وحدة الوجود.. وبطلانه   Leave a comment

سالب وموجب.. مجموعهما صفر

ليس فقط تتمايز، بل بضدها تتواجد الأشياء. فلا تكون المادة الصلبة صلبة إلا لوجود أخرى أكثر منها مرونة، ولا تكون الشحنة السالبة سالبة إلا لوجود أخرى موجبة. كذا ما جعل الكريم كريماً إلا وجود شخص أقل كرماً منه، وما جعل البخيل بخيلاً إلا لأن عامة الناس أكرم منه، وما أثنينا على الطيب إلا لوجود الشرير، وما انتقدنا الشرير إلا عند مقارنته بالطيب. وقِس على ذلك كل مادى ومعنوى فى هذه الدنيا.. لا وجود لشىء ولا لوصف ولا لفكرة إلا بوجود مضاداتها. وأحد التشبيهات اللطيفة على ذلك تقول بأننا نعرف بوجود الماء لأننا نحيا فى الهواء، لكن السمكة لا تشعر بوجود الماء لأنها لا تخرج منه أبداً

هذه الملاحظات ليست فلسفية صِرفة بل لها دلالة هامة، وهى أنه ما مِن جزء فى هذا الكون يمكنه التواجد دون نقيضه، ولا فكرة يمكنها التواجد دون ضدها من الأفكار. فالكنّاس لا يتواجد إلا بالقمامة، والشرطى لا عيش له إلا بفضل اللص، والشيخ لا حاجة له إلا للجاهل والمذنب، وما كان صلاح الدين سيكون صلاح الدين إلا بالصليبيين!

وهنا لابد لنا أن نتوقف ونفكر.. هل حقيقة الأشياء فعلاً كما نراها؟ هل فعلاً هناك أشياء “جيدة” وأخرى “سيئة”؟ هل فعلاً هناك غرفة “ساخنة” وأخرى “باردة”؟ هل فعلاً هناك “صلاح الدين” وهناك “صليبيون”؟ أم أن كل هؤلاء مكملون لبعضهم البعض ويعملون معاً تحت نظام واحد كالتروس فى الآلة؟

ولنضرب مثالاً مبسطاً بجهاز التكييف.. فكما تعلمون هو لا يقضى على حرارة الهواء، بل كل ما يفعله هو تبخير مادة الفريون لتسريب تلك الحرارة خارج الغرفة التى يعمل بها. وهكذا فلو تخيلنا وجهة نظر ساكن الغرفة فسنجده يعتقد أن التكييف يجعل من الهواء الساخن باردا، أما وجهة نظر الواقف خارجها فستكون أن التكييف يجعل من الهواء البارد ساخنا. لكن الحكيم الذى ينظر للإثنين معاً يعلم أن التكييف لا يغيّر من حرارة الجو للأبرد ولا للأسخن، بل كل ما يفعله هو التمييز بين أشياء سرعان ما تتمازج مرة أخرى فور توقفه عن العمل. وهذا ينطبق فعلاً على تكوين جزيئات الكون التى هى عبارة عن شحنات متناقضة كالإلكترونات وضدها البروتونات

وبالتالى فلو فرضنا وجود جهة خارج هذا الكون تلاحظه فلن ترى السالب ولا الموجب ولا الكريم ولا البخيل ولا الغنى ولا الفقير ولا النصر ولا الهزيمة.. فهذه كلها أشياء نراها نحن من وجهة نظرنا القاصرة بعيداً عن الصورة الكبيرة. لكن هذه الجهة سترى المُجمل بعد “خَصْم” البارد من الساخن والطيب من الشرير والألم من اللذة والفريسة من المفترس، وبالتالى تكون النتيجة النهائية.. صفر!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مارس 15, 2012 by حسام حربى in فلسفة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: