قصة المستبد والقصر الورقى (تاريخ بديل)   2 تعليقان

كانت هذه المدونة ولم تزل تُركز بالدرجة الأولى على الأفكار العامة التى لا ينتهى تاريخ صلاحيتها بعد عام أو عشرة، وتأتى فى المرتبة الثانية الأحداث التى نستخلص منها أفكاراً عامة. وشخصياً ألوم بعض المدونين الممتازين لأن جُل إنتاجهم من النوع الثالث وهو الذى يفقد بريقه سريعاً مع نسيان الناس للحدث الذى كُتبت التدوينة خصيصاً من أجله. إلا أن اليوم ليس كأى يوم.. إنه يوم عيد. فلأول مرة نختار مَن يمثلنا منذ 60 عاماً. وبهذه المناسبة السعيدة إسمحوا لى بالإحتفال معكم بتدوينة تنتمى للنوع الثالث.. مرة من نِفسى!

مَن يزور مملكة ظلمستان لأول وهلة يظنها أكثر بلاد المعمورة تقدماً، إلا أنه سرعان ما يكتشف أنها لا زالت تعيش فى العصور الوسطى من قهر واستبداد واستعباد.. وذات يومٍ طفح الكيل ولم يعد للصبر حدود ولا مكان يحتمى به، فقد غَر الملكَ خنوعُ الرعية فطغى وتجبر حتى أوصلهم لمرحلة اللاعودة، ووقع المحظور واشتعلت الثورة..

وقف الملك يراقب الشاشات العملاقة التى ملأت قاعة قصره وارتسمت عليه علامات القلق التى كانت تجاعيد وجهه قد نسيَتها.. فهذه المرة لم تكن كسابقاتها. إنهم ليسوا ألفاً أو ألفين، بل ألوفاً مؤلفة. ضغط بإحدى يديه الناعمتين على الأخرى خلف ظهره وهو يجز أسنانه فى مزيج من الغضب والإحتقار بينما دارت عينيه بين شاشة وأخرى تراقب هراوات رجاله تهوى قارعة رؤوس الصارخين بسقوطه، وخُيِّل إليه أنها لا تؤلم محدثى الشغب بما فيه الكفاية

خلال ساعات كان الملك يروح ويجىء فى الغرفة كالنمر الأسير، حتى أن وزير الأمن الذى برفقته كاد يغشى عليه من الدوار
“مولاى.. أقسمت عليك لتريحن نفسك.. لقد قلت لك مراراً أن الأمر لا يستحق”
إلتفت إليه الملك غاضباً هذه المرة “بل يستحق أيها الكاذب. إنهم ليسوا عشرة آلاف كما أخبرتنى، بل تعدو العشرين ألفاً”
بلع الوزير ريقه واحمرت أوداجه.. ليس فقط لأن الملك علم أنه كان يخدعه، بل لأن الثعلب العجوز كان من المكر بحيث أخفى عنه علمه بالحقيقة وسايره
“أتظننى مغفلاً لا أعلم ما يحدث فى البلد؟ إن لى عيوناً لا تعلم عنها.. بل إنهم كادوا يصلون إلى الثلاثين ألف وهم فى إزديادٍ مستمر كالنمل”
إنتصب الوزير من جلسته وقد بدت عليه علامات الجد بعدما كان مسترخياً “سامحنى يا مولاى فقد كنت أود طمأنتك.. فكما تعلم سموّك أن مواليك يتعدون الخمسائة ألف. فقد جمّلت الحقيقة قليلاً كى أُر”
قاطعه الملك صارخاً “خمسائة ألف عبد وليس حر أيها الأحمق. ألا ترى كيف يَضربون الإنقلابيين؟ إنهم يطبطبون عليهم بهراواتهم.. إنهم ينتظرون اليوم الذى ينتقمون فيه منى، أتحسبنى غبياً يا وزير؟”
إبتلع الوزير ريقه وإبتلع لسانه معه، وحاول عبثاً أن يفكر فى طريقة جديدة يقنع بها الملك بأن الشغب لن يتعدى المرات السابقة التى قُتل واُعتقِل فيها بعض الرعية قبل عودة الباقين لبيوتهم، فهذه كانت ثالث إندلاعة فى عامٍ واحد رغم مرور عقود طويلة من الإستقرار. هَم الوزير بالنطق لكن الملك بادره قائلاً “سأرحل”
انتفض الوزير جاحظة عيناه كمن قرأ نعيه فى الجرائد بنفسه “ترحل إلى أين يا مولاى؟”
مد الملك يده إلى جيب سترته قائلاً “سآخذ الطائرة الإحتياطية وأبقى بالخارج لبضعة أيام حتى تهدأ الأمور، وستبلغنى أنت بما يجرى أولاً بأول. وستخبرنى بالحقيقة هذه المرة”
“مولاى.. أرجوك.. أقسم لك أن الأمر لا..” لم يكمل الوزير، فقد كان الملك يجرى إتصاله بطياره الخاص كى يستعد للإقلاع ريثما يحزم حقائبه، فقد كان له مروحية رابضة فى فناء القصر مستعدة لنقله للمطار خلال دقائق إن دعت الحاجة، ويبدو أنها دعت اليوم
بعد دقائق شاهد الوزير الملك وهو يولى مدبراً حاملاً معه حقيبة جلدية صغيرة، وإلتفت الملك إليه قبل مغادرة البوابة “لا تنسى ما قلته لك” ثم صعد سلم المروحية القصير قبل أن تذوب فى الأفق.. وراود الوزير لبرهة أنه لن يرى ولىّ نعمته ثانيةً

كان اليوم التالى رابع أيام المظاهرات.. فقد كان الثوار يعودون لمنازلهم والعبيد لثكناتهم كل ليلة قبل إستكمال الصراع فى الصباح كحروب القرون الوسطى. كان مَن يراقب الشاشات فى القاعة بقلق هذه المرة هو الوزير محاطاً ببعض ضباطه المخلصين. لم يغادر ذهنه مشهد الثورة الفرنسية الذى رآه مرة فى أحد الأفلام والذى تطايرت فيه رؤوس رجال الحُكم وأُسرهم تحت شفرات المقاصل، فلم يكن يكف عن الإستعلام عن أعداد المتظاهرين كل بضعة دقائق حتى ضجر منه مخبروه وصاروا يتجاهلون بعض مكالماته. إندفعت الأفكار فى خياله كالطوفان المنبثق من السد المنهار بعد سماعه آخِر تقرير “يا إلهى.. لقد تَعَدّوا السبعة وثلاثين ألفاً.. إنهم يتكاثرون كالبكتريا.. سيصيرون أربعون ألفاً قبل الغد.. ماذا لو جاءوا إلى هنا..” إنتبَه الوزير ليجد يداً تخنقه بشدة ففزع قبل أن يدرك أنها يد صاحبها، فتظاهر بتدليك ألماً فى رقبته آملاً ألا يكون أحداً ضباطه قد لاحظ. بدت قطرات العرق على جبينه بالرغم من أجهزة المكيِّف، ثم سمع صوتاً هادراً بجانبه يتحدث بحماس الشباب..

“لا تقلق يا سيدى، إن عددهم لم يصل حتى إلى الأربعين، وعندنا ما يكفى من الرجال وزيادة كما تعلم جنابك. سنلقن هؤلاء الأوباش درساً لن ينسوه هذه المرة ليكفّوا عن إستعراضاتهم السخيفة، فلو كانت حركة شعبية بحق لكانوا بعشرات الملايين وليس بضعة آلاف”
صمت الوزير برهة قبل أن يحتسى فنجان قهوته الخامس، ثم رد دون أن يلتفت مثبتاً عينيه على الشاشة اليسرى “أعلم ذلك.. كل ما يقلقنى هو عدد القتلى هذه المرة، فقد تعدى المائة ولن تعتقنا الصحف الأجنبية سليطة اللسان. كما لم يعد لدينا شبر فارغ فى السجون بعد إستضافة الألف السادسة، فلعلنا نشحن النزلاء الجدد للدول الديمقراطية كى يرتاحوا ويريحونا معهم” قالها ثم إلتفَت مطلقاً ضحكة ذئبية عالية، ردد صداها جميع من كانوا بالغرفة
بات الضباط ليلتهم تلك مع الوزير فى القصر، فقد خاف كل منهم الإغتيال إن أبلغ جيرانُه الثوارَ بقدومه إلى منزله، رغم أن احداً لم يُغتيل منذ بداية الأزمة. لكنهم عند إستيقاظهم وجدوا أحدهم ناقصاُ.. إنه الوزير

بحثوا عنه فى جميع جنبات القصر ودورات مياهه فلم يجدوا له أثراً. إتصلوا بهاتفه فوجدوه خارج الخدمة. هرع أحدهم للخارج ليسأل الحرس عما لو كانوا رأوه، لكن عيناه الَّّتا لاحظتا إختفاء المروحية العائدة بعد توصيل الملك ألجمتا لسانه. تجمد الضابط للحظة مذهولاً فاغراً فاه، قبل أن يتمتم قائلاً “يابن الـ..”

حار الضباط فى أمرهم ولم يدروا ما العمل، فبعد تفشى شائعات فرار الطاغية وأغلب وزراءه للخارج قفز عدد الثوار إلى سبعين ألفاً، وبدأوا بالوفود إلى العاصمة من الأقاليم رغم إغلاق الطرق وحظر التجول. والأخطر أن بعض العبيد والضباط قد هرب من الخدمة، بل وإنضم آخرون إلى الثوار الذين بدا بعضهم على شاشات المراقبة ممسكاً بهراوات ودروع الموالى ومرتدياً خوذاتهم. إنقطع إرسال آخِر شاشة مراقبة وهى تبث صورة مشروخة لعصا ضاربة يحملها طفل جالس فوق كتفَى والده، وعندها أدرك الضباط أن اللعبة قد إنتهت، فانسحبوا واحداً تلو الآخر خلال ثوان..

مساء ذلك اليوم اقتحم الثوار القصر والمجلس الملكى والسجن الكبير وأضرموا النيران فيها جميعاً. جُرح منهم بضعة آلاف إلا أن قتلاهم لم يتعدوا المائتين، أَقسَم شهود على رؤية إبتسامات بعضهم تطل من وراء دماءهم المتجلطة. وحين غربت الشمس على عدلستان ذلك اليوم لم تكد تعرفها، فقد بدت لها البلد كأوراق الكُتشينة المبعثرة على الأرض بعدما كانت تبدو كقصرٍ شامخٍ عال. فضحكت الشمس هامسة للقمر بأن هناك من اكتشف الخدعة أخيراً، وأدرك أن القصر الورقى المهيب لا يحتمل أكثر من نفخة قوية ليهوى ساقطاً..

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted يونيو 18, 2012 by حسام حربى in معارضة

2 responses to “قصة المستبد والقصر الورقى (تاريخ بديل)

Subscribe to comments with RSS.

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله ويارب الشمس تشرق على عدلستان جميلة صافية رايقة هادية ومايظهرش تانى ملك ظالم طماع كل همه مصلحتة هو والوزراءالحرامية بتوعه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: