مفهوم “حقى بدراعى” ما بين الشرق والغرب   Leave a comment

من المفاهيم شديدة الرسوخ فى مجتمعنا عن الرجولة وشيم الإعتماد على النفس والتى لا يكاد يتجادل عليها إثنان هى مفهوم “حقى بدراعى”، أى أنه ينبغى على المظلوم المسارعة بانتزاع ما أُخذ منه بنفسه دون إنتظار مساعدة من حكومة ولا قانون. وقد شَغَل إختفاء ذلك المفهوم من الشعوب الغربية جانباً من فكرى مدة مكوثى هناك.. وكنت أتساءل هل يرجع ذلك إلى غياب “أخلاق القرية” عندهم أو إلى إفتقارهم للنخوة والدين مثلاً؟ لكن وبعد مزيداً من التأمل وضح التفسير الصحيح على شدة بساطته.. وهو عدم حاجتهم لذلك! فبسبب التطبيق الصارم للقانون هناك لم يعد الناس يحتاجون لتلك المفاهيم، وصار كل ما على المظلوم فعله ليحصل على حقه هو الإتصال بالشرطة أو بمحام حاذق بعيداً عن إستعراض العضلات وإستخدام القوة العشوائية. أما عندنا فالقصة مختلفة.. فجل حياتنا بل وتاريخنا ما هما إلا سلسلة من المظالم التى لم تجد قانوناً يعيدها ولا ديناً يردعها بدءاً من الحكام الظلمة إلى الإستعمار الظالم إلى الحكام الظلمة مرة أخرى حتى صار الظلم هو القاعدة فى تعامل الناس مع بعضهم البعض وصار العدل هو الإستثناء، ولذا فكان طبيعياً أن يترسخ فى وعينا الجماعى أن الصواب هو أخذ الحق باليد وما سوى ذلك يكون تخاذل وضعف غير جدير بالإحترام.

ولنأخذ مثالاً نخيّلياً على شخص حُكم عليه بالسجن فحاول الفرار والإختباء.. ففى بلد اعتاد أهلها أن يُسجن الناس بلا سبب أو لأتفه الأسباب (من وجهة نظر ذلك المجتمع) سيَلقى هذا الهارب تعاطفاً من محيطه سواءاً فى شكل مساعدات مادية أو إعتبارية، بل وستتطاير إلى سمعه عبارات التشجيع والإعجاب.. أما فى مجتمع معروف بنزاهة وعدالة نظامه العقابى فالنظرة لهذا الهارب ستكون أقرب للشك والريبة بل وسيحاول بعض الوطنيون المخلصون إبلاغ السلطات عنه لتأتى وتقبض عليه دون أن يُنظر إليهم على أنهم خونة وطاعنى ظهر بعكس الحالة الأولى. ولذا فليس من العدل إنتقاد الشعوب الشرقية لعدم إتباعها للنظم وتجاهلها للقوانين.. فالنظم والقوانين الفاسدة هى التى غرست فينا ذلك، لا لأن عندنا جينات وراثية خاصة مثلاً دفعتنا للإستهتار بها. ولو فرضنا أن الحكومات الغربية إنقلبت إلى حكومات مستبدة وشاع الظلم والفوضى فيها لبضعة عقود فستجدهم وقد تحولوا ليكونوا مثلنا تماماً والعكس صحيح.

وفى هذا الإطار يكون من السهل علينا تفسير تفشّى عادات كالثأر فى الصعيد مثلاً وااذى طالما إشتكت الدولة منه.. فمن أكبر أسباب إستمراره هو غياب العقوبة التى يعتبرها المجتمع هناك مناسبة لجريمة القتل وهى الإعدام، حتى أن أهل القتيل ينتظرون المسجون قاتل قريبهم بالـ15 والـ20 عاماً حتى يخرج ليقتلوه وتبدأ قضية جديدة! ولو أُخذ هذا فى الإعتبار منذ البداية لتمكنت الدولة من إرضاء رغبة هؤلاء القوم فى العدالة ولِما إحتاجوا لأخذها بأنفسهم. وقِس على ذلك كل خروج على القانون”يرتكبه” مظلوم لأنه لم يجد قانوناً ينصفه، أو لربما وجد قانوناً يجير عليه ويزيد من مأساته ويأسه وإحباطه.

هذه الفلسفة تهدم مفهوماً أساسياً عندنا وهو وجود مبادىء “حسنة” وأخرى “سيئة”.. فالحقيقة أن البيئة هى التى تحدد الحسن والسىء بناءاً على ما يحقق المصلحة، وبعد ذلك التحديد يتبنّى الناس المفاهيم “الجيدة” التى تترسخ فى قلوبهم وعقولهم وثقافتهم جيلاً بعد جيل وما سواها يكون عيباً وعاراً. وهكذا نجد مرة أخرى أن الظروف هى التى تصنع الإنسان وفكره وتحدد له الصواب من الخطأ، لا أن هناك صواباً وخطأً ثابتين منذ البداية ينتظران إكتشاف الإنسان لهما.

وإن تعلمنا شيئاً من هذا فهو أن الراغب فى إرساء نظام أخلاقى أو سلوكى معيّن عليه بتغيير الظروف والنظم المحيطة أولاً وسيصل إلى مراده تلقائياً، لا أن يحاول إقناع الناس بتغيير سلوكهم مع بقاء البيئة الفاسدة على حالها.. فهل من مجيب؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted أكتوبر 19, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: