صفقة المخلوع مع الخواجة   2 تعليقان

رَوى طلعت حرب عن رسالة وُجّهت للخديوى إسماعيل جاء فيها “بلغنا ورأينا من مقتضيات الأحوال ما يصدق الخبر أنكم كاتبتم ملوك أوروبا وتوجهتم بأنفسكم إليهم تطلبون منهم الإعانة علي الاستقلال بملك مصر والاستبداد بالسلطنة ليقال لكم ملك مصر أو فرعون مصر ولم يقنعكم لقب الخديو الذي شرفكم به سلطاننا في هذه المدة الأخيرة. وذكرتم للمشار إليهم أنكم تضمنون لهم إن وقعت منهم الإعانة التي تطلبونها تبديل أحكام القرآن وفصل السياسة عن الدين بالمرة”[1]. ومن قبْل خيانة إسماعيل قبِل جده محمد على إتفاقية مؤتمر لندن المهينة التى قصقصت ريشه وحددت عدد أفراد الجيش مقابل إبقاء الحكم فى سلالته. لكن لماذا أُذكركم بهذه الأحداث المظلمة فى تاريخنا؟ لأنه يتبين لنا كل يوم أنه لا جديد تحت الشمس وأن التاريخ دوماً يعيد نفسه..

فلم يعد سراً أنه قد أُبرم إتفاق صريح أو ضمنى بين مخلوع مصر والغرب، بمقتضاه كان الغرب يغض الطرف عن إستبداد النظام وهدره لحقوق الإنسان عندنا مقابل إبقاء الرئيس للبلد فى حالة تخلف وتبعية لهم. وقد وفّى الغرب بإلتزاماته على أكمل وجه.. فقارن مثلاً بين رد فعل الصحافة والحكومات الغربية المفعم بالحياء فى قضية مقتل خالد سعيد على يد مخبرَىّ شرطة ورد فعلهم على قرار إيران برجم سكينة أشتيانى “الزانية قاتلة زوجها” والتى مُلئت الدنيا عليها صراخاً ونحيباً، أو بين السكوت التام على تزوير كل إنتخاباتنا بلا إستثناء وبين التجريس الذى نال الحكومة الإيرانية إزاء إتهامات غير مؤكدة بتزوير إنتخابات 2009، أو التطنيش شبه التام على ما فعله النظام عندنا فى ظل 30 عاماً من الطوارىء بل ودعمه بـ1.7 مليار دولار سنوياً كرشوة مشروطة وبين إنتقادهم الدائم لتنكيل كوريا الشمالية والصين بالمعارضين السياسيين. هذا عن الغرب.. لكن ماذا عن طريقة تنفيذ الرئيس لدوره فى الصفقة؟ هل كان يشرف بنفسه على كل كبيرة وصغيرة للتأكد من وفاءه للعهد؟ بالطبع لا

كان باختصار يضع الرجل غير المناسب فى المكان المناسب.. فلم نسمع أنه جىء منذ بداية عهد حسنى مبارك بأى وزير دفاع أو إنتاج حربى مثلاً له خِطط فى إقامة مشاريع تصنيع وطنية للإستغناء عن إستيراد السلاح من الخواجة باستثناء المشير محمد أبو غزالة الذى تم التخلص منه، مما يضمن أننا لن ندخل أبداً فى صدام حقيقى مع مصالح الغرب فى المنطقة أو مع إسرائيل وإلا تم تحطيمنا خلال أسابيع قليلة. ومن أطرف تصريحات الوزراء التى قرأتها فى حياتى كان تصريح سيد مشعل وزير الإنتاج الحربى السابق والذى إستشهد فيه بعدم إستطاعة إسرائيل القضاء على الشعب الفلسطينى وقضيته وعدم إستطاعة أمريكا القضاء على الشعب العراقى وقضيته رغم إمتلاكهما لأعتى الأسلحة مستخلصاً من ذلك فلسفته الناصة على أن “الأمن لا علاقة له بالسلاح”[2]. لا يا عزيزى القارىء لم تخنك عيناك ولم أخطىء فى الكتابة، وزير بلدك السابق للإنتاج الحربى قال بعضمة لسانه أن الأمن لا علاقة له بالسلاح.. إيه؟ هاتفهم أكتر من الأستاذ الدكتور وزير الإنتاج الحربى؟

ومصير الزراعة هو نفس مصير التسلح.. فقد تكلمَت الأستاذة الكبيرة سكينة فؤاد عن الإطاحة بوزيرَى الزراعة مصطفي الجبلى وأحمد الليثى بعد مكوثهما عاماً ونصف فقط فى الوزارة بعدما أرادا تحقيق الإكتفاء الذاتى لمصر من القمح، كما روت عن مهاجمة مقر صندوق التكامل الزراعى الذى إستهدف تحقيق إكتفاء مصر والسودان من القمح على طريقة الأفلام الأمريكانى ومصادرة قوات “الأمن” لأوراق المشروع التى لا يعلم أحد أين ذهبت إلى الآن[3]. وقد تبين بعد الثورة أن الرئيس السودانى عمر البشير عرض على مبارك زرع القمح لمصر بالسودان فرفض قائلاً “أمريكا هتزعل منى”![4]

وهكذا ظلت مصر دائماً بفضل جهود السيد المخلوع ورجاله تحت رحمة الغرب فيما يتعلق بأهم شيئين تحتاجهما أى دولة ذات سيادة: الطعام والسلاح (الذى لا علاقة له بالأمن). كما استفاد الخواجة -ولا يزال- من تصدير طعامه وسلاحه إلينا بأموال طائلة. وقد إعترف عاموس يادلين الرئيس السابق للاستخبارات الحربية الإسرائيلية مؤخراً أنهم نجحوا فى إحداث “الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية فى أكثر من موقع”[5]، وقد يكون المقصود بالإختراقات العسكرية هو وجود شرائح فى الأسلحة الأمريكية المصدرة لمصر بحيث يمكن تعطيلها عن بُعد فى أى وقت إذا ما قررنا إستخدامها ضد إسرائيل[6]. لكن الأغرب من الإختراق نفسه هو إعتراف بادلين بذلك على الملأ، وكأنه يعلم جيداً أننا سواءاً علمنا به أم لم نعلم فلن نستطيع تغيير شىء لأنهم أحكموا السيطرة علينا فى تلك المجالات. وهذا يفسر قول بنيامين بن إليعيزر وزير التجارة والصناعة الصهيونى قبل الثورة بأن الرئيس مبارك “كنز إستراتيجى لإسرائيل”![7]

وأعترف أن علمى بإقالة الوزراء المخلصين وإستبدالهم صححت لى فكرة مسبقة خاطئة، فقديماً كنت أظن أنه يتم الإتفاق صراحةً مع الوزير قبل توليته أن يُبقى على الأمور فى أسوأ صورة أو أن إختياره يتم بدايةً بناءاً على فساده.. لكن الآن يتضح أن هذا تصور ساذج ومبسط لأن هناك وزراء محترمون حقاً ومحبون لأوطانهم حقاً، لكن ما كان أن يُشتمّ منهم رائحة النشاط والإنجاز الحقيقى متمثلاً فى أى جهد جدّى للنهوض بالبلد وتخليصها من التبعية حتى يتم التقفيل على مشاريعهم وإستبدالهم فوراً

وهذا يفسر أيضاً سبب بقاء بعض الوزراء المسؤولين عن الملفات الحساسة لأحقاب فى مناصبهم.. فيوسف والى (الزارعة) وصفوت الشريف (الإعلام) وفاروق حسنى (الثقافة) ظلوا فى كراسيهم لأكثر من عشرين سنة، وقد تولى المشير حسين طنطاوى وزارة الدفاع والإنتاج الحربى سنة 1991 (ولا أعرف هل أتم العشرين عاماً أم لا؟) بعد أبو غزالة الذى كان يحاول الإرتقاء بالصناعات الحربية المصرية والعربية. وامتدت سياسة قريبة لمجال الديون التى أشرف عليها السيد الهارب بطرس غالى.. فالدَين العام الخارجى حتى الثورة كان مستقراً حول 31 مليار دولار، ولم تقم أى محاولة لتسديده أو حتى تخفيضه رغم وصول إحتياطى النقد الأجنبى إلى 36 مليار فى 2011، وبقاء الدين الخارجى مرتفعاً بهذا الشكل يضمن دخلاً ممتازاً يطير من جيوبنا كل عام إلى جيوب المؤسسات الربوية العالمية المقرضة. ولا تحتاج أن تكون عبقرياً كى تدرك أنه كانت تُدفع عمولات وسمسرات لبقاء هذا الوضع العجيب[8]

كل هذا يوضح تماماً أنه ما كان أن يجد الرئيس من “يفهم اللعبة” بالإبقاء على أكثر المجالات حساسية فى حالة جمود وركود حتى يتمسك به ولا يفرط فيه لإحتمالية مجىء التغيير بواحد “مش مفتح مخه” يعكر مزاجه ويقرفه فى عيشته. وهكذا يكون مبارك قد نجح بامتياز فى إثبات خطأ نظرية التطور لدارون القائلة بأن “البقاء للأصلح” وحوّلها إلى “البقاء للأخمل”

ولذا فإننى سأتجرأ اليوم وأخالف الإجماع المصرى فى إجابة سؤال “تفتكر مين هايكسب الإنتخابات؟؟” بالنطق بإسم مرشح رئاسى معيّن. فلأن الرئيس لا يدير الدولة بيديه تصبح المسألة الأهم أن يأتى الفائز -أياً كان- برجال مخلصين أكفّاء يحققون لنا النهضة المنشودة. تفتكروا انتم مين هايمسك الزراعة والمالية والإنتاج الحربى؟؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

المصادر
[1]http://dostor.org/opinion/10/september/12/28469
[2]http://www.moheet.com/show_news.aspx?nid=286121&pg=19
[3]http://dostor.org/weekly/reportage/10/september/8/27970
[4]http://almesryoon.com/news.aspx?id=52913
[5]http://www.almasryalyoum.com/news/الرئيس-السابق-لـ-«أمان»-اخترقنا-مصر-بما-يُعجز-أي-نظام-بعد-مبارك
[6]http://www.redress.cc/global/cking20110214
[6ب]http://almesryoon.com/news.aspx?id=67792
[7]http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_05.html
[8]http://dostor.org/politics/egypt/11/march/6/37571

Advertisements

Posted مايو 16, 2012 by حسام حربى in معارضة

2 responses to “صفقة المخلوع مع الخواجة

Subscribe to comments with RSS.

  1. وما خفيا كان اعظم

  2. ربنا معانا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: