من الذرة للمجرة   Leave a comment

الصورة اليمنى للكون، واليسرى لخلية مخ

إن حرية الإنسان لا تغدو عن كونها جزءاً يسيراً جداً من حياته، فهو لا يستطيع تغيير إحتياجه للطعام والماء والهواء ولا للحركة والنوم والتفكير ولا الفرح والحزن.. وما تبقى من قرارات يعتقد أنها إختياراته الحرة تخضع لضغوط كثيرة جداً وراثية وبيئية وهرمونية كالتى تحدثنا عنها فى مقالات علم النفس، فعقلك بشقيه الباطن والواعى هو نظام سياسى متكامل لدولة بما فيها القائد (أنت) والمعارضة (ضميرك) والنفعيون (رغبتك فى اللذة العاجلة) والحكماء (رغبتك فى النجاح طويل الأمد) والعسكريون (الرغبة فى المنافسة والأذى والإنتقام) والسلميون (الرغبة فى الصداقة والتعاون) بل وحتى الكاذبون مزورى التقارير وقالبى الحقائق (خداع النفس)! وقد يأخذ القائد أحياناً قراراً بحبس المعارضة، أو إعدام الفاسدين، أو الإستماع للمخططين، بل وقد يقوم العسكر بانقلاب عليه فيفقد زمام الأمور تماماً إلى حين نجاح أو فشل ثورتهم. ولذا فإن اختزال الإنسان فى شخص واحد وهو القائد تبسيط شديد وبُعد عن الحقيقة، فكل منا هو فى الحقيقة مجموعة من آلاف القوى المتناحرة وما يظهر على السطح هو قرارها النهائى فحسب

هذا عن العالم الصغير بداخل الإنسان، لكن ماذا عن العالم الكبير خارجه؟ نلاحظ أنه عند تجمع عدد كبير من الناس فى مظاهرة مثلاً أنهم يتحولون إلى كيان جديد متحد ويصير كل منهم عضواً فيه بعدما نُزعت منه حريته وإستقلاليته.. فهل وُلد مخلوق جديد له وعى وإرادة منفصلين وهيمن عليهم عندما تجمعوا ثم مات عندما انفضوا؟ وكذا على مستوى الدول خاصة فى أوقات الحروب والصراعات إن نظرت إليها من منظور كبير، فتكون الدولة كالجسد المترابط وتسخّر كل إمكانيتها فى سبيل هدف معين. ثم قارن بين موت عشرة ملايين إنسان مبعثرين على مستوى العالم فى وباء كالطاعون مثلاً وبين موت نفس العدد لأمة واحدة تندثر. هل تلاحظ الفارق؟ رغم أن تعداد الوفيات واحد إلا أنه فى الحالة الثانية يبدو وكأن شخصاُ إضافياً قد مات وهو “روح” هذه الأمة التى هى أعظم وأبقى من مجموع أفرادها. بل إن تخلّى أمة عظيمة عن عاداتها وتقاليدها ولغتها ودينها وثقافتها يُعد فى حد ذاته موت مخلوق عظيم حتى ولو لم يصاحب ذلك موت فرد واحد من أفرادها

وقد إستغربت كثيراً من التشابه بين الخلية والإنسان والمجتمع والنجمة، فجميعهم عندما يموت أحدهم تُستخدم أجزاءه لتكوين كيان جديد من فصيلة شبيهة، كما أن جميعهم يتوالد ويموت ليحل محل الـ”جيل” القديم جيل جديد لبعض الوقت قبل انهيار النظام برمته ليختلط مرة أخرى بالنظام الأكبر منه فى دورة لا تنتهى. وكما يمكنك فقدان جزء من شخصيتك فى صدمة يمكن للدولة كذلك فقدان جزء من سكانها فى الكوارث، وكما يمكن سرقة أو بيع جزء من جسد إنسان لصالح آخر يمكن للدولة فقدان جزء من أراضيها فى الحروب أو فى الإنفصالات والتحالفات. وكما يتغير الإنسان قلباً وقالباً على مدار السنين تتغير الدولة تدريحيا من جيل لآخر بحسب تغيرات الظروف والعوامل المحيطة. وعلى المستوى الأكبر يمكن لمجموعة نجوم الإنضمام لمجرة أخرى حينما تتصادم مجرتان أو تلتهم إحداهما الأخرى كما يلتهم السبع فريسته! إنه حقاً لتشابه عجيب يصل إلى التطابق، وكأن كل وحدة من وحدات الوجود تجمع بين الإستقلالية على مستواها والإندماجية على مسوى أكبر منها والتَجَزُّء على مستوى أصغر منها فى ذات الوقت

فلماذا لا يكون الواحد منا كخلية الجسد تماماً، يندفع بقوة غير معلومة نحو نظام وخطة عليا دون أن يدرى؟ بل وربما تظن خلايا أجسادنا نفسها حرة وأنها تأخذ قراراتها بيدها بينما هى فى الواقع تسير وفق خطة محكمة ومجال دقيق للحركة لا تستطيع تجاوزه. وربما تكون للخلية أيضاً “حرية” بقدرٍ ما متاحة لها فى مجال صغير جداً لا نلاحظه نحن، تماماً كما سيعجز من يرانا من الفضاء الخارجى أن يلاحظ حريتنا من كثرة ما سنبدو كالخلايا المبرمجة التى تجرى وفق نظام محدد للصراع والتنافس دون تفكير. وكما أن بعض البشر يخرجون عن مسارهم الطبيعى فى الحياة فهناك بعضاً من كرات الدم البيضاء تهاجم صاحبها بدلاً من حمايته! والخلايا السرطانية هى نموذج لخلايا صالحة فسدت، فيهاجمها الجسم ويدمرها فى الوضع الطبيعى قبل أن تستفحل وتخرج عن السيطرة، مثلها مثل المجرمين فى مجتمعنا تماماً. وقد أثبتت تجربة تكاد تكون مخيفة أن الخلايا التى لا يمكنها إستيعاب سكر اللبن “لاكتوز” تأقلمت وإستوعبته عندما لم يكن أمامها أى مصدر طعام آخر، وكأنها إنسان يأخذ قرارات ويتأقلم ليأكل ما لا يحب عندما لا يجد بديلا له! كما أن بعض الخلايا تنتحر عندما يهاجمها المرض لتحمى بقية الجسم تماماً كما يفعل الإستشهاديون فى عالمنا!

السؤال قد يتحول إذاً من “هل أنا مسير أم مسير” إلى “هل كل أجزاء الكون مخيرة أم مسيرة؟”، فنحن جزء لا نتجزء منه، ولعل أحدنا لا يزيد عن كونه خلية من خلايا الكون. وإن صح هذا الكلام فلن يكون هناك شىء إسمه جماد، فكل شىء من الذرة إلى المجرة سيكون فيه حياة ويسير وفق قوانين ثابتة رغم اعتقاده -أو على الأقل احساسه- بأنه حر مختار

فهل مازلت متأكداً من كونك مخلوق حر ومستقل، أم أنك مجرد درجة فى سلم الوجود تتكون من أجزاء أصغر وتكوِّن جسماً أكبر؟

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مارس 19, 2012 by حسام حربى in فلسفة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: