لم يتعبوا فيها مقابل سلب أموال من أناس تعبوا فيها. ولكى لا ألف وأدور على حضراتكم فالمضاربة فى البورصة تساوى اللعب فى صالة القمار تماماً رغم اعتراض المعترضين. وأنا لا أعنى هنا الجانب الفقهى، فهى حلال “من الناحية الرسمية” بموجب شراء سلعة حقيقية وهى السهم، لكنى أتحدث عن التأثير الإقتصادى البحت وهو إعادة توزيع الثروة بناءاً على توقعات بلا مردود إنتاجى ملموس. لكن حقيقة الأمر أسوأ من مجرد إعادة توزيع الثروة فنحن بصدد خسارة محضة للمجتمع ككل، لأن الذى يحترف المضاربة فى البورصة -حتى لو كان يربح فى معظم معاملاته بها- يكون قد ترك الإنتاج المفيد للمجتمع وكرّس وقته وطاقته ومواهبه فى محاولة أخْذ أموال المضاربين الآخرين تماماً كمحترفى الرولِت وعباقرة البلاك جاك.

نأتى الآن للملاحظة الثانية حول البورصة وهى تحويل القيمة. فعلى الأقل القمار لا يؤثر إلا على مَن يلعبونه، لكن تحويل القيمة يؤثر على المجتمع بأكمله وسأشرح لك كيف.. تعال يا عزيزى القارىء نتخيل أن ربنا نفخ فى صورة بورصتنا الحبيبة فصارت ترتفع قيمتها باستمرار. لن أقول لك أنها ستهبط فى يوم من الأيام، لا.. بل ترتفع وترتفع وترتفع فقط. ماذا سيحدث حينها؟ هل سنصبح أغنى بلد فى العالم؟ هل ستختفى البطالة ونغرق فى اللبن والعسل؟ للأسف لا.. ما سيحدث وقتها ببساطة هو تحويل الناس لمزيد من أموالهم باستمرار للبورصة مما سيؤدى لإحجامهم عن الإستثمار فى المجالات الأخرى المنافِسة. فزيادة الإقبال على أسهم البورصة (كغيرها من السلع والأصول) معناه تلقائياً انخفاض الإقبال على السلع والأصول الأخرى نظراً لثبات كمية الأموال “الطلب” فى المجتمع. وبالتالى فإن ارتفاع البورصة 20% فى يناير الماضى (حوالى 50 مليار جنيه) يعنى أن الـ50 مليار هذه قد سُلبت من مالكى العقارات والأراضى مثلاً نظراً لانخفاض الطلب عليها بنفس القيمة، فهى لم تسقط من السماء على رؤوس مالكى الأسهم لكنها أُخذت من آخرين لأن كمية الأموال الكلية ثابتة فلا يزيد قرش هنا إلا وينقص قرش هناك. وهذا لا يُعتبر عيباً فى البورصة بالذات فهو أمر طبيعى ويحدث باستمرار بين مجالات أى اقتصاد بحسب متغيرات الأمور.. لكن ما أود الإشارة إليه هو أنه ليس تغيراً إيجابياً محضاً اللهم إلا لمالكى الأسهم. فأنت تقراً خبراً لامعاً يقول “إرتفاع مؤشر البورصة بقيمة 50 مليار جنيه!” لكنك لا تقرأ أبداً بجانبه خبراً يقول “وانخفاض قيمة الأصول الأخرى بقيمة 50 مليار جنيه!” والعكس صحيح فى حالة انخفاض البورصة.

قد يقول قائل بأنى قد أغفلت نقطة هامة وهى الإستثمار الخارجى.. إذ يُعتبر جذب أموال الأجانب إلى بورصتنا مرغوب اقتصاديا. وأقول هذا كلام غير صحيح بالمرة.. فالخواجة الذى يضع أمواله فى بورصتنا لا يفعل هذا لله، بل هو يسعى وراء أحد شيئين: إما مضاربة قصيرة الأجل، وهذا لا يُعتبر إيجابى ولا سلبى بل يمثل ببساطة لاعب قمار إضافى ذو شعر أشقر وعيون زرقاء فى صالتنا، لأنه فى نهاية الليلة سيسحب أمواله ويعود بها إلى بلده. وإما يسعى وراء استثمار طويل الأجل، وهذا فى رأيى الشخصى -والذى لا يوافق عليه كثير من الخبراء- شىء سىء على المدى البعيد لأنه يحرم السكان المحليين من نفس فرصة الإستثمار هذه عن طريق رفع أسعار الأسهم الرابحة (بخلاف المشاكل السياسية المترتبة على تحكم الأجانب فى اقتصادنا).

وهكذا يا عزيزى القارىء نجد أن خبر ارتفاع البورصة ليس خيراً محضاً ولا خبر انخفاضها شراً محضاً.. وكل ما تعكسه هذه الأخبار فى الحقيقة هو رأى المستثمرين والمضاربين المحليين والعالميين ككل فى اقتصادنا وتوقعاتهم له، والتى ثبت مرات لا حصر لها وفى جميع دول العالم شرقها وغربها أنها ليست بأكثر دقة من وشوشة الودع وفتح المندل ولذا فلا تصلح حتى للإسترشاد حول مستقبل الإقتصاد. المعلومة الوحيدة الحقيقية التى نستفيدها من خبر ارتفاع أو انخفاض البورصة إذاً هى عن كيفية توزيع كعكة ثابتة لا تزيد ولا تنقص بين مستثمرى الأسهم ومستثمرى الأصول الأخرى كالعقارات والأراضى. وبمناسبة الكعك.. كل مولد نبى وأنتم طيبين!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted فبراير 3, 2012 by حسام حربى in اقتصاد

One response to “لا تحزنوا لهبوط البورصة ولا تفرحوا لارتفاعها

Subscribe to comments with RSS.

  1. profitable more info here

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: