ما بين السعادة النسبية والمطلقة   1 comment

نظن أننا نرتقى.. لكننا نظل فى نفس المستوى

معروف أن زيادة المعروض من سلعةٍ ما يقلل سعرها فيزداد الطلب عليها ليستوعبها السوق، بينما تقليل المعروض يرفع السعر مما يرفع العرض ليُشبع السوق، وهكذا يتحقق التوازن دائماً باستثناء الفترات الإنتقالية. ومن مساوىء دراسة الإقتصاد أنك تبدأ بالنظر لكل شىء بما فى ذلك الإجتماعيات من هذا المنظور، ودفعنى هذا الى عمل أغرب المقارنات.. فمثلاً لاحظت أنه إن إنتشرت كلمة “شكراً” بين الناس حتى غدت تُقال على الفاضية والمليانة فلن يكون لها قيمة ولن تسبب سعادة عند سماعها، وبالعكس فإن إنتشرت البذاءة أو قلة الذوق حتى صارت عادية فلن تصير “بذاءة” أو “قلة ذوق”، بل ستصير هى القاعدة وما كان طبيعياً سيغدو مجاملة ونعود مرة أخرى إلى التوازن!

وقياساً على نفس القاعدة نجد أنه إن إعتاد شخص على إنتصار بلده دوماً فى حروبها بخسائر بشرية محدودة فسيقل تأثير هذا النصر تدريجياً مع كل معركة حتى يتلاشى، وبعدها سيعتبر أن نصراً كلّفهم خسائر كبيرة هو فى الواقع “هزيمة فادحة”، فى حين سيَعتبر المهزومون أنفسهم “منتصرين” لأنهم كلفوا المُعتدى خسائر كبيرة لم يُمْنيه بها أحد من قبل! ونفس الشىء يشعر به المشجعون بُعَيد مباريات الكرة.. فإن اعتاد جمهور فريقٍ ما على الفوز بالكأس لتسعة مرات من كل عشرة فلن يعنى النصر بالنسبة لهم الشىء الكثير، لكن عندما يفقدوه تلك المرة اليتيمة فسُيصدمون أكثر من جمهور الفريق الخائب بما يوازى مجموع صدماتهم طوال العشر سنوات الماضية لو كان فريقهم قد فاز بنصف المرات فقط! والعكس بالنسبة لمشجعى الفريق الفاشل الذين سيفرحون أيما فرح بذلك النصر النادر والذى سيعادل فرحة الآخرين طوال العشر سنوات الماضية مركّزة فى دُفعة واحدة. وفى رمضان نشعر بالتعب خلال أول ثلاثة أو أربعة أيام قبل أن نعتاد على الجوع وهى نفس عدد الأيام التى نشعر خلالها بالسعادة بعد إنقضائه قبل الإعتياد على الشبع. ونشعر بالإمتنان عندما يأتى فى الشتاء حيث النهار قصير والجو بارد لا لشىء سوى إعتيادنا على مجيئه من قبل فى الصيف والعَكس صحيح. وتشعر بالراحة عندما تُصاب بدور برد إن كان دور البرد الذى سبقه أكثر ضراوة لأنك تقارن هذا بذاك والعكس أيضاً صحيح

ونفس القاعدة تنطبق بالنسبة للإختراعات الهادفة للراحة.. فشىء مثل التكييف والسخان و المرتبة المائية جميعها تريح مستخدمها لوقت قصير ثم ما يلبث أن يعتاد عليها ويبدأ بالقلق حيال أشياء أخرى بعدما كان حَر الصيف أو برودة الماء هى سبب تعاسته الرئيسى. والإختراعات الهادفة لتجميل المظهر كفرشاة الشعر ومكواة الملابس لا تأثير لها البتة لأنه سرعان ما يعتاد الجميع بعد إنتشارها الحتمى على الشعر المُسرَّح والملابس المكوية فلا يعود لهما أثر ونعود ثانية لنقطة التوازن. ولا يمكن لمن لم يمرض أن يشعر بالصحة ولا لمن جاع أن يشعر بالشبع..  وبعد إنتشار التثليج مثلاً والذى جعل كل انواع العصائر متاحة طوال العام إختفت البهجة بقدوم فصل معين بعصائره وهكذا. الله! كأنه لا توجد وسيلة للسعادة إلا من خلال التعاسة ولا يمكن لمن لم يذق طعم السعادة أن يكون تعيساً فهما وجهان لعملة واحدة

لكن مادام لا شىء يصنع فارق حقيقى فى مستوى السعادة فلماذا يتطور البشر إذاً؟

هناك سببان يشجعان الإنسان على الترقى بأسلوب حياته.. الأول قد تكون عرفته بالفعل يا قارئى العزيز وهو الفترة الإنتقالية المؤقتة التى ينبهر فيها بالإختراع أو الشىء الجديد قبل الإعتياد عليه واعتباره أساسياً لا يمكن الإستغناء عنه. أما الثانى فهو أن بعض الأشياء ليست نسبية وتأثيرها طوال العمر.. فمثلاً الشعور بالتميّز عند مقارنة نفسك بالآخرين لا يعتاد المرء عليه أبداً[1]، فلم نر فقيراً ولا مشلولاً لا يساورهم الحزن من وقت لآخر على حالهم ولم نر غنياً ولا مشهوراً لا يشكر الله أو ينتابه الغرور من وقت لآخر (مما يعنى أنه يحس بتميزه). ولنفس السبب ترى الدول العاقلة ضرورة تطوير جيوشها لتناظر قوة أعدائها وإلا تعرضت للغزو، والغزو لا يزول تأثيره حتى على المدى البعيد لأن الإنسان لا يعتاد عدم المساوة مع من يعتبرهم أنداده أبداً حتى إن كانت بغير ظلم  فما بالك لو كان بظلم[2]. وهناك ما يدل على أن الإنسان يتأثر جداً بقدرته على إتخاذ القرار من عدمه، بمعنى أن الذى يشعر أن حياته تُسير له بدلاً من تسييره هو لها يكون ضحية الإكتئاب ولا يعتاد على ذلك حتى وإن تساوا الإثنين فى الدخل وأسلوب الحياة مثلاً. وبعض الإختراعات كالتى توفر الوقت تترك تأثيراً مطْلقاً لا يُعتاد عليه.. فمثلاً قد نتفق أن الذى كان يسافر على ظهر الجمل لمدة شهر فى الصحراء كان يعانى بنفس القدر الذى يعانى منه راكب سيارة مكيّفة الآن لمدة 24 ساعة بسبب اختلاف قوة تحملهما، لكن لا شك أن الذى أضاع شهراً من عمره ليصل إلى وجهته قد خسر أسابيع عديدة كان يمْكنه إستثمارها فيما ينفعه بعكس الآخر. ونفس الشىء ينطبق على الذى كان يسير عشرة دقائق إلى البئر كل يوم مثلاً ليملأ قربة ماءه بعكس الذى يسير إلى المطبخ فى نصف دقيقة اليوم، فهما يتضجران بنفس القدر، لكن الثانى وفّر وقتاً مطلقاً يمكنه إستخدامه فيما يفيده أو يفيد غيره. كذلك التقدم الرهيب فى الطب لا يمكن إعتباره نسبياً، فإعادة البصر إلى أعمى أو إنقاذ طفل من اليتم بإنقاذ حياة أبيه أو أمه ليست من قبيل الأشياء النسبية التى يتم الإعتياد عليها، بل هى محاور هامة تُشكل نمط حياة الإنسان ونترك بصمة واضحة عليه حتى يموت. إذاً فهناك تطورات وإختراعات نسبية تفقد تأثيرها سريبعاً ثم تتحول إلى عبء على الفرد والمجتمع بعد تحولها لضرورة، وهناك تطورات وإختراعات نسبية يرقى بها المجتمع فعلاً ولا تفقد تأثيرها مع الزمن

ومن اللافت اكتشاف دراسة حديثة لوجود حد أقصى من السعادة يجلبها المال، حيث لم تزدد سعادة مَن تعدت دخولهم السنوية  مبلغ 75 ألف دولار[3]، بينما أكدت أخرى أن الدول التى تزيد فيها الدخول لا تزيد مستوى السعادة بها[4] وأرجعت السبب إلى نمو طموحات الناس بنمو دخولهم.. ونستنتج من هذا أن زيادة الدخل على مستوى الدولة ككل لا يجعل مواطنيها أسعد نظراً لأنهم لا يزالون يقارونون أنفسهم بجيرانهم وأقاربهم[5]

حسناً.. كيف يمكننا استغلال كل تلك التحليلات والحقائق عملياً لتعظيم السعادة المطْلقة وتقليل التعاسة المطْلقة؟ الإجابة لن تفاجئك بتاتاً يا عزيزى القارىء فهى مستقاة من تشريعات الأديان و أقوال الحكماء، وهى ببساطة تجنُّب الإسراف والترف الظاهرى الزائد. فإن كنت تعيش فى قرية لا يوجد بها أية أجهزة تكييف مثلاً، وكنت قد عشت أنت وأسلافك طوال حياتكم بدونه، ولم يكن جيرانك يتميزون عنك بشىء ترفيهى مماثل (يعنى مش معقيدنك ومحتاج “تنتقم” منهم) ففى الواقع لن تكون لك حاجة لشرائه بالمرة لأن ذلك سيظل يؤذى غيرك إلى أن يقلدوك، وإن قلدوك فستُهدَر بعض موارد المجتمع فى شىء لن يجلب له سعادة مُطلقة بل مؤقتة سرعان ما تزول

مثال آخر.. تخيل أننا فى الثمانينات حين كانت أفخم سيارة فى معظم نواحى مصر هى الـ132، فإذا بأحدهم يشترى مرسيدس، ليس لأنها توفر فى الوقود أو فى الصيانة، بل لأنها “ستُعقد” جيرانه وأصدقاءه! حينها سيكون مسؤولاً هو وأوائل من يتبعوه عن بدء السباق المحموم على مُدِلات السيارات وإهدار الملايين من موارد المجتمع عليها حتى يمتلك الجميع المرسيدس ويخسر المجتمع أمولاً طائلة قبل أن يعود لنقطة التوازن فى السعادة ثانية. نفس الشىء ينطبق على مَركات الملابس والنظارات والساعات والأثاث ذات الأسعار الخيالية .. فما أن يبدأ واحد فى أى “شلة” أصدقاء أو مجتمع بشرائها حتى يحفِّز الباقين للتنافس معه ومضاهاته، والنتيجة النهائية خسارة الجميع مادياً ومعنوياً. مادياً لِما يُهدر من مال، ومعنوياً لأن كثيراً من الحقد والحسد -وهما مصادر رئيسية للتعاسة والمشاكل فى أى مجتمع- سببها النماذج المذكورة من محبى المنظرة، ولعل هذا يكون سبب تحريم الأديان كلها تقريباً للإسراف والبطَر والترغيب فى الزهد والتواضع (مع الإعتراف بأن الإسراف إن دام يجلب لصاحبه سعادة مطْلقة وليست مؤقتة لأن الشعور بالتميّز يقل لكنه لا يزول)

ومجتمع ينفق أمواله فى ذلك الهراء يشبه من يتعاطى المخدرات ليشعر بسعادة وقتية، لكن سرعان ما تتلاشى تلك السعادة لتتبدل بشعور محايد وما يتبقى فقط هو الإدمان المكلف. ولهذا فأفضل معيار لمعرفة ما إذا كان ينبغى عليك شراء سلعة معينة أم لا هو مقارنتها بـ”المتوسط” أو السائد. ويمكننا أيضاً التفرقة بسهولة بين الأشياء الترفيهية والأساسية.. فالترفيهية هى التى يعود مستوى سعادَتك بعد الحصول عليها بفترة قصيرة لمرحلة التوازن، أما الأساسية فهى مغزولة بحمضنا النووى إن جاز التعبير فتؤثر على مستوى السعادة المطلُقة وليست الوقتية فقط.. ومن أمثلتها الطعام والشراب والنوم والمساواة مع من تعتبرهم أقراناً لك، فلم نر أحداً يعتاد على الجوع أو العطش أو سوء المعاملة من مِثله مهما طال إلا بنسبة محدودة حتى وإن كانت البلد كلها جوعانة وعطشانة وساهرة ومظلومة. ولذا فإن صار لدى نصف أفراد مجتمع معين تكييف ومرسيدس مثلاً فستصير سلعاً أساسية، لأن من لا يمتلكها لن يعتاد على حرمانه مما عند أقرانه أبداً

وبعد جرعة الحكمة المركزة هذه أستأذنكم الآن.. فقد حان موعد طائرتى لشرم!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

المصادر
[1]http://www.amazon.com/Status-Syndrome-Standing-Affects-Longevity/dp/0805073701
[2]فحتى إن كنت وُلدت بعد النكبة بعشرات السنين فلن تشعر يوماً بأن إحتلال فلسطين شىء طبيعى لأن أحداً لم يُقنعنك أن اليهود أرقى من العرب، وبهذا نفهم سبب تقبُّل الغربيين لإحتلالها.. فالإعلام الصهيونى يُلقنهم منذ الصِغر أن اليهود مساكين ومضطهدين أما العرب فمجرمين متخلفين، فلم تعد  فى نظرهم معركة بين أنداد بل صارت بين بشراً يذبحون حيوانات فلم يعد للإستنكار داع
[3]http://www.livescience.com/culture/money-buys-happiness-life-satisfaction-income-well-being-100906.html
[4]http://www.livescience.com/culture/economic-growth-happiness-101213.html
http://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-1338272/Money-does-NOT-buy-happiness-scientists-prove-unless-neighbour.html
[5]http://www.futurity.org/society-culture/happiness-is-earning-more-than-you-do/

Advertisements

Posted فبراير 16, 2012 by حسام حربى in سعادة

One response to “ما بين السعادة النسبية والمطلقة

Subscribe to comments with RSS.

  1. حسبنا الله شرم انا بحقد عليك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: