تصنيع السعادة بخداع النفس   Leave a comment

هل تتحرك هذه الدوائر أم لا؟ لا يهم.. فما دمت تراها تتحرك فهى تتحرك!

لو خيرتك الآن بين أن تأخذ منى مليون جنيه أو لا تأخذها ماذا ستختار؟
هل أنت متأكد؟ فكر قليلاً..
آخر كلام؟ لن تستطيع تغيير رأيك الآن..
حسناً. للأسف لقد كنت أخدعك. لن أعطيك شيئاً
لاحظ ما يدور فى خلدك فى هذه اللحظة
أنت الآن تفكر بأن هذا أفضل لك على كل حال.. وأنك لم تكن تريدها أصلاً.. وأن هذا المبلغ كان سيفسد أخلاقك ويدفعك لمعاقرة الخمر وإدمان المخدرات والصرمحة مع النساء

وهكذا يا عزيزى القارىء تكون قد اكتشفت سر السعادة الصناعية!

فى احصاءات ودراسات علمية  كثيرة وُجد أن البشر يلجأون لتصنيع السعادة بأنفسهم عندما لا يكون لهم خيار أفضل من وضعهم الحالى. فعلى سبيل المثال وُجد أن مبتورى الأرجل يتساوون فى مستوى سعادتهم بعد عام مع رابحى اليانصيب[1]! كيف هذا؟ لأن مبتورى الأرجل فعلوا مثلما فعلت أنت منذ ثوان تماماً.. إذ بدأوا يفكرون بأن وضعهم الجديد أفضل لهم، وأنهم الآن لا يحتاجون للذهاب للعمل مثلاً، وأنه بوسعهم قضاء المزيد من وقتهم فى القراءة أو مشاهدة التلفاز الخ حتى صاروا يعتقدون أو يقتربون من الإعتقاد خلال عام من غسيل مخهم بأنفسهم بأن ما حدث كان خيراً لهم بالفعل! وكان متوقع أن يكون هذا النوع من التبرير سائد فى الثقافات المتدينة فقط عملاً بِحِكَم من قبيل “الخيرة فيما اختاره الله” رغم تناقضها مع القرآن نفسه والقائل بأن الإنسان يُبتلى بالشر والخير ويُبتلى أحياناً بما لا يصبر عليه الخ، لكنه فى الحقيقة شعور بشرى عالمى بغض النظر عن الدين والثقافة والجنسية. ونستطيع أن نفكر فى عشرات المواقف التى يخدع الناس فيها أنفسهم ويصنّعون سعادتهم، مثلاً:

واحد لم يأت بمجموع فى الثانوية العامة: لو كنت أتيت بمجموع كبير كنت دخلت كلية الطب وأضعت سبع سنين من عمرى لأعمل فى النهاية بـ700 جنيه فى الشهر.. ثم إنى أكره منظر الدماء
واحد دخل السجن: السجن للجدعان واهو الواحد يريح نفسه يومين من الدنيا وبلاويها
واحد أهله ماتوا: كانوا تعبانين فى مرضهم.. ثم إنها سنة الحياة
واحدة جوزها طلقها: كويس لأنى كنت باكرهه أصلاً ودلوقتى رجعتلى حريتى
واحدة مش عارفة تتجوز: كويس عشان مايحصليش زى ما حصل لفلانة
واحد خلّف عيال مطلعين عينه: لولاهم كنت هاعانى من الفراغ وما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط
واحد مش عارف يخلف: شوف عيال فلان عاملين فيه إيه
واحد اتعمى واتطرش واتشل وكان ظالم: الحمدلله ربنا عايز يكفر عن ذنوبى
واحد اتعمى واتطرش واتشل وكان صالح: الحمدلله ربنا عايز يرفع درجتى فى الجنة

وهكذا يا عزيزى القارىء فمن المحال أن يواجه الإنسان نفسه بأن وضعه الحالى صار أسوأ. ولماذا سيفعل ذلك مادام لا يمكنه تغيير الوضع الجديد؟ لكن تعال إعطى فاشل الثانوية فرصة إعادة أو اعطى المسجون فرصة استئناف أو اعطى المريض فرصة شفاء وستجد الفاشل إذ فجأة يحب منظر الدماء والسجين يشتاق لبلاوى الدنيا والمريض يزهد فى ثواب الصابرين!

الأدهى من ذلك أننا -بحسب دراسة نُشرت فى سجل علم النفس التجريبى- كثيراً ما ننسى أصلاً أننا لم نكن نريد ذلك من قبل حدوثه[2].. فمثلاً الذى دخل السجن سيظل يتذكر اللحظات التى كان يعانى منها خارجه ويقنع نفسه حقاً أنه كان يريد أخذ راحة! كذا للتى طلقها زوجها أو الذى أصيب بمرض.. سيغيرون ماضيهم فى أدمغتهم ليتماشى مع الوضع الجديد وكأنهم كانوا يريدون وقوعه. وقد أظهر أحد الأبحاث المذهلة أنه كلما تم تذكير الأهل بمصاريف أطفالهم الباهظة كلما كانوا أكثر سعادة بإنجابهم! أى أنهم يخلّقون لاشعورياً سعادة صناعية ليس فقط تعادل بل وتزيد على الشعور بالمأساة نتيجة ما يتم تذكيرهم به. وقد جربت شعوراً شبيهاً بنفسى عدة مرات وذُهلت ومازلت أُذهل فى كل مرة يحدث لى.. فمثلاً إن أُصبت فلم أتمكن من مزاولة الرياضة أجدنى أقول لنفسى فوراً أن هذا أفضل لأنى أحتاج لبعض الراحة أو لأنى مشغول هذه الأيام الخ وكأنى لو لم أُصَب كنت سأصيب نفسى على أية حال! وجربها على نفسك فى أول موقف سىء لا خلاص لك منه وستفاجأ مثلى تماما

والآن ما رأيك فى هذا المقال؟ نقول أنه لم يضف جديداً لمعلوماتك وأضاع وقتك؟ لا يهم.. فقد كنت تود إراحة أعصابك بقراءة شىء ممل لمدة عشر دقائق أليس كذلك؟

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

[1]http://www.ted.com/talks/dan_gilbert_asks_why_are_we_happy.html
[2]http://www.psychologytoday.com/blog/ulterior-motives/201011/your-future-happiness-depends-less-the-present-you-might-think

Advertisements

Posted فبراير 27, 2012 by حسام حربى in سعادة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: