ماذا يسبب شعور الفخر والعار؟   Leave a comment

سيستمر فى الفخر طالما استمرينا فى اعتباره ملكا

هل شعرت يوماً بالخجل؟ بالتأكيد حدث ذلك. ماذا كان السبب؟ أغلب الظن أنك ستقول أنه كان فعلك لشىء لم يكن ينبغى عليك فعله، وبعبارة أخرى أنك “أخطأت” أو “قصّرت”

حسناً دعنى أسألك سؤالا آخر.. هل شعرت يوماً بالخجل من شىء ليس لك عليه تحكم؟ كشكلك أو مستواك الإجتماعى أو وظيفة والدك أو تصرف قام به أحد أقرباءك؟ أو حتى بتصرفات حكومتك التى لم تنتخبها لكنها تمثلك رغماً عنك. بالتأكيد حدث ذلك أيضاً. والآن دعنى أسألك.. ما السبب هذه المرة؟

أنت لا تعرف الإجابة الآن

والسبب يا عزيزى القارىء أنك أخطأت فى إجابتك الأولى. فالذى غذى فيك شعور الخزى فى المرة الأولى والثانية هو فى الحقيقة نظرة الآخرين الخارجية لك وليس سوء شىء اقترفته. وبمعنى آخر، فلو أن المجتمع صار غداً يُقدّر الفقراء مثلاً باعتبارهم مكافحين وصبورين إلخ (ونقصد تقديراً حقيقياً نتيجة حملة إعلامية ضخمة مثلاً وليس مجاملة) فستجد إذ فجأة أن الفقراء يسيرون فى الشارع منتفخى الصدور مرفوعى الرأس، بينما الأغنياء يتوارون خجلاً متجنبين الحديث عن المستوى الإجتماعى وحجم الثروات! لماذا سيحدث ذلك؟ هل بسبب ذنب اقترفه الأغنياء فجأة أو ثواب قام به الفقراء فجأة؟ لا.. السبب ببساطة هو تغيّر نظرة الناس الجمعية والتى انعكست بداخل كل فرد منهم

كذا إن سافرت لبلد أجنبى أقوى وأغنى من بلدك بكثير.. أنت هنا ستشعر بالعار خاصة إن تطرقت فى الحديث مع أحد فى أمور السياسة الدولية وموازين القوى مثلاً. ما سبب هذا الشعور؟ أنت غير مسؤول بالمرة عما وصلَت إليك بلدك من تردى، بل بالعكس ربما تكون ساهمت أكثر من المعتاد فى تغيير هذا الوضع. لكنك لا تملك إلا الشعور بالعار فى حديثك هنا لأنك تعرف جيداً أن نظرة الآخر لك نظرة قوى إلى ضعيف. والعكس صحيح فى حالة ما لو سافرت لبلد إفريقى معدوم مثلاً

لكن على فرض أنك تحدثت فى ذات البلد الغنىّ لأحد المتعاطفين مع العرب والكارهين للحضارة الغربية كالكاتب الأمريكى نعوم تشمسكى أو النائب البريطانى جورج جَلَوى. أنت هنا ستتحدث معه وأنت ملىء بالفخر والإعتزاز لأنك تعرف أنه ينظر إليك نظرة تبجيل وتقدير. لم يتغير شىء على الإطلاق منذ خمس دقائق منذ كنت تتكلم مع الآخر الذى كنت تخجل منه.. كل ما تغير هو النظرة الخارجية لك مما انعكس على ما بداخلك فوراً!

هذه الملاحظة تكاد تدفعنا للجنون كلما فكرنا فيها.. إنها معاكسة تماماً لفكرة العدل أو مبدأ المسؤولية، إنها تحوى كل قبيح حذرتنا منه الأخلاق والقيم والأديان بل والأفلام والمسلسلات التى تشجعنا ليس فقط ألا نرتب أولوياتنا بحسب ما يراه الآخرون لكن أيضاً ألا نحكم على الناس بما لا يد لهم فيه، وألا نغتر بما لم نحققه بأنفسنا وجاء لنا بسهولة. لكن الواقع يضرب بكل ذلك عرض الحائط.. فأنت تفخر بثروة والدك، وتخجل من وظيفة أمك، وتغتر بقوة بلدك، وتتوارى من إسمك أو إسم عائلتك إن كان غريباً أو مضحكاً، وتعتز بشكلك وبصحتك إن كنت سليماً وسيماً والعكس صحيح. ناهيك عن شعورك بالزهو لارتداءك ملابس معينة أو قيامك بأفعال معينة يقدرها مجتمعك المحيط حتى إن كانت لا تعجبك شخصياً والعكس صحيح، وما الحائزين على شهادات الماجستير والدكتوراه رغم يقينهم بأنها لا تكاد تساوى شيئاً من الناحية العملية منا ببعيد، ولا مرتدِى البذلات وربطات العنق رغم كراهتهم لها منا بأبعد

ولعل تفسير هذه الظاهرة العجيبة يكمن فيما تحدثنا عنه فى مقال سابق حول “برنامج جسدك”، فبداخل كل منا برنامج يعمل على مستوى العقل الباطن لإرساء قواعد غير منطوقة يعلمها الجميع ويتعامل على أساسها. وأحد تلك القواعد تقول بأنه إن كان أباك ثرياً فهذا لأنه ذكى مثلاً، وبالتالى فأغلب الظن أنك ذكى مثله، وبالتالى فأنت أفضل من الآخرين والعكس صحيح. كذا إن كانت بلدك قوية، فهذا معناها أنها ما صارت كذلك إلا باجتهاد وحكمة مواطنيها، وبما أنك من أفرادها فأغلب الظن -طبقاً لقانون الإحتمالات- أنك أفضل من مواطن الدولة الضعيفة. وعندما نتحدث عن الأفضلية هنا لا نعنى الأفضلية العصامية فى “المحاولة” و”العزيمة” و”الإجتهاد” إلخ، بل نعنى الأفضلية النهائية والتى تتحدد بالنتيجة الفعلية لأن ذلك يصب بدوره فى أهم نقطة يسعى لها الرجال وهى الجنس، فإبن الثرى يبرز ثراء أباه ليقول للنساء أنظروا إلى ما حققه أبى وأنا مثله، وابن الفقير يتوارى خجلاً مما عجز عنه أباه لأن أغلب الظن أنه سيكون مثله أيضاً. لا يهم لو لم يجتهد الثرى ليحصل على ثروته، ولا يهم إن كان الفقير يعصر نفسه عصراً ليحاول الإرتقاء بمستواه.. ما يهم هو أن هذا غنى الآن وهذا فقير الآن وبالتالى فمن حق الأول الحصول على الجنس لأن بوسعه تأمين مستقبل أبناء وزوجة أو عدة زوجات بينما هذا ليس من حقه لأنه لا يملك شيئاً يقدمه لهم. وتتبع رموز المكانة الإجتماعية كالملابس والشهادات نفس النمط.. فتقليدك لما يقوم به عامة الناس وتفوقك عليهم فى تلك المجالات يجعلك أهل لإحترامهم وتقديرهم وبالتالى يصير من حقك تكوين أسرة بينهم باعتبارك “ناجح” لديه القدرة على الفوز فى لعبتهم التى أسسوا قواعدها من قبل مولدك

المذهل أن شعور الفخر أو الخزى يمتد حتى لتصرفاتك وآراءك الشخصية التى تعتقد جازماً بكونها أفضل من غيرها.. فالمسلمين فى الغرب مثلاً مقتنعون بأن الإسلام هو الدين الصحيح وأنه أفضل من غيره، لكنهم مع ذلك يشعرون بالعار لكونهم مسلمون بسبب نظرة المجتمع السائدة تجاههم ليس إلا! كذا فى حالة رجل تزوج امرأة تصغره كثيراً أو تكبره فى العمر.. هو مقتنع بأنه لم يخطىء فى شىء وأنها حرية شخصية، لكن نظرة الناس له تؤلمه فى كل مرة يظهر فيها مع زوجته أمام شخص جديد لأنه يدرك استنكاره عليه بينه وبين نفسه حتى وإن تبسم له من الخارج، خاصة إن كان المجتمع تدخلياً كثير الحكم على الآخرين. إنه مبدأ التعميم وتهميش الفرد على حساب الجماعة وقياس الأمور بمقياس القطيع

إذاً ففى المرة القادمة عزيزى القارىء التى تشعر فيها بالفخر بشىء تعلم بينك وبين نفسك أنه لا يستدعى الفخر، أو بالخجل من شىء تعلم بينك وبين نفسك أنه لا يستدعى الخجل فهوّن عليك.. فهذا الشعور لا يعنى حقاً أنك صرت أفضل أو أسوأ من غيرك، بل هو مجرد إحساس نابع من مدى اهتمامك بنظرة الآخرين لك!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مارس 2, 2012 by حسام حربى in سعادة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: