الموت ليس المشكلة   Leave a comment

تعودنا إطعام قط كان يقطن عندنا فى العمارة تصادَق عليه والدى وأطلق عليه اسم “بُسبُس” -أو “بسبوس”وقت التدليل- لكنى تأملت قليلاً فوجدت أن إطعامه لا يعد من أعمال الخير تجاه الحيوانات.. فنحن إما أن نعطيه لبناً ومشتقاته مما يعود بالضرر على العجل الذى كان سيشربه، وإما أن نعطيه جزءاً من سمكة كانت ستأكلها سمكة أخرى، أو دجاجة كان سيأكلها مخلوق آخر (للأمانة كان بُسبُس يحب أن “يحبس” ببعض الزيتون المخلل بعد الأكل وهو لا يضر بذلك أحداً، لكنها لم تكن وجبته الرئيسية). إذاً عندما يتعلق الأمر بدورة الحياة فكل مخلوق يموت يهب الحياة لغيره بموته هذا ويمنحه جزيئاته ليعيش من خلالها

الموت فى حد ذاته لا يغيّر شيئاً إذاً، الفارق الوحيد هو الشعور بالسعادة أو التعاسة أثناء الحياة. فمثلاُ ستؤكَل البقرة وستؤكل الدجاجة فى كل الأحوال، وسيتغذى على لحمهما مخلوق آخر سواءاً كان إنساناً أم ذئباً أم ثعلباً، لكن من الممكن أن تعيشا فى غابة أو مزرعة حياة هانئة إلى أن تحين الساعة المحتومة، ومن الممكن أيضاً أن تقضيا حياتهما فى صندوق خانق بمصنع ألبان أو مزرعة بيض لا يكاد يستطيع من سُجن بداخله أن يلتفت من جهة لأخرى من فرْط صغره (وهذه ليست أمثلة تخيلية للأسف، وعلى إثرها قمت بمقاطعة اللبن والبيض المعبأ آليا). وسيموت العصفور فى كل الأحوال وستلتهم جثته الطيور الجارحة والنمل.. لكنه إبان حياته إما أن يعيش مغرّداً بين الأغصان أو أن يعيش فى قفص ضيّق لا يمَكّنه من الطيران حبسه به أنانى متجبر.. هذا هو الفارق الوحيد

وفى الحقيقة ينطبق الكلام ذاته على البشر وإن كان بدرجة أكثر تعقيداً، فتخيل أنك أنقذت طفلاً من الموت مثلاً، هل تظن أنك بهذا تكون أنقذت حياة إنسان؟ فى الحقيقة لا، فأنت بإنقاذه تكون حرمت من الحياة الطفل الذى لم يٌخلق بعد والذى كان سينجبه أبواه بدلاً منه إن مات الطفل الأول، فالنتيجة النهائية واحدة فى الحالتين وهى موت أحدهما (أو عدم خلقه) وحياة الآخر. كذا فى حالة موت شاب فجائياً فى حادث أو جريمة مثلاً.. أنت ترى المشهد وتظنه مأساوياً خاصة بالنسبة لأبويه وأصدقائه الذين يبكونه، لكنك لو فكرت قليلاً ستجد أنه لو لم يمت اليوم سيبكى هو أبويه عند موتهما غداً ثم يبكى أصدقاءه بعد غد، أى أن النتيجة واحدة. لذا فالسؤال المهم ليس: هل مات أم لا؟ بل: هل عاش حياة سعيدة قبل أن يموت أم لا؟

إذاً فالمحصلة النهائية فى كثير من الحالات التى تبدو لنا إنسانية -كما فى حالة إطعام بسبس- أو مأساوية -كما فى حالة موت فرد من أسرة- فى الحقيقة نتائجها الكلية تكاد تكون متطابقة عندما نأخذ مستوى سعادة المجتمع بأسره الحالية والمستقبلية بعين الإعتبار. ولهذه القاعدة تطبيقات عملية كثيرة فيما يتعلق بالإجهاض مثلاً وما يعرف بالقتل الرحيم لأصحاب الأمراض المزمنة أو التشوهات، لكننا لن نتطرق إليها لأسباب مفهومة..

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted فبراير 23, 2012 by حسام حربى in سعادة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: