ما العقاب المناسب لجريمة القتل؟   1 comment

حديث الساعة هو تأبيدة المخلوع والغضب الشعبى لعدم إعدامه. وكما اعتاد قارئى العزيز فإنى لن أخوض فى تفاصيل حادثة بعينها ستفقد أهميتها بعد شهر أو بعد سنة، لكننا نستغل انشغال الرأى العام بالقضية لإثارة نقاش مجتمعى حول أكثر الطرق عدلاً وتوازناً فى عقاب جريمة القتل.

لنتأمل أولاً الأساليب المعاصِرة فى التعامل مع القاتل.. وهنا سنجد أن بعض الدول تعاقبه بالإعدام (كالصين ومعظم الدول الإسلامية)، وبعضها الآخر بالسجن (أوربا)، وبعضها بالسجن ثم الإعدام (اليابان ومعظم ولايات أمريكا)، وبعض الثقافات الجماعية تعاقبه بقتل أقرب الناس إليه (الصعيد وقبائل البدو)، وفريق خامس يقبل بمبدأ الدية شريطة موافقة أهل المقتول (دول الخليج وباكستان). والحق فإن المنطق يمنعنا من الإنحياز لأى الطرق الممارَسة أو غير الممارسة فى عقاب القاتل إلا بعد تأمّل المشكلة من كافة جوانبها، وهذا هو ما سنفعله اليوم.

لكننا فى البداية سنستبق سهام الإعتراض التى ستوجه إلينا باستقراء للحكم الدينى فى هذه المسألة.. إذ يتبنى البعض كفاية إعدام القاتل كجزاءاً وفاقاً ليَلقَى ما تبقى من عقابه خالداً فى النار كما نَص القرآن. لكن هذا المنطق يتخلله مشكلات ثلاث:

أولاً ففى حالة توبة القاتل بعد وقوعه بيد العدالة يُرفع عنه الحرج الأُخرَوى

ثانياً فإنّ افتراض العقاب الأبدى يلغى الحاجة للقصاص من القاتل بالمرة. فلو فرضنا أنه فور وفاته سيحترق إلى ما لا نهاية فستتلاشى الحاجة لعقابه فى الدنيا، خاصة مع افتراض إضافى وهو تعويض المقتول وأهله أُخروياً بأكثر مما فقدوه دنيوياً مما يزيل الحاجة لأى نظام عدالة على الأرض للاكتفاء بعدالة السماء.. بل بالعكس يكون القاتل قد أدى للمقتول وأهله خدمة جليلة!

ثالثاً -والأهم- فإنّ فكرة العقاب أو النعيم بعد الموت نسبية تماماً.. فقد يعتقد أحد أعضاء تنظيم القاعدة مثلاً أن قتل المدنيين فى مصر أو العراق أو باكستان سيؤدى به إلى الجنة، بينما يرى آخرون أنه سيؤدى به إلى النار، بينما يرى فريق ثالث أنه مختل عقلياً مرفوع عنه التكليف! ويقاس على ذلك أيضاً حالات القتل التى ينتمى أطرافها لأديان أو مذاهب مختلفة. وبالتالى فإن إقحام فكرة العقاب الأُخروى فى المسألة لتأسيس حكمنا عليه بحسب تصورنا لن يساعدنا على حلها، ولذا فعلينا تجنبها نهائياً إعمالاً بأمر القرآن {ولا نقْفُ ما ليس لك به علم}

فما الحل إذاً؟

أولاً تعال نحصر الأضرار التى يسببها القاتل بجريمته:
1-ضرر وجودى على القتيل بإفقاده حياته
2-ضرر معنوى ومادى على أهل القتيل
3-ضرر أمنى على المجتمع بإفقاده الشعور بالطمأنينة

ومن هنا فلنا أن نلوم الفريق الذى يرى فى عقاب القاتل الإعدام فقط، إذ يكون بهذا تعامَل مع أول ضرر فقط دون الباقى. وكذلك نلوم الفريق الذى يرى فى عقابه السجن فقط، إذ يكون بهذا تعامَل مع نصف المشكلة الثانية دون الباقى. كذا فالفريق المؤيد لفكرة الدية يتجاهل المشكلتين الأولى والثالثة ونصف الثانية. أما مَن يرى قتل أحد أقربائه كجزاء فهذه الفكرة وإن كانت مقبولة من حيث المبدأ بين الشعوب الجماعية -والتى لا يُعتبر فيها الفرد مستقلاً بذاته بل جزءاً من جسد قبيلته أو عائلته- إلا أن عليها مؤاخذات كثيرة مِن أبرزها مثلاً عجزها عن التعامل مع حالة قتْل شاب بلا أبناء لإبن أحد الأشخاص، فضلاً عن عدم تناسبها مع المجتمعات الفردية الحديثة بالطبع.

وفى السطور التالية نقترح حلاً لكل مشكلة من الثلاثة التى تسببها جريمة القتل:

1-ضرر القتل عقابه الإعدام بنفس الطريقة التى تمت الجريمة بها

2أ-الضرر المعنوى على أهل القتيل يمكن ردّه بالحبس الإنفرادى قبل الإعدام لمدة قريبة من تلك التى تكون فيها مشاعر الأهل متأججة وهى حوالى ثلاثة أشهر. ونقول لمن لا يعرف قسوة الحبس الإنفرادى أنه ليس هيناً وهو من أكثر العقوبات نكالاً، وعلى سبيل المثال فقد أصيب بعض مَن تم حبسهم إنفرادياً فى معتقل جوانتمو لمدة ستة أشهر بالجنون التام، وأصيبت به قرود تم تعذيبها بنفس الطريقة.

2ب-الضرر المادى على أهل القتيل علاجه فى تعويض يؤخذ من مال المُدان أو مِن ثمن بيع أعضائه بعد إعدامه إن لم يكْف ماله الخاص. ونقترح كقيمة لهذا التعويض ما يُقدره القاضى بكونه فائض دخْل المقتول خلال عشرة سنوات، حتى إذا ما تم استثماره بريع 10% سنوياً يأتى بنفس فائض دَخل المقتول الذى كان سيمنحه لأسرته.

3-وأخيراً فأحد الحلول المعقولة للضرر على المجتمع فى إفقاده الشعور بالأمان هو عدم إعلام المُجرم بميعاد إعدامه ليطاله الرعب والخوف الدائمَين. وهذه بالمناسبة وسيلة متبعة بالفعل عند تنفيذ عقوبة الإعدام بمصر.

وفى النهاية لدينا تنويه..

كل ما تكلمنا عنه هو جريمة القتل القائمة على التعدى والظلم. لكننا وللأسف نلحظ أن الكثير من حالات القتل فى مجتمعنا تأتى -بالعكس- كرد فعل على تعدى وظلم. وعن هؤلاء نقول أن الذى يضطره نظام قضائى متهالك وبطىء لدرجة الشلل إلى أخْذ حقه بيده مما قد يؤدى لوقوع جرائم قتل أو بلطجة لا يستحق العقاب.. بل يستحقه واضع القوانين والقائم على تنفيذها اللذان حرماه من الحصول على حقه بوسيلة قانونية ومتحضرة.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted يونيو 4, 2012 by حسام حربى in حكم وإدارة

One response to “ما العقاب المناسب لجريمة القتل؟

Subscribe to comments with RSS.

  1. السلام عليكم
    والله كلامك معقول ومنصف عن عقاب القاتل بس تصدق برضة حوسحوس ( المخلوع )صعبان عليا برضة راجل كبير يلاهو احنا اللى حانصلح الكون ربنا يتولانا برحمته

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: