الأسباب المنطقية لمقاطعة كل عملية انتخابية   1 comment

حزب الكنبة

بدايةً فإن هذا المقال تحليلى وليس سياسى، بمعنى أنه يناقش قاعدة عامة تنطبق على أى انتخابات بشكل عام وليس على انتخابات بعينها كالإعادة المرتقبة.. وفيه نحاول تحديد مدى منطقية المشاركة فى التصويت بناءاً على تحليل بسيط للنفع المتوقع من المشاركة مقارنةً بالتكلفة المبذولة لتحقيقها

لنبدأ بتكلفة المشاركة لبساطة حسابها.. وهى تشمل قيمة المواصلات لمقر اللجنة إن كانت بعيدة وقيمة الوقت المهدر فى الانتظار بالطابور علاوة على الحياة بأصبع بنفسجى اللون لعدة أسابيع

والآن ماذا عن النفع المتوقع؟ إن سألنا أى شخص عن سبب مشاركته فى الانتخابات وكان إنساناً منطقياً لا عاطفياً فلن يجيب بأشياء من قبيل “أنا أشارك تأديةً لواجبى الوطنى” أو “أنا أشارك لأن صوتى أمانة” إلخ، بل ستكون إجابته “أنا أشارك لأزيد احتمال فوز أحد االتيارات المرشحة”. وهنا نأتى لأول استنباط هام، وهو أنه ما لم تكن مشاركتك فى التصويت ستؤدى لفوز التيار المحظوظ الفائز بصوتك لكان تصويتك عبثاً لا داعى له. ولأنك تزيد من حصيلة تيارك المفضل بصوت واحد فقط لا غير فلحدوث هذا لابد من وقوع سيناريو تتساوى فيه الأصوات التى يحصل عليها تيارك المفضل وأقرب منافسيه (أو يكون الفارق بينهما صوت واحد)، لأنه تحت أى سيناريو آخر لن يكون صوتك حاسماً ولن تكون له قيمة، وهذه أهم نقطة فى بحثنا لأننا نقرر ما إذا كان عليك أنت -وليس الآلاف والملايين غيرك- النزول والمشاركة أم لا

والآن لمعرفة ما إذا كانت المنفعة المتوقعة من المشاركة تفوق التكلفة علينا حساب قيمة كل منهما. وأسهل الطرق لذلك هى تحويلهما لقيمة مالية..

لنبدأ بالكلفة.. افترض أنك تُقدر قيمة ساعة من وقتك كان يمكنك قضاءها فى العمل أو الراحة بـ20 جنيهاً، وقيمة سيارة أجرة تحملك لمقر اللجنة (أو قيمة غسيل ملابسك التى سيملؤها العرق والتراب إن ذهبْت سيراً على الأقدام) بـ3 جنيهات، أما قيمة نظافة أصبعك المسكين الذى سـ”يتبنفسج” لمدة أسابيع فلا تساوى عندك سوى جنيهين. هذا يعنى أن المشاركة فى العملية الإنتخابية أفقدتك حوالى 25 جنيهاً. مقابل ماذا؟

مقابل فوز مرشحك المفضل فى حالة تساوى الأصوات التى حصل عليها مع الأصوات التى حصل عليها منافسه. ولترجمة هذه الجملة لقيمة مالية نحتاج لحساب قيمتين: أولاً قيمة فوز مرشحك المفضل، وثانياً احتمال وقوع هذا السيناريو العجيب الذى تتساوى فيه الأصوات بالضبط ليكون صوتك هو المنقذ الذى سيقلب الموقف رأساً على عقب. القيمة الأولى تختلف من شخص لآخر، ويمكنك تحديدها بالنسبة لك عن طريق إجابة سؤال “ما هو أقل مبلغ رشوة تَقبل تقاضيه مقابل خسارة مرشحك فى الانتخابات لو علمت يقيناً بطريقة ما أن صوتك هو الحاسم الذى سيُنجحه أو يُفشله؟” وهذا المبلغ قد يكون متدنياً كمائة جنيه أو حتى أقل إن كنت لا ترى فارقاً كبيراً بين المرشحين، بينما إن كنت شديد التحيز لأحد التيارات المتنافسة فقد يصل لأرقام خيالية كالمليار. لكن لأن معظم الناس تقع بين هذا وذاك فسنفترض كمثال نحسب عليه أنك ستوافق على مبلغ مليون جنيه تتسبب بموجبها يقينياً فى خسارة تيارك المفضل. أما القيمة الثانية (احتمال صُنع صوتك لفارق فى النتيحة فعلياً) فنحددها بموجب استطلاعات الرأى والانتخابات السابقة والتى تبيّن لنا بالتقريب الفارق المتوقع بين أعلى فائزَين فى الانتخابات.. وكمثال أيضاً سنتخيل أن هذا الفارق يحوم حول عدد مليون صوت. أى أننا سنقدر نسبة وقوع السيناريو الذى يصنع فيه صوتك اليتيم فارقاً فى النتيجة بحوالى 1 على مليون، أما الـ999999 سيناريو الآخر فتصويتك ومقاطعتك سواء

والآن يمكن للقراء المتخرجين من قسم أدبى أن يتنفسوا الصعداء فباقى الحسبة سهل.. فكل ما علينا فعله لتحديد ربحك من المشاركة الانتخابية هو ضرب احتمال تغيير صوتك لنتيجتها (1\مليون) فى ثمَن وقوع النتيجة المرجوة لك (مليون جنيه)، أى أن نفعك من المشاركة فى الإنتخابات يساوى جنيهاً بالضبط.. تكسبه مقابل التضحية بـ25 جنيها! ولهذا السبب يا عزيزى القارىء فإن المشاركة فى الانتخابات قرار غير منطقى البتة

ولعله الآن قد تبادر إلى ذهن قارئى العزيز سؤال “ولكن لو فكرنا بهذه الطريقة فلن ينتخب أحد!”.. وفى الحقيقة فبِغض النظر عن كون هذا خداع عقلى يجعلنا نظن أن الناس يفكرون تلقائياً بنفس طريقتنا ويقلدوننا رغم أن هذا غير حقيقى لاستقلالهم عنا، وبغض النظر أيضاً عن استحالة تفكير جميع الناس بهذه الطريقة أصلاً لأن قلة متميزة فقط هى التى تتابع مدونة أبصر (إحم إحم)، إلا أنه حتى لو حدث ذلك فستظل فئة المتحمسين لتيارات معينة تنتخب تحت أى ظروف لأن أقل رشوة نظرية يقبلونها مقابل إفشال تياراتهم المفضلة يقينياً ليست مليون جنيه بل هى مائة مليون مثلاً، وبالنسبة لهؤلاء يكون ربحهم من المشاركة فى انتخابات كالمذكورة هو 100 جنيه مقابل تكلفة 25 فيُحتم المنطق عليهم التصويت

ويمكن تعميم ذات المنطق على أى صراع جماعى ذو نتيجة ثنائية (نصر أو هزيمة بلا اختيار ثالث) كالحروب والثورات لتحديد جدوى المشاركة الفردية فيه. فلو تخيلنا الثورة المصرية على سبيل المثال فسنجد أن التظاهر يوم 24 يناير كان غير منطقى لأنك كنت ستواجه وحدك ما يقرب من نصف مليون عسكرى أمن مركزى ومثلهم من أمناء الشرطة والمخبرين والضباط، أى أن تضحيتك من المشاركة (وهى الخرشمة) كانت ستكون أكبر من مكسبك منها (صفر). وأيضاً كان من غير المنطقى النزول إلى الشارع يوم 9 فبراير مثلاً لأن عدد الثوار وقتها كان يُقدر بمئات الآلاف بينما كان جنود الشرطة والبلطجية اختفوا تقريباً، أى أن تضحيتك من المشاركة (تضييع الوقت وبح الصوت) كانت ستكون أكبر من مكسبك منها (صفر). لكن النزول كان منطقياً فى الفترة الوسيطة والتى تَجَمّع فيها بفضل التنسيق المشترك -والذى تُعضد الإلتزام به ضمانات اجتماعية ونفسية مختلفة- عدداً كافياً من الثوار يجعل مشاركتك الفردية تزيد من احتمال النصر بأكبر من قيمة تضحيتك، فمثلاً مرّت لحظات وقت موقعة الجمل كان يمكن فيها لعدد قليل كألف متظاهر أو ألف بلطجى قلب نتيجة الثورة بأكملها، فيكون عائد المشاركة الفردية هنا أكبر من كلفة التضحية

وتَرمى بعض النظم الاجتماعية كالقومية والدين لحَث أتباعها على المشاركة الفردية فى القرارات الجماعية كالحروب بغض النظر عن حسابات المكسب والخسارة بِخلْق حوافز فردية لديهم، فالقومية مثلاً تعتمد على فكرة “الواجب” التى تلغى عقلانية الحسابات مقابل خلْق مبدأ مقدس تهون فى سبيله الصعاب والتكاليف. والنظم الدينية تخلق حافزاً كذلك يتمثل فى ثواب أو عقاب شديد قبل أو بعد الموت يعتقد الفرد أنه سيلقاه بحسب درجة مشاركته فى القرارات الجماعية، بما فيها تلك التى لا يتوقع منها أن تغيّر مشاركته فيها أو تقاعسه عنها النتيجة. لكن يحضرنا هنا استثناءاً إسلامياً لهذه القاعدة.. فقد تم تقليل عدد الأعداء الذين يتعهد الإله بتغليب المسلمين عليهم مِن عشرة أضعاف كما جاء فى آية {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا} إلى إثنين فقط فى آية {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين}، وهذا نموذج ممتاز لمنطق حساب الربح والخسارة الذى تحدثنا عنه.. فلو كان بقى حكم الآية الأولى لتسبب فى كارثة للمسلمين الذين كانوا سيخوضون المعارك المحال انتصارهم فيها، بينما جعلتهم الآية الثانية أكثر عقلانية فثبطتهم عن خوض الحروب التى يزيد فيها عدد أعداءهم على ضعف عددهم مما حماهم من إهدار أرواحهم وممتلكاتهم هباءاً بدلاً من الانتظار لحين حشْد عدداً أكبر من المقاتلين

كانت هذه أمثلة عملية لكيفية اتخاذ القرار فى حالات الصراعات ثنائية النتائج (إما نصر وإما هزيمة فقط) كالانتخابات والثورات والحروب. والآن يا عزيزى القارىء دعنى أسألك سؤال ذكاء.. لمن ستصوت فى الانتخابات المقبلة؟؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مايو 1, 2012 by حسام حربى in صراع

One response to “الأسباب المنطقية لمقاطعة كل عملية انتخابية

Subscribe to comments with RSS.

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    مقال رائع انار الله بصيرتك وبصيرتنا بالنسبة لسؤال الذكاء احنا مالناش فية بس اللى قبلنا قالوا من خرج من داره اتقل مقداره يلا بقى احنا حانعمل اية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: