العبرة دائماً بالنهاية   2 تعليقان

مهما تمتعت قطرات المياه برحلتها النهرية فإن ما ستتذكره هو كيفية سقوطها فى الشلال

ماذا يحدث يا عزيزى القارىء لو أنك عايشت تجربة شديدة الجمال ثم إنتهت بنهاية تعيسة؟ مثلاً لو سافرت فى رحلة مريحة للأعصاب لمدة شهر وفى آخر يوم تعطلت السيارة وفاتتك الطائرة وإضطررت للبيات فى المطار وإستعمال دورة مياه قذرة وتشاجرَت مع زوجتك؟ الحقيقة أنك عندما تسترجع تلك التجربة فى المستقبل فستتذكرها على أنها تجربة “سيئة” فى مجملها، وقد يقشعر جلدك إن تكلم أحد عنها أمامك وتود لو أنه سكت فوراً. وهذا تماماً مثلما تستمتع بصحبة أحد والديك لعشرات السنين ثم تفقده فجأة، فهذا لن يمحو تأثير الذكريات الجميلة فحسب بل سيحولها إلى جحيم مستعر كلما جالت بخاطرك. والأكثر من ذلك أنه كلما زاد جمال تلك الذكريات كلما زادت مرارة الألم بعد الفقدان والعكس.. فإن كانت ظروف الوفاة شديدة القسوة لربما بدأْت بالحقد على الأيتام أو الذين يكرهون آباءهم لسوء معاملتهم إياهم على إعتبار أنهم أكثر حظاً منك! وكل هذا على المستوى العقل الباطن بالطبع فنحن لا نتحدث عن تحليلك الواعى

وقد قرأْْت فى إحدى الكتيبات المتعلقة بالسعادة ملحوظة شديدة الوضوح رغم أنى لم أنتبه لها أبداً، وهى أننا نحكم على علاقتنا بأى شخص -صديق مثلاً- بحسب آخر تجربة لنا معه وليس مجموع التجارب.. فلو كانت آخر تجربة هى مشاجرة فسيشكل تذكّر هذا الصديق الذى ربما لم نختلف معه يوماً ألماً، والعكس صحيح بالنسبة لعدو تصالحنا معه ففى هذه الحالة سيشكل تذكر هذا العدو الذى صار صديقاً ذكرى طيبة بما فى ذلك أحلك لحظات الخلاف.. بل وربما تذكرناها معاً وضحكنا عليها وسخرنا منها لأنه تم “إلغاءها” بعدما تصالحنا. وهذا يؤثر على قراراتنا المستقبلية أيضاً، فبعد تجربة النموذجين ستختار أن تعادى شخصاً عاماً ثم تصادقه عاماً ثم تموت بدلاً من أن تصادقه عاماً ثم تعاديه عاماً ثم تموت، لأنه فى الحالة الثانية “ستُلغَى” فترة الصداقة خلال العالم الثانى وكأنها لم تكن، وكأن العامان كانا فى عداوة. إذاً فالنهاية السعيدة أو التعيسة تحكم ذكريات الماضى وقرارات المستقبل، وهناك فرق شاسع بين “مدة السعادة\التعاسة” و”التجربة السعيدة\التعيسة”، إذ أن الأولى تُقاس بالوقت المجرّد والثانية تقاس بنهاية التجربة

وتنطبق تلك القاعدة على كل شىء فى حياتنا تقريباً بما فى ذلك العادات الحسنة والعادات السيئة.. فلو كنت تواظب على الرياضة مثلاً عدة سنوات ثم توقفت لأى سبب فستشكل تلك الذكريات بالنسبة لك ألماً لأن “النهاية” كانت توقفك عن ممارسة شىء تحبه أو شىء مفيد، والعكس إن تمكنْت من التوقف عن التدخين مثلاً، ففى هذه الحالة ستشعر بالسعادة والفخر بإنجازك الذى حققته كلما رأيت علبة سجائر أو شاهدت أحد المدخنين، وهذه السعادة موازية للألم الذى تحملته فى سبيل وصولك للهدف، وهذا الألم أصلاً كان يساوى السعادة التى تَحصل عليها من التدخين! وتلك الملحوظة شديدة الغرابة، لأنها تصب فى فكرة أن كل ما فى الدنيا “باطل” أو “وهم”، فالتجربة الجميلة تُمحى بمجرد نهاية سيئة والعكس، والتأثير النفسى للعادة الجيدة يُعكَس بالتوقف عنها والعكس.. وكأنه لا توجد ذكرى جميلة “حقيقية” يمكن الإحتفاظ بها للأبد اللهم إلا إن وازاها ألماً يقابلها والعكس صحيح أيضاً. وقد لفت نظرى كره بعض الناس لإيران بناءاً على شائعات أنها ساعدت أمريكا فى غزو أفغانستان بينما لم يكرهوا أمريكا ذاتها بنفس القدر! نستنتج من هذا مرة أخرى أن “آخر إنطباع” هو الذى يبقى بالفعل، فمهما كان سمع عن إيران من خير قبلها فهو يحكم بآخر ما سمعه ومهما سمع عن أمريكا من شر فهو لم يتأثر لأنه كان يتوقع منها ذلك

ويمكننا الخروج من تلك المشاهدات بنصيحة عملية وهى أن العبرة دائماً بالنهاية، وبالتالى فيكون علينا السعى دائماً إلى إنهاء جميع تجاربنا السيئة بطريقة تدريجية بقدر الإمكان والعكس صحيح للتجارب الجيدة.. فمثلاً ليس من الحكمة فى شىء أن تزيد من تعلقك بوالديك عند كبرهما لأنك قد تفقدها فى أى لحظة، ونهاية كتلك ستكون مدمرة لك لأنها هى التى ستَبقى كلما تذكرتهما. والعكس صحيح فى حالة مرضهما، ففى هذه الحالة عليك بخدمتهما حتى تضجر فتكون آخر ذكرياتك معهما سيئة. وإن إضطررت للخوض فى تجربة طلاق أو فراق مثلاً فلتكن بعد فترة من الفتور العاطفى -أربعة أشهر على الأقل كما أمرنا القرآن- كى لا تتحول كل الذكريات الجميلة فجأة لذكريات مريرة، بل تتحول لذكريات محايدة فقط وهذا أفضل ما يمكن الوصول إليه. كل هذا سيترك ذكرى أقل سوءاً على المدى الطويل لأن عقلك كما قلنا يتذكر آخر جزء مُعتبر من التجربة ولا يهمه التجربة نفسها مهما طالت أو ساءت

أما إن سافرت فى رحلة ممتعة فلا تركز إهتمامك بمدتها طالما سمحَت لك المدة بتجربة كل الأنشطة الممتعة بها، فسواءاً كانت مدتها أسبوعاً ام شهراً بعد ذلك فليس هذا هو ما سيبقى فى ذاكرتك، لكن إهتم بجعل أمتع أيامك بها هى آخر يوم أو إثنين لأن هذا هو ما سيبقى معك طيلة حياتك.. ولا تجعل الطائرة تفوتك عند العودة!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted فبراير 20, 2012 by حسام حربى in سعادة

2 responses to “العبرة دائماً بالنهاية

Subscribe to comments with RSS.

  1. السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    شكرا على هذة المدونة الرائعة وعلى ماسبقها

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: