لماذا تتشابه برامج الأحزاب المتنافسة؟   2 تعليقان

لا تنخدع.. فالإختلاف بينهما فى التعليب فقط

فى أوربا والدول المتقدمة كثيراً ما يسيطر على العملية الإنتخابية حزبان رئيسيان متناقضان فى الظاهر والشعارات لكنهما شديدا التقارب فى الواقع والسياسات. والسبب هو رغبة كل حزب فى الفوز بتأييد أكبر عدد من الناخبين، لأنه كلما زاد تطرفاً فى أى اتجاه كلما قلت حصيلة الأصوات التى يحصل عليها. وللتوضيح سنضرب مثالاً رقمياً على الضرائب..

تخيل أن الحزب الجمهورى (اليمينى) يريد لمستوى الضرائب أن يكون منخفضاً عند 10% لأنه يؤمن بالفردية، بينما الحزب الديمقراطى (اليسارى) يريدها أن تكون 50% لأنه يؤمن بالإشتراكية.. روّج كل حزب لبرنامجه ثم جرت الإنتخابات لأول مرة. والنتيجة كانت نجاح الحزب الجمهورى فى انتخابات الرئاسة أو الكُنجرِس، فماذا سيفعل الحزب الديمقراطى؟ طبعاً سيفطن إلى أن سبب خسارته هو مستوى ضرائبه الزائد عن الحد المقبول شعبياً (نحن نبسط الأمور ولا نفترض وجود أى اختلافات أخرى بين الحزبين)، فسينزل المرة القادمة بحملة إنتخابية تروّج لمستوى ضرائب 40% فقط رغم اقتناعهم أن هذا أقل من المفروض، لكن ما باليد حيلة وكله من أجل “أكل العيش”. وتأثير هذا التخفيض إيجابى صِرف، فالحزب ما يزال ضامناً لأصوات الشيوعيين الذين يريدون الضرائب 100% وأيضاً الذين يريدونها 80% و60% لأن الديمقراطيين ما زالوا يُعتبرون أخف الضررين بالنسبة لكل هؤلاء. لكن الديمقراطيين استفادوا شيئاً من هذا التخفيض، وهو أصوات من يريدون الضرائب أن تكون 30%، حيث ستَعتبر هذه الشريحة الديمقراطيين الآن هم الخيار الأقرب لهم بفارق 10 نقاط فقط، فى حين أن بينهم وبين الجمهوريين 20 نقطة كاملة

وطبعاً فى الإنتخابات المقبلة سيرفع الجمهوريون الضرائب المُقترحة فى برنامجهم إلى 20% بدلاً من 10% ليكسبوا تأييد الفئة المتأرجحة التى تريد الضرائب أن تكون ما بين 25% و30%. ويستمر التقريب بين وجهتى النظر حتى يصبح شعار الديمقراطيين “ضرائب مرتفعة” أى 31% وشعار الجمهوريين “ضرائب منخفضة” أى 29%! وهى فكرة قريبة للغاية من نظرية “لعبة المصالح” التى تحدثنا عنها فى المقال السابق وإنْ كانت تتم دون صفقات سرية

وقِس على ذلك كل السياسيات من أول الحروب والسياسة الخارجية إلى البيئة وحقوق الأقليات والهجرة ودعم التعليم والصحة الخ.. ففى كل تلك المجالات سيتبنى الحزبان نفس السياسة تقريباً لكسب تأييد جمهور الوسَط. وفى الواقع يُعتبر هذا المزج بين الحزبين فى صالح البلد لأنه يضمن نوعاً من التناغم فى سياساتها على مر السنين، فلا تكون اليوم مثلاً دولة استعمارية تحتل دول المشرق والمغرب ويعمل نسبة كبيرة من شعبها فى المجال العسكرى ثم غداً دولة مسالمة تماماً فتغلق مصانع السلاح ويضطر الجنود لسرقة وقتل أبناء بلدهم للحصول على لقمة العيش

وقد شهدنا فى مصر بعد الثورة تطورات سريعة جداً فى نفس الإتجاه.. فنجد مثلاً تأكيد الإسلاميين عامةً على حقوق ومكانة المسيحيين والنساء بدرجة مبالَغ فيها، بينما تجاهلوا تماماً المسائل “الحساسة إسلامياً” من قبيل مرور حاملات الطائرات والبوارج الأمريكية من قناة السويس متجهة للعراق وأفغانستان فضلاً عن “أزمة البكينى والفنادق” و”البنوك الربوية”، وذلك لأنهم ضامنين بالفعل لأصوات مَن يهتمون بتلك المسائل فوجهوا دفة سياساتهم لإرضاء وتطمين مَن لم “يدخل فى جيبهم” بعد

وعلى الجانب الآخر لم يعد حزب المصريين الأحرار والمعروف بحزب ساويرس يطالب بإلغاء المادة الثانية من الدستور، بل و وصل الأمر ببعض مرشحيه أثناء الإنتخابات الماضية للمطالبة بتحكيم الشريعة على لافتات دعايتهم! ونجد قطب اللبرالية عمرو حمزاوى هو الآخر قد تنصل من أحد آراءه حول زواج المسلمة من المسيحى عند جلوسه فى حوار مع الشيخ عبد المنعم الشحات مبرراً قوله السابق بأنه لم يكن مُركزاً وقتها. وللإنصاف فهو نفس التفسير تقريباً الذى استخدمه نادر بكار متحدث حزب النور عندما اعتذر على استنكار الجزية أثناء حديثه مع الأنبا يوحنا على قناة الحياة، حيث قال أنه كان واقعاً تحت “ضغط عصبى” وقتها

وبعيداً عن التركيز الذى لا يعود إلا فى حوار مع إسلاميين والضغوط العصبية التى لا تظهر إلا عند الكلام مع مسيحيين فنجد عملياً أن طرفَىّّ النزاع الدينى على الساحة السياسية فى مصر قد تخلوا سريعاً عن مواقفهم الأصلية بهدف كسب تأييد جمهور الوسّط.. فلو تمسك السلفيون بثوابتهم لفقدوا شريحة الناخبين الواقعة بينهم وبين الإخوان، ولو تمسك المسيحيون والعلمانيون بثوابتهم لفقدوا شريحة الناخبين الواقعة بينهم وبين الوسطيين. ورأيى الشخصى أنه قبل الإنتخابات المقبلة لن تكون هناك فروقاً تُذكر بين الطائفتين سوى لحية فى وجه السلفى وكتاب لفولتير فى يد العلمانى “لزوم الشغل”

أما تعريف الوسطيين هنا فيحدده الزبون (الناخب) والذى يحاول جميع اللاعبين على الساحة السياسية الاقتراب منه وإرضاؤه. ولذا فإنّ ما يحرك خيوط الأحزاب لتتبنى مواقف معينة هى أيادى الناخبين، أما الأحزاب نفسها فمجرد عرائس ليس لها إتجاه أو موقف صلب بل تحاول زيادة “مبيعاتها” بإرضاء أكبر عدد من “المستهلكين”. وهكذا يا عزيزى القارىء نفهم سبب التشابه الفعلى بين الأحزاب المفترض تناقضها.. ونفهم أيضاً سبب اكتساب السياسة وأصحابها سمعة سيئة فى جميع بلاد العالم!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مايو 4, 2012 by حسام حربى in صراع

2 responses to “لماذا تتشابه برامج الأحزاب المتنافسة؟

Subscribe to comments with RSS.

  1. لا أدرى !
    أحقاً لا يوجد السياسى الصادق ..
    وإن لم يكن موجوداً بيننا الآن .. فهل يمكن أن يكون ؟
    فى اعتقادى أن ما نعيشه الآن ..
    وإن طال أمد ذلك ..
    فسيتمخض عن كل ما يجرى الآن السياسى ” الصادق الأمين ” ..
    الذى سيعيد للأمة مجدها على نهج سيد المرسلين.

    تحياتى لك أخى حسام.

    • لا يخفى أحد رغبته فى وجود هكذا رجل يا محمد خاصة هذه الأيام، لكن من استقراء هذه التدوينة والتى سبقتها سيظهر سبب كون هذه الامنية عاطفية أكثر منها عقلانية. وبالمناسبة أعترف أن مقالتى الأخيرة “أبو الخبرة السياسية على سنينها” عاطفية أيضاً إلى حد كبير.. فأى بطل سيضحى بشعبيته مقابل تحقيق تقدم حقيقى ينتحر سياسيا فى ظل النظام الديمقراطى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: