أركان السعادة الأربعة: المقارنة بالماضى وبالمستقبل وبالمتوقّع وبالآخرين   Leave a comment

كلما انطلقت من ركن كان وصولك لباقى الأركان مستحيلاً

هل تألمت يوماً يا عزيزى القارىء لعدم إمتلاكك أجنحة رغم إمتلاك الطيور لها؟
وهل تعتقد أن الأفارقة الذين يعيشون على خط الإستواء والذين لا يوجد عنهم صيف ولا شتاء يشعرون بالحر؟
ماذا يكون شعورك قبل إنتهاء موعد الخروج من العمل بخمسة دقائق؟
وماذا يحدث لو إعتقدت أن إبنك مات ثم وجدت أنه مَرض فقط؟
إجابات تلك الأسئلة معروفة وهى بالترتيب لا-نعم-بابقى هموت-هاطير من الفرح.. ولكن ما سببها؟ وهل هناك آلية معينة لشعور الناس بالسعادة والتعاسة؟

لاحظت أثناء فترة الجامعة شيئاً طريفاً، وهو كرهى للمذاكرة ولتمرينى الرياضى بشدة إلا عندما يكون علىّ أداء الإثنين.. ساعتها لا يضايقنى أن أبدأ بالمذاكرة لأن البديل هو التمرين، ولا يضايقنى أن أبدأ بالتمرين لأن البديل هو المذاكرة، فالإثنين عندى بنفس درجة البشاعة! وهذا أسس لى أول حجر فى فهم آلية السعادة، وهو المقارنة بالمستقبل.. فإن كنت تتوقع إنغماسك فى عمل أسوأ من عملك الحالى حيال إنتهاءك منه فسيصير عملك الحالى هذا محبباً إلبك حتى لو كنت تكرهه بشدة فى الوضع الطبيعى والعكس صحيح.. فعمل شىء يُسعدك فى الوضع الطبيعى يصير عبئاً تود الإنتهاء منه فى أسرع وقت حينما يعنى ذلك أنك ستبدأ بعمل شىء تشتاق له أكثر

العامل الآخر فى معادلة السعادة هو المقارنة بالماضى.. فعملك لشىء تبغضه بعد عملك لشىء كنت أكثر بغضاً له يعطيك سعادة لانك تنتقل من أسوأ لسىء، وهذا يفسر شعور ساكنى خط الإستواء بالحر نهاراً، فهم يشعرون بالراحة النسبية ليلاً.. أما لو كانت درجة الحرارة لا تتغير البتة طوال اليوم وطوال العام لما شعروا بالحر أبداً (حتى يأتى واحد غتت يفرجهم على مروحة أو تكييف بسرعة ويطلع يجرى). ولذا فيكون أكثر الفقراء بؤساً هو من ذاق طعم الغنى من قبل، وأكثر العجائز حسرة هم من كانوا يتمتعون إبان شبابهم بقوة أو جمال شديدين، وكأنها الضريبة التى يدفعها المستمتع بنعمة من النِعم

ثالث عامل فى معادلة السعادة هو المقارنة بالمتوقَّع.. وأقوى مثال أذكره على هذا خاص بإمرأة فقيرة كانت تعرفها جدتى أصيبت بمرض فى رِجلها، وعندما ذهبت إلى الطبيب أخبرها بأن الحل الوحيد هو بتر الرجل. وبعدما فزعت فزعاً شديداً قيل لها أنهم لا يحتاجون لبتر الرجل بأكملها وإنما لإستبدال ركبتها فقط بركبة صناعية، وطبعاً تتخيلون مدى السعادة التى شعرت به لعلمها أنهم سيزيلون ركبتها فقط

أما آخِر عامل فهو مقارنة نفسك بالآخرين، ولكن ليس أى آخرين.. الآخرين الذين تعتبرهم مكافئين لك. ولهذا فنحن لا نغير من الطيور لأننا نعتبرهم مختلفين عنا جذرياً، ولا أعتقد أن هناك حقد من جانب الفلاحين على الطبقات الثرية فى أى مجتمع إقطاعى لأن الفقراء لا يقارنون أنفسهم بأفراد الطبقات الأخرى أصلاً، بل يتعاملون معهم وكأنهم مخلوقات مختلفة من كوكب آخر. وهناك رواية رائعة فى الأدب الغربى إسمها “عالم جديد شجاع” تتخيل عالماً فى المستقبل يقسم الناس لطبقات فوق بعضها إلا أن جميعهم سعداء، والسر فى ذلك هو غسل مخهم باستمرار ليعتقد كل منهم أنه أسعد من غيره

مثال آخر لتأثير المقارنة بالآخرين على مستوى السعادة نجده فى رثاء الخنساء أخيها صخر أيام الجاهلية بأبيات بليغة تقول فيها:
يذكرني طلوع الشمس صخر.. وأذكره عند كل غروب شمس
ولولا كثرة الباكين حولي.. على اخوانهم لقتلت نفسي
..فنجد أن الذى صبرها على فقدان أخيها هو فقدان الكثيرات لإخوانهن مثلها

ولذا فمن السذاجة أن تتمنى الخير أو التوفيق “للجميع”.. فلو حدث الخير للجميع فعلاً فسيعود الجميع إلى نفس مستوى سعادتهم (أو تعاستهم) السابقة سريعاً لأن كل واحد سيقارن نفسه بجاره أو قريبه أو زميله فيجد أن وضعه لم يتحسن بالنسبة له، و ضَع خطاً تحت “بالنسبة له” لأن كل شىء نسبى. ومن هذا المنطلق لا يكون شىء مثل الصدقة لسَد الحاجات غير الأساسية خير مُطلق.. لأنها وإن ساهمت فى تحسين حال الفقير وإسعاده فهى تتعس باقى الفقراء الذين لم يأخذوا مثله. وحتى لو تمكنا من مساواة الجميع مالياً فسيبدأون بالشعور بالتعاسة للتمايز بينهم فى أشياء أخرى كالجمال والذكاء وروح الفكاهة الخ ونعود مرة أخرى من حيث بدأنا

مما يدفعنا للتساؤل عن شعور الناس لو مات جميع آباءهم فى نفس الوقت مثلاً، هل سيصيبهم الحزن؟ أو هل سيتضايقون إن قُطعت أيديهم جميعاً معاً؟ بحسب معيارنا الرباعى “مقارنة الوضع الحالى بالماضى وبالمستقبل وبالمتوقَّع وبالآخرين” سيقل الألم كثيراً لإختفاء جانب المقارنة بالآخرين، إلا أنه سيظل موجوداً لفترة بسبب المقارنة بالماضى. وإن قيل لهم أن أيديهم ستنمو خلال بضع سنوات مثلاً فسيكونون أكثر حنقاً على الوضع الحالى لأنهم سيقارنوه دائماً بالمستقبل، وإن قيل لهم قبل قطعها أنهم سيقطعون يداً واحدة ثم خدعوهم وقطعوا الإثنين فسيكونون أكثر حزناً وهكذا

هناك الكثير من التطبيقات العملية لهذه المعادلة تماماً كما فى حالة السيدة والركبة الصناعية.. فمثلاً لو لم تكن تملك الكثير من المال فبوجب المعادلة سيكون من الحماقة أن تنتقل إلى حى راقى حتى لو تمكنت من ذلك لأنك “ستتعقد” كل يوم مما ستراه هناك. وكذلك ندرك أهمية التربية الخشنة للأطفال منذ الصغر، لأن من تربى منهم فى ترف سيظل يعتبر ذلك الترف هو “الوضع الطبيعى” طيلة حياته ويظل يقارن وضعه الحالى به فيكون من الصعب إسعاده ومن السهل إتعاسه. كما ندرك تساوى البدء بما تحبه والبدء بما تكرهه من أعمال.. فلو بدأت بما تحب ستكون سعادتك منتقصة لشعورك بأن عليك عمل شىء تكرهه بعد الإنتهاء، بينما إن بدأت بما تكره ستمر عليك اللحظة كالساعة لأنك تتحرق شوقاً من الإنتهاء بأسرع وقت ممكن. ونجد أن بعض الإتجاهات الفكرية مثل الفكر النسوى فى الحقيقة تجلب التعاسة للمرأة لأنها تقنعها بضرورة النجاح المادى كالرجل تماماً فتصير حانقة على عيشتها الهانئة فى البيت بعدما كانت راضية بها. وبالنسبة للتيارات الإشتراكية والشيوعية نجد أنها لا تحقق السعادة للناس على المدى البعيد لاستمرار مشكلة المقارنة بالآخرين فى مجالات أخرى بعد تحقيق المساواة المادية (إن تحققت)

وهكذا فمن الممكن ببعض التأمل لقواعد السعادة والتعاسة تعظيم هذه وتقليل تلك بقدر الإمكان عند إتخاذ القرارات الهامة على مستوى الفرد والمجتمع

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted فبراير 13, 2012 by حسام حربى in سعادة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: