إشكالية التنميط   1 comment

ما أن يراك الناس تنتمى لطائفة معينة حتى يطلقوا عليك حكماً فورياً

بماذا كنت تفكر يا عزيزى القارىء عند رؤية جندى جيش فى الشارع أو فى محطة المترو قبل الثورة؟

إن كنت مثل أغلب الشعب المصرى فلعلك كان يختلجك شعور بالتقدير والإعتزاز مع بعض التعاطف والتلاحم

حسناً.. لكن بماذا كنت تفكر عند رؤية نفس المنظر بعد الثورة بعام وبضعة أشهر؟

إن كنت مثل أغلب الشعب المصرى -أيضاً- فلعلك كان يختلجك شعور بالغيظ والغضب والقهر. وبحسْب المدة التى كنت تقضيها فى قراءة الجرائد والتحليلات السياسية وقتذاك فلربما واجهت صعوبة فى منع يدك مِن الإطباق على زمارة رقبته

رغم أنه نفس المنظر تماماً، بل لربما كان حتى نفس الجندى يتجه من نفس المكان لنفس المكان!

هذه الظاهرة إسمها “التنميط”، أى وَضْع شخص فى نمط معين ورسْم تصور له حتى لو لم يقم بأى تصرف يوافق أو يخالف ذلك التصور. وكلما قَل تعاملك مع فئةٍ ما كلما زادت حدة تنميطك لأفرادها بسبب ندرة عينات ما ترى منهم وحاجتك لملء فراغ تصورك عنهم بما هو متاح لك من معلومات ولو كانت محدودة. وهذه الفئات بالضبط هى التى عادةً ما يكون تنميطنا لها ارتجالياً وعشوائياً ومن ثَم خاطئاً.. فنظرتك لشرطى المرور الواقف بجانب بيتك قد تختلف بعد القراءة عن تجاوزات الشُرطة أو بعد القراءة عن عمل بطولى لها. ونظرتك لجارك المسيحى قد تختلف فى الأيام العادية عن أيام الفتنة الطائفية سواءاً كنت تميل إلى التعاطف معه أو الغضب منه. ونظرتك لزميل دراسة من دولة عربية قد تختلف بعد اتخاذ حكومة دولته موقفاً مع مصر أو ضدها. كل هذا دون أى تصرف مختلف منهم عما اعتدت عليه

ليس هذا فقط.. بل وحتى لو اختلف تصرفهم فهذا لا يعنى أنهم صاروا مختلفين عما كانوا عليه مِن قبل. فلا جندى الجيش بطل هُمام ولا هو نذل خسيس بل هو ينفذ الأوامر أياً كانت، ولا شرطى المرور يضحى للوطن ولا هو يمص دمه بل هو مرهون بأوامر ورقابة قائده، ولا جارك المسيحى ملاك برىء ولا هو شيطان رجيم  بل يتصرف فى حدود ما تسمح له به توجهات الدولة ضيقاً وبسطاً، ولا زميلك العربى حليف إستراتيجى ولا هو عدو متربص بل هو يتأثر بفرقعات الإعلام والتصرفات الفردية اللطيفة والسخيفة معه. وهم نفس الأشخاص الذين كانوا عليهم بالأمس والعام الماضى لم يتغير فيهم شىء البتة

المثير فى الموضوع هو تحقق ظاهرة من أقوى ظواهر عِلم النفس عند وقوع التنميط.. وهى تغيّر سلوك هذا الشخص بحسب ما تتوقعه منه! فمثلاً الشرطى الذى يراك تتبسم له أو تطيب له القول على جهود الشرطة سيصبح إذ فجأةً أكثر تعاوناً مع المواطنين ليطابق القالب الجديد الذى وضعوه فيه والعكس صحيح. ولذا فمن ألطف نصائح التربية أنك عند معاقبة ابنك تسأله “هل تعلم لماذا عاقبتك؟” ولربما رَد قائلاً “لأنى سىء” فعليك بالرد “لا.. بل لأنك ممتاز، لكنك تصرفت بأقل مما هو جدير بِك!”

وفى الحقيقة فحتى فى حالة صحة النمط عن أفراد طائفةٍ ما فإننا نجد صعوبة شديدة فى الحُكم الجماعى عليهم بكونهم أخياراً أو أشراراً.. لأنه بصفة عامة فإن ما يحدد طبيعة سلوك طائفة ليس أفرادها، بل نقاط مركزية فيها كالقادة، أو ظروف شاملة تحيط بأفرادها كصرامة أو انعدام محاسبة المخطىء منهم ووجود أوانعدام حافز التصرف الجيد، أو حتى الفقر المدقع أو الثراء المفحش المحيط بأغلبهم ، بل وهناك عوامل جغرافية ومناخية تحدثنا عنها فى مقال سابق. فإن رُمْت تغييراً للواقع فعليك بالمستطاع من تلك المفاتيح وليس بالأفراد.. فهم لا يملكون من أمرهم شيئاً لأنهم لا يُمَثلون سوى قطع الشطرنج التى تحركها تلك المعادلات فى أى اتجاهٍ كان. فلا تصب جام غضبك على القطعة بدلاً من التعامل مع مَن يحركها!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted أكتوبر 23, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

One response to “إشكالية التنميط

Subscribe to comments with RSS.

  1. السلام عليكم…
    مقالة رائعة…
    لمست في مقالتك هذه جانب مهم جدا في علم النفس التربوي، وأسقطته على الواقع بمهارة.
    أعتقد أنه كلما زاد مستوى تعلم وثقافة الفرد كلما قلت حدة التنميط الذي تكلمت عنه هنا.
    استفدت كثيرا من درس تربية الأطفال وتوجيههم لسبب العقاب مع ربط ذلك بحافز الثناء على الشخص.
    تقبل خالص تحياتي…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: