هل تسعدنا الحرية حقاً؟   1 comment

لو لم يكن هناك سوى طريق واحد للحياة لكانت أسهل كثيرا

لو لم يكن هناك سوى طريق واحد للحياة لكانت أسهل كثيرا

الإنسان لا يقنع بما لديه أبداً، ولو كان لإبن آدم وادٍ من ذهب لتمنى أن يكون له واديان.. ومن هنا نشأ إعجابى بفلسفة البوذية الداعية لنبذ الرغبات الداخلية باعتبارها الوسيلة الوحيدة للتخلص من لهيب الطمع الذى لا ينطفىء، وتنص أن عليك إقناع نفسك بالإكتفاء بما لديها عن طريق قتل الرغبة فى المزيد لأن الجرى وراء الأهداف الجديدة لن ينتهى أبداً “إرغب فى ما لديك ولا ترغب فيما ليس لديك”. وتثبت مدى نجاح تلك الفلسفة إختبارات مسح المخ  التى أُجريت على رهبان التبت المعدمين الذين يقضون جل وقتهم فى التأمل، والتى أظهرت أنهم من أسعد الناس فى العالم[1]. وقد قال العرب قديماً “اليأس إحدى الراحتين”، أى أن اليأس من الوصول إلى شىء فى الحقيقة يريحك من ألم الحرمان منه (الراحة الأخرى هى الموت) وفى هذه الحالة يكون عدوك الأكبر وسبب تعاستك هو “الأمل”. كما أننا فى العصر الحديث نغرق فى عدد لا نهائى من الإختيارات كنوع ولون الملابس والسيارات والإلكترونيات وحتى فاكهة المواسم التى غدت متاحة طوال العام مما يولد فى النهاية شعوراً بالتشتت والحيرة والتيه والندم أحياناً بعد أخذ قرارٍ ما مقارنةً بما لو كان عندنا بضعة إختيارات فقط لننتقى منها

الحل الآخر للتخلص من الرغبة فى شىء هو الجهل بوجوده أصلاً، وقد تجلت لى هذه الطريقة بعد مشاهدة فلم تسجيلى عن حياة الناس فى كوريا الشمالية، ذلك البلد الإشتراكى المعزول الواقع تحت العقوبات الغربية والذى يُعد من أفقر دول العالم.. فكلما سألَت المذيعة البريطانية أحد المواطنين عن شعوره ورأيه تجده سعيد وراض رضاً ليس له مثيل عندنا، فقد تم تلقينهم منذ الصغر أن “الرئيس العظيم يفعل هذا من أجلكم وانتم أسعد شعوب الأرض ويحسدكم العالم على ما أنتم فيه وعندكم كل ما تحتاجونه” الخ.. للوهلة الأولى قد تتعاطف مع هؤلاء المساكين المخدوعين، إلا أنك سريعاً ما تدرك أن المسكين الوحيد هو أنت! فنحن دائمو اللهَثان وراء أشياء لن ننالها أبداً.. وحتى إن نلناها فنأخذ استراحة قصيرة قبل أن نشعر بالتعاسة لأن شيئاً آخر ينقصنا بعكسهم. فإذا كان هؤلاء الكوريون لا يكذبون أمام الكَمِرات خوفاً من الإختفاء وراء الشمس فلعلهم يكونون حقاً أسعد أهل الأرض. وهنا سيكون من الصعب أن نجد من هو أشَر من ذلك الذى سيفتح أعينهم فى يوم من الأيام على ما يعيشه العالم من رفاهية وما يعيشونه هم من حرمان فيحطم أحلامهم على صخور الحقيقة

وللعنة “العلم بوجود شىء أفضل” فى بلادنا أثر كبير، فهناك خبراء يؤكدون أن من أهم أسباب إرتفاع معدلات الطلاق هو إنتشار الفِديو كلِبات التى تُجبر المشاهد على مقارنة المغنيات الفاتنات بزوجته المنكوشة! وتقول بعض روايات حادثة الخُلع الشهيرة فى السيرة النبوية أن المرأة طلبت التخلص من زوجها لأنه كان دميماً رغم أنها لم تعب عليه فى دين ولا خُلق، فسبب خراب البيت إذاً كان بلا شك مقارنتها له بغيره من الرجال. وتفسيرى لظاهرة إستفحال الطلاق الآن لا سيما بين أبناء الطبقات الثرية هو وجود كَم لا نهائى من الشباب والشابات فى العمل وعلى النت يمثلون “بدائل متاحة” مما يدعو الزوج والزوجة إلى المقارنة المستمرة بين الشريك الحالى والشريك المحتمل (أو الذى كان محتملاً) بعكس فكرة زواج الصالونات الذى كانت الزيجة فيه قضاء وقدر لا إنفكاك منه، وقد أكدت بعض الدراسات بالفعل أن للفيسبوك نصيب الأسد فى حالات الطلاق الحديثة[2]. وهذه من أكبر الحجج ضد اللبرالية فى رأيى، إذ لو ثبت أن الحرية تأتى للإنسان بالتعاسة فـبلاها حرية

وباختصار فيبدو أن علينا التسليم بصحة الحكمة القائلة “إلّى داق التفاح مياكلش من الخيار”، فيكون الحل الأمثل هو الإبتعاد عن التفاح بقدر الإمكان وتمشية الحال بالخيار كى لا تخرب حياتك بإشتهاء ما ليس عندك!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

[1]http://www.timesonline.co.uk/tol/comment/columnists/libby_purves/article1136398.ece
[2]http://www.aljazeera.net/NR/EXERES/44ECF91C-2345-4DB2-81E6-734DAB2FE346.htm

Advertisements

Posted فبراير 9, 2012 by حسام حربى in سعادة

One response to “هل تسعدنا الحرية حقاً؟

Subscribe to comments with RSS.

  1. عجبتنى جدا بغض النظر انى لا اتفق مع النظرية الفلسفيةالبوذية لانى الياس فى حد ذاته حرام و “ولا تقنطوا من رحمة الله “

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: