أنت لست فرداً واحداً.. بل أجيالاً متلاحقة   Leave a comment

زرت بذاكرتى مراحل حياتى المختلفة.. فوجدت أن ما فعلته فى مرحلة معينة قد لا أفهم لاحقاً -عندما أصل إلى مرحلة أخرى- كيف صدر منى وقتها وأعتبره كان تهوراً أو غباءاً، وما كنت أستهجنه فى مرحلة معينة قد يصير طبيعياً تماماً فى مرحلة تالية.. بل إنى قد أتصرف بطريقة معينة فى موقفٍ ما بالأمس وأتعجب اليوم كيف فعلت ذلك وهل كنت فى وعيى عندما فعلته! ولأنى لست وحدى فى هذه الظاهرة إذ لا يكاد يكون هناك إنسان قُدر له أن يعيش لِما بعد الطفولة إلا وحتماً تعرض لها فقد خَلُصت إلى أن الفرد منا ليس فرداً بالمعنى الحقيقى.. فحياتنا نتكون من مجموعة كبيرة جداً من الافراد قد تصل إلى المئات أو الآلاف، يولد كلٌ منها عند تغيّر الظروف المحيطة ثم يبقى ما بقيت وفى نهايتها يموت عندما تتغير مورثاً جسدنا لروح جديدة تناسب الموقف الجديد. فقد أكون بخيلاً فى الوضع الطبيعى مثلاً لكنى أرى مسكيناً فأرِق لحاله “فتتقمصنى” روح كريمة لعدة ثوان، وقد أكون جاداً فألتقى أحد أصدقائى الهزّالين فأتحول لشخصية طريفة طيلة الجلسة قبل العودة إلى الجد مرة أخرى وهكذا، فأيهم “أنا” إذاً؟ هل أنا شخصية واحدة من تلك المتناقضات أم أنهم جميعاً أنا؟ لعل التفسير يكون فى أننى أتكون من “معادلة” تستجيب للمدخلات المختلفة بطريقة ثابتة ولست “نتيجة معادلة” ثابتة

ولهذه الفكرة تداعيات خطيرة على مبادىء العدالة والجزاء التقليدية، فقد تربينا وتعودنا منذ نعومة أظافرنا سواءاً فى تعاملاتنا الشخصية أو نظمنا القانونية أو معتقداتنا الدينية أن المحسن يجب أن يكافأ والمسىء يجب أن يعاقَب. لكنك تجد أن اليأس قد يؤدى بك فى مرحلة من المراحل إلى جعلك تسرق، والغضب فى موقف من المواقف قد يجعلك تقتل.. فهل أنت الذى تستحق العقاب أم تستحقه “نفسك الأخرى” التى قامت بهذا الفعل وتتنصل أنت منها الآن وكأن جناً قد تقمصك لحظتها؟ من هنا تأتى فلسفة التوبة، وأن الإنسان طالما ندم على شىء فهو يُمحى وكأنه لم يكن.. لكن فتح باب التوبة فى المعاملات الدنيوية يفتح مشكلة أخرى، إذ أن الكثيرين سيستغلونه لفعل كل ما يخطر ببالهم ثم يسارعون بإعلان توبتهم وبراءتهم من “نفسهم القديمة” لصالح “نفس جديدة” لم تذنب

ولهذا فيبدو أن فكرة مكافأة المحسن ومعاقبة المسىء إنما يتبناها المجتمع لكونها تخلق حافزاُ لفعل الخير ورادعاً عن فعل الشر وليس لكونها فكرة عادلة، فأين العدالة فى محاسبة إنسان على فعل إنسان آخر تقمس نفْس الجسد منذ بضع سنوات أو أيام أو حتى دقائق؟ بل إن “نفس الجسد” إصطلاح غير دقيق لأن خلايا أجسادنا تجدد نفسها بالكامل تقريباً كل سبع سنوات فلا يبقى من نفسك القديمة أثر يُذكر لا نفسياً ولا جسدياً. وإن صح هذا الكلام فماذا نفعل بالإساءات السابقة؟ هل نعفو عنها إن ندم المسىء وكأنها لم تحدث؟ أم أنه مادام ظلماً قد وقع فلابد لأحد من تحمل مسؤوليته وتبعاته حتى إن كان -عملياً- شخص آخَر غير المسىء وكأنه إبنه الذى ورث ذنب أبيه؟

ولنأخذ مثالاً عملياً تخيل أن لصاً سرقك منذ عشر سنوات وأنفق المال ثم ندم وذهب إليك يستسمِحك، فهل العدل يقتضى أن يعيد المال إليك من نقوده الخاصة أم أن هذا سيكون بمثابة ظلم جديد لشخص آخر وهو “اللص التائب” الذى يختلف كلياً عن “اللص السارق”؟ يبدو هنا أن العدل يقتضى إعادة المال لكن ليس لكونه مذنباً -إذ أن المذنب قد مات لحظة شعوره بالندم ووُلد مكانه شخص جديد- ولكن لكونه إستمتع بمالك فمن حقك الآن أن تستمتع بماله، إذ أن نفسه المستمتعة بالمال ونفسك المتألمة بفقدانه لم يموتا، بل ما مات هو نفسه الآثمة فقط

إذاً فلا معنى لمعاقبة الظالم على الظلم مادام قد ندم عليه، لكن تعويض المظلوم على ما فقد لا يسقط بالتقادم. ونُذَكر مرة أخرى أن تطبيق نظاماً كهذا من الناحية القانونية محال لأنه سيستحيل تفرقة النادم حقاً مِن مَن يدعى الندم ليفلت من العقاب الرادع كالحبس أو الإيلام الجسدى. ولا ينبغى عليك أن تتذمر عزيزى القارىء لأن المقال لم يضف اقتراحاً عملياً يغيّر حياتنا للأفضل.. فما إلا لهذا وضعته تحت باب الفلسفة!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مارس 23, 2012 by حسام حربى in فلسفة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: