فقط فى مصر.. انتخابات يحسمها الأجانب!   2 تعليقان

مش كفاية عليك انتخابات ويلز؟

اسمه آندرو، واسم أبيه ستيفن، شعره البنى شديد النعومة، وجهه ناصع البياض مشبع بحمرة، تجذبك عيناه الرماديتان المتلألئتان وابتسامته الساحرة. يهوى موسيقى الرُك والبلاك متل، لا يصبر على مفارقة كلبه هنك، وهو مؤيد مخلص للحزب الديمقراطى، ومدافع شرس عن حقوق المثليين، وشديد الحزن لما أصاب اليهود على يد النازى. هو أيضاً مولع بأسرار الفراعنة، ويشتاق لزيارة مصر فى يوم من الأيام بعد تخرجه من جامعة واشنطن. لكن عزاؤه الوحيد الذى يُصبِّره لحين تحقق أمنيته تلك.. هو حقه فى التصويت بانتخاباتها المقبلة!

أيها السادة، مرحباً بكم فى مصر.. أرض العجائب.

فى ظل حالة النشوة التى انتابتنا جميعاً لشهور عدة بعد سقوط المخلوع، قرر نفس صاحب قرار الإفراج عن متهمى التمويل الأجنبى وهو المستشار عبد المعز إبراهيم، مؤيَّداً من المجلس العسكرى، منْح حق التصويت فى الإنتخابات البرلمانية والرئاسية للمصريين فى الخارج فى نوفمبر 2011. ثم تلا ذلك منح الجيل الثانى من المصريين -أى أبناء المصريين المولودين فى الخارج- حق التصويت أيضاً.

ورغم سهولة تزوير تلك الأصوات التى لا تخضع لأى نوع من أنواع الرقابة القضائية إلا أننا ندعو القارىء الكريم للتسلح بحسن النية والتخلى عن سوء الظن -بعد الإستعاذة بالله من وساوس الشيطان وبعد تجاهل التقارير التى بدأت رائحتها تفوح- وتأمُّل هذا الأمر من ناحيته المنطقية البحتة..

صديقنا آندرو، هذا الشاب اليافع ذو الأم المصرية الذى لم تطأ قدماه شوارع المحروسة منذ قضى فيها إجازة صيف وهو فى التاسعة من العمر، والذى لا يعرف رائحة هواء الصحراء وطعم مياه النيل، والذى لم يذق شطة الكشرى ولا قرمشة الطعمية، والذى يجهل سعر رغيف الخبز وثمن تذكرة الأوتوبيس، والذى لم يحرقه غلاء لتر البنزين ولم يتنفس الصعداء لهبوط تكلفة مكالمة المحمول، والذى لم يدخل مستشفى ولا مدرسة مصرية قَط، والذى لا يُحسن من العربية سوى “شكراً” و”إزيك” و”سلام”، والذى لا يعرف عن أسلوب حياة هذا الشعب ولا مشاكله سوى ما تحكيه له والدته من ذكرياتها القديمة وما يقرأ عنه فى النيويورك تايمز وما يشاهده على السى إن إن.. له حق إختيار نائباً يمثله فى مجلس الشعب، ورئيساً يمثله فى قصر العروبة!

إنه خبل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانى.

فصديقنا الذى لا يدفع أى نوع من أنواع الضرائب للحكومة المصرية -لا ضرائب دخل مباشرة، ولا ضرائب مبيعات غير مباشرة، اللهم إلا حين يشترى قميصاً صُنع من قطن مصرى من سلسلة محلات “تارجت” أو “سيرز” فى ولاية فرجينيا حيث يقضى عطلته الأسبوعية- سيكون له حق إختيار المتحكم فى ميزانية دولة لا يشارك فى تحمل أعباءها بأى طريقة من الطرق. ليس هذا فقط.. بل إن قُدّر أن يكون له أطفال من صديقته لِندا فسرعان ما سيكتسبون نفس الحق!

قد يعترض البعض على اعتراضنا بحجة أن دولة ديمقراطية كبرى كالولايات المتحدة تسمح لمواطنيها فى الخارج بالإنتخاب.. ورغم أننا غير ملزمين بتقليد نظام الولايات المتحدة أو غيرها إلا أن الرد البسيط على هذه الأطروحة هو أن أمريكا تفرض الضرائب على دخول مواطنيها فى الخارج، أى أنها تمنحهم سلطة استثنائية مقابل تحميلهم مسؤولية استثنائية. أضف إلى ذلك فارقاً جوهرياً بين الولايات المتحدة ومصر.. وهو أن عدد المصريين فى الخارج يُقدّرون اليوم بثمانية ملايين نسمة أى حوالى 9% من تعداد الشعب -بل أكثر عند اعتبار مَن وصلوا لسن الإنتخاب- شأن مصر فى ذلك شأن كافة الدول النامية المُصدرة للسكان، وهى نسبة تتزايد دائماً مع استمرار التساهل فى شروط منح الجنسية لأولاد المصريين ومع استمرار الهجرة للخارج. فى حين أن الدول المتقدمة قلما يهجرها أهلها، حيث تُقدر هذه النسبة للولايات المتحدة على سبيل المثال بـ2.1% فقط.

أما عن أحوال الجالية المصرية فى الخارج فنجد الكثير من مهاجريها وأولادهم منقطعين بالكامل عن بلد آبائهم، وأفضلهم حالاً يزورها لبضع أسابيع فى عطلته السنوية التى يقضيها بين مارينا وشرم الشيخ قبل رجوعه لوطنه الحقيقى الذى صار به عمله وإقامته وأسرته الجدد. وبسبب ظروف وبيئة هذه الفئة المتميزة عن ظروف وبيئة معظم شعبنا الذى يقبع 42% منه تحت خط الفقر، وبسبب أعداد أفرادها الضخم، فسرعان ما ستكوْن لها لوبيهات تنظيمية هائلة تمكّنها من ترجيح إن لم يكن حسم الإنتخابات للمرشح أو الحزب الذى تؤيده، ومن ثَم فسيكون لها قوة ضغط وتفاوض شديدة الأهمية للسياسيين الذين سيتهافتون لتلبية مطالبها أياً كانت مقابل الظفر بأصواتها المهولة. وكل هذا من الخارج -من أوربا وأمريكا- بالـ”ريموت كنترول”.

ألم أقل لكم أنه خبل؟

سيحتج البعض بحجة كون هذه ليست ظروف كل المصريين فى الخارج.. فالكثير منهم سافروا فى رحلات مؤقتة طلباً للسياحة أو العلاج، وبعضهم مجرد طلاب ما يلبثوا إلا ويعودوا لأوطانهم بعد بضعة أعوام، وآخرين اضطرتهم ظروف عملهم للمكث فترات فى الخارج لم ينسوا فيها وطنهم ولم ينقطع اتصالهم به يوماً.. فما ذنب هؤلاء لحرمانهم من حقوقهم السياسية؟ والرد البسيط على تلك الأطروحة هو أن هؤلاء شريحة عشوائية مُمَثّلة من المجتمع، ولذا فإن عدم إدلائهم بأصواتهم لن يغير من النتيجة النهائية للإنتخابات شيئاً فضلاً عن حَدّه من إمكانية التزوير والنفقات الباهظة للتصويت فى الخارج. فعلى سبيل المثال فلو تم استثناء جميع من وُلدوا فى شهر أغسطس أو جميع من وُلدوا فى سنوات كبيسة مِن التصويت فلن يغير هذا من الفائزين بالإنتخابات لأن المستَثنين لا يمثلون تياراً سياسياً بعينه فستظل النِسَب كما هى مع تقليل الأعداد فقط.

لكن التغيير يحدث حين نستثنى فئة مثل (الأغنياء) أو (الفقراء) أو (الشباب) أو (الكبار) أو (المتدينين) أو (العلمانيين) أو (المتعلمين) أو (الأميين) أو (أبناء بحرى) أو (أبناء قبلى) لأن كل فرقة من تلك تُعتبر شريحة غير مُمَثّلة فى باقى المجتمع فتعطِى أصواتها لمرشحين متباينين وفقاً لشروطها المختلفة. وهذا بالضبط وضْع المصريون فى الخارج لفترات طويلة وأولادهم، إذ صاروا شريحة منفصلة ليس لها مثيل فى الداخل فصارت لهم مصالح وآراء وطموحات ومخاوف تختلف عن مصالح وآراء وطموحات ومخاوف المصريين العاديين. وليس أدل على ذلك مِن تصدّر مرشحَ من الفلول يتوعد الثورة والثوار لاستطلاع رأى أجراه المركز الديمقراطى الأمريكى للمصريين بالولايات المتحدة نشرته الأهرام السبت الماضى. وأتى استطلاع آخر للمصريين بفرنسا بنفس النتيجة. هؤلاء -أيها السادة- هم “المصريون” فى الخارج. هؤلاء هم عيّنة آندرو ومَن على شاكلته.

ولذا فإن اشتراط تواجد الناخب فى مصر أثناء فترة إدلاء الأصوات يحد من تأثير هذه الشريحة التى تميزت عن عامة الشعب وهو فى ذات الوقت لا يُضيع تأثير الشريحة التى ما زالت تنتمى للبلد لوجود مثيل لها يقوم مقامها فى الداخل، وهو إجراء حَرِىّ بأى مصرى مخلص فى الخارج أن يؤيده. كما أن ما نقترحه ليس ببدعة وله سابقة، وهى حرمان المجندين الذين يخدمون الوطن من التصويت لسهولة التأثير عليهم.. فكيف لا يُحرم المصرى فى الخارج من التصويت لسهولة التأثير أو التزوير؟

المؤلم فى الأمر أن ما نقوله ليس بجديد ولا مفاجىء، وأن الجميع يعلمون ذلك صراحة أو ضمناً. لكن فى الآونة الأخيرة استُحدثت مقدسات لا يمكن المساس بها هذه إحداها.. فإن طالبْت علناً بحصر حق الإنتخاب على المصريين فى الداخل لثارت عليك ثائرة القوى السياسية اللبرالية بنفوذها الإعلامى، ولـفرشت لك الملاية منظمات أقباط المهجر، فضلاً عن استنكار المنظمات الدولية بما فيها تلك التى لا تسمح دولها أصلاً لمواطنيها فى الخارج بالتصويت.

ولذا فإن كل أملنا من هذه الرسالة هو إيصال صدى نداء مدوّى لآذان حكماء هذا البلد يدعوهم للتعقل إن كانوا أيدوا هذا القرار، وإلى الكَف إن كانوا ضغطوا لتحقيقه، وإلى التشجع والصدع بالحق إن كانوا صمتوا عليه. ولو كان فات وقت التراجع للإنتخابات المُقبلة فلا أقل من إلغاء هذا التشريع المتسرع والمشبوه قبل التى تليها.. كى لا يتسرب حق تقرير مصير هذه الأمة مِن أيدى أبنائها مرة أخرى.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مايو 22, 2012 by حسام حربى in معارضة

2 responses to “فقط فى مصر.. انتخابات يحسمها الأجانب!

Subscribe to comments with RSS.

  1. التنبيهات: لماذا تصر الفتيات على التظاهر فى أماكن التحرش؟ (للكبار فقط) | «أَبْصِرْ» - مدونة حسام حربى

  2. بسم الله الرحمن الرحيم

    والله ياا اخى ان مش عارفة ارد عليك اقول اية كل حاجة بقت تغيظ وتنقط قرات ان الليبين بتترحم على ايام القذافى والتونسيين بتترحم على ايام زين العابدين بن على ياترى امتى احنا حانترحم على ايام المخلوع

    وبصراحة كل المرشحين للرئاسة مقرفين ومفيش حد ينفع فيهم لكن نعمل اية ربنا يتولانا برحمته ويبعد عننا شر عباده

    بصراحة بالنسبة للمولودين فى الخارج دول بينتموا للدول اللى ولدوا فيها يعنى مصريين بالاسم ولكن اجانب بالفعل

    اما المهاجرين المصريين دول بعد خمس سنين هجرة نسوا مصر واهلها واندمجوا فى بلدهم الجديد يعنى مشغولين وميهمهمش مين يحكم ومين مايحكمش

    اما بالنسبة لتزوير الانتخابات يعنى حاجة مش جديدة اطمن دول عصابة وعارفة هيه بتعمل اية

    ربنا كبير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: