حياتك أكواب مثقوبة تملأها باستمرار   Leave a comment

أنت تقرأ هذه التدوينة الآن لأن كوبك التأملى قد فرغ ويحتاج لملئه

عندما استيقظتَ اليوم كان لديك 16 ساعة تقضيها فى الأنشطة المختلفة قبل شعورك بالنعاس مجدداً، وبعدما تناولت الإفطار كان لديك سبعة ساعات قبل شعورك بالجوع مجدداً، ثم سارعت بدخول الخلاء مما منحك أربعة ساعات قبل احتياجك له مجدداً، وعندما اغتسلت صار لديك يوم أو يومان قبل فوحان رائحتك مجدداً، ثم بعد إنتهاءك من العمل تبقى لديك 16 ساعة قبل اضطرارك للذهاب له مجدداً. أما بعد رجوعك من العمل فربما مارست بعض الرياضة مما يعنى أنك ستتخلص من مجهودها حتى الغد، ثم تحدثت قليلاً مع والديك مما منحك ثلاثة أيام قبل شعورك بافتقادهم والسؤال عنهم مرة أخرى، ثم قضيت ساعة تتسامر مع خطيبتك أو زوجتك مما يعنى أنك لن تشتاق للثرثرة معها قبل يومين آخرين. وعندما تسافر فى إجازة لمدة أسبوعين هذا الصيف فسيمنحك هذا 50 أسبوعاً قبل شعورك بالرغبة الملحة فى السفر ثانية

وهكذا أيها القارىء المسكين فحياتك عبارة عن مجموعة أكواب مثقوبة تحاول جاهداً طوال اليوم وطوال الأسبوع وطوال العام ملأها سريعاً ثم تتركها تقطر كى تملأ الأكواب الأخرى قبل فراغها. وبحسب حجم الثقب فى قاع كل كوب يتناقص ما بداخله بسرعة أو ببطء.. فكوب الطعام يفرغ كل بضعة ساعات فتملأه مرتين أو ثلاثة كل يوم، بينما كوب النوم والعمل يفرغ كل يوم، وكوب السؤال عن الأهل يفرغ كل بضعة أيام، وكوب الأصدقاء المقربين يفرغ كل أسبوع أو أسبوعين وهكذا. وكلما كان العمل مكرراً كلما قًل مستوى وعيك أثناء أداؤه.. فالقيادة أو المشى للعمل اليومى مثلاً لا تحتاج منك أى تركيز لأن كل القرارات المتعلقة بها تلقائية تماماً ولذا فلا تكون مدركاً تقريباً أثناء أداءها.

إذاً أين حياتك؟ إذا كنت تجرى طوال عمرك كالثور فى الساقية فمتى تشعر بوجودك وبذاتك؟ ما الفارق بينك وبين ترس فى آلة يدور ويدور حتى تنتهى صلاحيته ليتم استبداله بترس جديد يواجه نفس المصير؟

تتلخص حياتك الحقيقية فيما تفعله بين ملء تلك الأكواب المتنأثرة هنا وهناك. فأى عمل تحققه لا يُعتبر إنجازاً إن كان عليك تكراره مجدداً بعد يوم أو بعد أسبوع أو بعد عام.. الإنجاز الحقيقى هو ما يمكنك فعله مرة واحدة فى العمر ثم الإسترخاء والشعور بالفخر والرضا لتحقيقك إياه. قد يكون ذلك بتأسيسك لمشروع خيرى أو المساهمة به، وقد يكون بفكرة تبتكرها أو اختراع تقدمه يغير طريقة حياة الناس، وقد يكون بالمشاركة فى تحقيق انتصار عسكرى يُسطّر فى الكتب ويغيّر مجرى التاريخ للأبد، أو حتى قد يكون بكتاب تؤلفه أو مقطع تنشره يؤثر فى قلوب الناس وعقول المجتمع إبان حياتك وبعد وفاتك. هذه هى نوعية الإنجازات التى تُنجى الإنسان من إطار الأكواب الممتلئة والفارغة، وهى ما تُخرج الرجال من عالم التروس إلى عالم الخلود

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مارس 9, 2012 by حسام حربى in فلسفة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: