الدول العظمى تخاف ماتختشيش   Leave a comment

هناك نمط لا يكاد يخطىء فى العلاقات الدولية بين القوَى العظمى والدول الأصغر، وهى أنه كلما قَدمت الدول الصغيرة تنازلات كلما فتحت شهية القوى العظمى لمزيداً من التنازلات وليس العكس. كما يصير الموضوع بعد فترة “حقاً مكتسباً” وليس “صفقة”، فتعتاد تلك الدولة أن تأمر وتلك الدويلة أن تنفذ حتى إن لم تأخذ مقابلاً وكأنها دخلت فى بيت الطاعة قبل إصدار قانون الخلع

فدولة كالعراق قبيل غزوها كانت وافقت على تدمير صواريخ “الصمود2” شديدة البأس والتى قال الشيخ القرضاوى وقتها أنه يشعر بأحد أضلاعه يتحطم كلما عَلِم بتحطيم أحدها.. وكلنا نعلم ما حدث لهم بعد أن إستجابوا لطلبات الغزاة، ونجد أمثلة كثيرة لتنازلات قدمتها بلد محاصَرة إقتصادياً كسوريا منها تعذيب معتقَلين لحساب أمريكا كالمواطن السورى-الكندى ماهر عرار (والذى لم نكن لنعرف عنه إلا لأنه يحمل الجنسية الكندية وبالتأكيد هناك آخرون أقل حظاً) ومنها إعتقال المتطوعين الذاهبين للمقاومة فى العراق بعيد الإحتلال على الحدود والتنكيل بهم، وأمثلة أخرى لتعاون إستخباراتى سودانى مع أمريكا رغم أن السودان عليها عقوبات ومن الدول المغضوب عليها أيضاً، ومؤخراً تنازلات السلطة الفلسطينية المجانية المستمرة لإسرائيل رغم إلتهام المستوطنات اليهودية لأرض شعبها يوماً بعد يوم كما ينخر السوس فى الخشب، أضف إلى ذلك “مرمطة” تركيا العلمانية قبل صعود الإسلاميين فيها للإنضمام للإتحاد الأوربى وعدم حصولهم على شىء سوى الذل والإهانة أيضاً. والمشترك بين كل تلك الأمثلة أنهم يقدمون شيئاً دون أن يأخذوا شيئاً سوى “رضى الحبايب”

وعلى الناحية الأخرى نجد فى حالة إيران وكوريا الشمالية اللتان تتعاملان مع الولايات المتحدة بِنِدّية أقرب إلى التعالى “راسنا براسكم” رغم صعوبة وضعهما الإقتصادى فى ظل العقوبات أن أمريكا ترد على ذلك بالتعامل معهما بإحترام شديد وتسعى جاهدة للوصول معهما لإتفاقات ترضيهما لوقف مشروعهما النووى، بل إن إيران وكوريا يتشَرّطان واضعتان “رجلاً على رجل” ويحرقان دم المفاوض الغربى دون أن يأخذ منهما حقاً ولا باطلا. ونجد أن أمريكا تستعد الآن للإنسحاب من أفغانستان وتسعى للتفاوض مع طالبان رغم أن خسائرها من الجنود هناك محدودة جداً إذ لم تصل حتى لألفى قتيل خلال أكثر من عشر سنوات، وطالبان حركة ضعيفة عدداً وعتاداً بكل المقاييس خاصة إذا ما قورنت بجيوش أربعين دولة حديثة لها 150 ألف مقاتل هناك. ونجد أن رَجلاً مثل حسن نصر الله يحظى بإحترام شديد ومصداقية فى إسرائيل أكثر من مصداقية زعماء الدولة العبرية نفسها، و وقْع تصريحاته فى نفوس مواطنيها لا يقارَن بوقع تصريحات رجل مثل محمود عباس (هذا إن إكترثت الصحافة الإسرائيلية بنقل تصريحات عباس أصلاً)

وهكذا تتجلى حكمة الفلاح المصرى الذى إخترع عبارات مثل “عالَم تخاف ماتختشيش” و “أخرة خدمة الغُز علقة” منذ الأزل ليصف مثل تلك الحالات موضحاً لنا أن ما نتحدث عنه هو فى الحقيقة نمط قديم لم يتغير يوماً.. فالمتجبر لا يفهم غير لغة القوة ويحتقر الضعفاء اللاهثين وراء إرضاءه، بينما يحترم ذوى الكرامة الواقفين أمامه مرفوعى الرأس رافضين الإنصياع لأوامره حتى إن كانوا فى حالة عداء معه. والقوَى العظمى فى ذلك تماماً كالفتاة الحسناء التى إعتادت سعْى الرجال إلى إرضائها وإنتظار إشارة من أصبعها فلا يملأ عينها إلا “الواد التقيل” الذى لا يكترث بها ويضربها على دماغها. وفى كل هذا تأكيداً لسنة الحياة العامة فى أن الحلول السهلة (كالإستسلام) تكون مريحة على المدى القصير لكنها ذات عواقب وخيمة فيما بعد، بينما الحلول الصعبة (كالصمود) تكون عسيرة وأحياناً شديدة المرارة فى البداية لكن نهايتها أفضل كثيراً مادياً ومعنوياً شريطة الصبر للنهاية

ولست أدرى أأضحك أم أبكى عندما أرى مسلمين تحت النيران غارقين فى دمائهم يرددون بآخر ما تبقى لهم من قوة “الإسلام دين السلام! الإسلام دين السماحة!” قبل أن تزهق أرواحهم، فعندما لم يكن الإسلام دين السلام والسماحة وعندما لم يكن المسلمون “معتدلون” -وتحديداً قبل القرن التاسع عشر- لم يكن الغرب يجرؤ على الدوسان لهم على طرَف فضلاً عن إستعمارهم وتقسيمهم وإذلالهم.. فهل نتعلم شيئاً من كل ذلك؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted أغسطس 3, 2012 by حسام حربى in الغرب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: