دورة حياة الأفكار والمعتقدات   Leave a comment

تتعجب كثيراً عند تأمل التشابه بين دورة حياة المذاهب الفكرية ودورة حياة الأمم ودورة حياة الأفراد، فكلها تسير على نسق واحد: بداية قوية مليئة بالحماس والإندفاع بقوة نحو طريق معيّن شديد الوضوح قبل أن تخف سرعة ذلك الإندفاع شيئاً فشيئاً حتى يغدو مثل بِركة راكدة فى نهاية مجرى نهر صُبَّ من شلالٍ هادر

فأنظر إلى بداية الإسلام وبداية المسيحية وبداية الشيوعية وبداية الرأسمالية وبداية النازية وبداية الديمقراطية.. وقارن بين الأجيال الأولى من أتباع تلك المذاهب وأتباعها الحاليين، كم تنازلوا عن ثوابت المؤسسين الأوائل وصاروا “معتدلين” و”متزنين”؟ وعندما يدب الوهن والارتخاء فى قلوب الخَلّف فعادة ما يكون نذيراً بزوال الفكر بالكلية كما حدث للرأسمالية والشيوعية اللذان إمتزجا بنظام هجين يَسرى الآن فى كل دول العالم بما فى ذلك أمريكا وروسيا والصين، أو يتحور الفكر جذرياً ليلائم “روح العصر” كما حدث للإسلام والمسيحية والديمقراطية والنازية من حيث التطبيق.. فالمسلم مثلاً أصبح يخاف من ذكر كلمة “جهاد” لإلا يظنوه إرهابياً أو كلمة “قوامة” لإلا يظنوه رجعياً، ولم يعد المسيحى زاهداً يدير الخد الأيسر بل صار رجل أعمال ومقاتل شرس، ولم يعد العنصرى ينادى باستعباد الآخرين بل بالحد من هجرتهم إلى بلاده فقط، وصارت كثيراً من الحكومات الديمقراطية أشبه بالدكتاتوريات التى كانت تنتقدها بعد خضوعها لضغوط اللوبيات المختلفة من ذوى الأموال والنفوذ، وأصبحت تتجسس على مواطنيها وطال بعضها فضائح تعذيب وانتهاكات لحقوق الإنسان، وبالعكس فقد إنتشر بين الحكام المستبدين السماح بهامش كبير من حرية الرأى والتعبير وتخلّوا عن فكرة سجن كل من يقول نكتة تسخر من الزعيم مثلاً! إذاً فقد صاروا جميعاً أقرب إلى “الوسَط” الذى لا ينتمى إلى شىء.. وإن بقى عند كل منهم لمحة من الماضى المجيد و”بطاقة” مكتوب فيها إنتمائه الأصلى تُشعره بالفخر لكونه جزء من حركة أو تيارٍ ما وليس كالماء لا طعم له ولا لون

ويفتح وهَن تلك الحركات المجال للشباب المتحمس لفكرة وليدة (بغض النظر عن صحتها) لأن يروج لها ويبدأ دورة أخرى، فالإنسان يمل من الحياة الرتيبة ويتشوّق لخلق تغيير فى مجرى الأيام كى يراها بلون مختلف. ونجد هنا ما يمكن تسميته بـ”تآكل شرعية الإستمرار”، فالفكر الاجتماعى أو النظام السياسى أو الإقتصادى أو حتى الدينى الذى يستمر لفترة طويلة يكتسب شرعية بحكم قِدمه، إلا أنه يفقد تلك الشرعية بعد فترة لسأم الناس وتململها منه ورغبتها فى تغييره خاصة بعدما يلحظوا عدم تحقيقه للنتائح المنشودة منه والتى عادة ما تكون مبالغ فيها بدرجة غير واقعية. وهذا ليس مصير الأفكار والمعتقدات فقط، بل على هذا يكون حال الأمم وحال الأفراد بل وحتى حال نجوم السماء التى تبدأ جحيماً مستعراً وتنتهى بـ”قزم أبيض” أو “ثقب أسود” لا يُرى منه أى شعاع كالليل الأدهم

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مايو 30, 2012 by حسام حربى in صراع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: