ما سبب إختلاف مفاهيم الأجيال الجديدة عن سابقتها؟   Leave a comment

ظل البشر لآلاف السنين يتبعون سُبل آباءهم وأجدادهم فى الحياة بلا تغيير يُذكر.. وإن طرأ تغيير جذرى فهو عادةً ما يكون فى الأديان والمعتقدات، أى أنه لم يكن ليغيّر أسلوب الحياة اليومى للناس. وقديماً فى أوربا وحوض البحر المتوسط كانت تُستعمل دورة قوامها 15 عاماً لحساب السنين ثم تبدأ من جديد، فلم تكن هناك أى تغييرات هامة تُبرر التأريخ المستمر كالتقويم الهجرى والميلادى..

واستمر ذلك الوضع الإجتماعى حتى بدأت الثورة الصناعية منذ حوالى مائتى عام فى أوربا وتسربت تدريجياً إلى باقى أنحاء العالم لتقلب أسلوب الحياة الرتيب رأساً على عقب بالتركيز على الإنتاج الكثيف والعمل الأكثف والشركات العملاقة الهادفة للربح وما تبع ذلك من تغيير فى القيم والمفاهيم المترسخة، حيث تحول الناس للإهتمام بالمادة على حساب الروحانيات والحياة العائلية والتقاليد، ولعل من أقوى وأقسى الصور التى تلخص ذلك التحول هى صورة شخص يشكى همومه لطبيب نفسى يدفع له أجراً بالساعة بدلاً من أن يشكيها لأخ أو عم أو صديق

ولكن كان لذلك التغيير ما يبرره، ففى الماضى كان المرء يعتمد على عائلته وعشيرته لتوفير الحماية له، ويعتمد على أبنائه وأحفاده للإهتمام به عند الكِبَر، وعلى جيرانه وأصدقائه لتأدية خدمة له أو رد جميل أداه هو لهم سابقاً.. أما مع تعاظم السيطرة الصارمة للحكومات على مختلف نواحى الحياة فقد صار الأمان مقترناً بالشرطة وليس بالعشيرة أو الجيران، ومع إنتشار المؤسسات البنكية والتأمينية صار تأمين الدخل عند الكبر مقترن بالـمعاش وليس بعطف الأقارب، كما صارت المدخرات فى أمان فى المصرف بلا حاجة لصديق موثوق يحفظها عنده. ومؤخراً إنتفت الحاجة حتى لسؤال المعارف عن معلومة صحية أو تقنية يجهلها المرء إذ أمكن التوصل لها ولعشرة أمثالها خلال ثوانى معدودة من على الشبكة العنكبوتية. وباختصار فإن ما يُطلق عليها “مشاغل الحياة” التى تمنع الأهل والأصدقاء من السؤال على بعضهم البعض اليوم هى ذاتها التى كانت تجمعهم سوياً فى الماضى بل وتجبرهم على هذا الإحتماع جبراً لارتباط مصالحهم وبقاءهم به. وعلى مستوى الأسرة نجد أن معدلات الإنجاب قَلّت لأن الأمصال صارت تحمى الناس من الأوبئة الفتاكة، فلا طاعون ولا ملاريا يقضيان على نصف السكان كل بضعة عقود فلم يعد هناك حاجة ولا حتى إمكانية لكثرة الإنجاب، بل وصار الأطفال عبئاً لضرورة الإنفاق عليهم وتعليمهم حتى سن متأخرة كى يتمكنوا من المنافسة فى سوق حَلّت فيه الآلات محل البشر فندرت الوظائف

وهكذا نجد على قدر المزايا التى يوفرها أسلوب الحياة الحديث المنظم كالأمان والإستقرار والرفاهية المادية والعلمية إلا أنه بذلك يبيد أسلوب الحياة الإجتماعية التقليدية الدافىء ليحل محله نظام جديد بارد وصلب قوامه الفرد والإعتماد على النفس بدلاً من الجماعة والتعاون المتبادل

وقد ساهم فى تعجيل هذه العملية إبتعاد الأهل عن أطفالهم.. فقارن مثلاً بين طفل القرن الماضى الذى كان يتربى بين إخوته والعديد (ربما العشرات!) من أبناء أعمامه وأخواله بل وربما عاشوا جميعاً تحت سقف نفس المنزل الكبير أو نفس المزرعة، وهو يقضى الكثير من الوقت مع أمه التى تحكى له الحكايات التى حكتها لها أمها من قبل ثم يلتحق بصنعة أبيه أياً كانت ليعاونه ثم يحل محله.. وبين طفل اليوم الذى ينشأ مدللاً مع أخ أو أخت واحدة ولا يعلم الكثير عن أقاربه الذى لا يراهم إلا فى الأعياد والمناسبات الرسمية كالأفراح والخطوبات، بل هو لا يعلم الكثير حتى عن أمه التى قضى اليوم بطوله بعيداً عنها فى الحضانة لأنها إنهمكت فى العمل وعادت متعبة، ولا عن أبيه الذى يقضى جل وقت فراغه فى مشاهدة التلفاز والسهر خارج المنزل. من أين يستقى كل من الطفلين ثقافته ومفاهيمه؟ بالطبع يستقيها الأول من محيطه المقرب بلا أدنى فرصة لتسرب أى مفاهيم دخيلة عليه، أما الثانى فكان بديهياً أن يستقيها من خارج الأسرة لأنه لا علاقة له بالأسرة.. فيأخذها من المدرسة ثم الجامعة، ومن الأصدقاء، ومن الوسائل التى وفرها له أبواه طمعاً فى إسعاده كالإنترنت، وأخيراً من تفكيره المستقل بعيداً عن المؤثرات المجتمعية. وهكذا كان من البديهى أن يأخذ قراراته بعد ذلك الصغير منها والكبير بمعزل عن رأى هؤلاء الأهل معتبراً تدخلهم فى حياته وتدخله فى حياتهم شيئاً غير مرغوب وغير مقبول

وحتى بعدما كانت الأسرة تلتف لتشاهد برنامج تلفزيونى أسبوعى شيّق كالعلم والإيمان أو عالم الحيوان صار لكل فرد الآن تلفزيون أو كمبيوتر خاص به ليشاهد ما يريد وقتما يريد دون الحاجة للإختلاط مع الباقين.. ثم ترى الأهل يشتكون بعد ذلك من بُعد أبناءهم عنهم وعدم متّهم إليهم بِصلة ومعاملتهم لهم بطريقة مختلفة عما كانوا هم يعاملون آباءهم! فماذا كانوا يتوقعون؟ وكيف يكتسب الولد نفس قيم وأولويات جيل أبيه إن كان لا يكاد يراه ولا يعرف كيف يتكلم ويتعامل الأب مع أصدقائه؟ وكيف تتبنى الفتاة نفس مهارات ومبادىء أمها إن كانت لا تكاد تقضى أى وقت معها ولا تراها وهى تتكلم مع الخالة ومع الجدة؟ صار لكل منهم مقتنيات كثيرة فيحتاج لغرفة خاصة لوضعها بها بعيداً عن الآخرين، وصار لكل منهم هاتف خاص وسيارة خاصة بمعزل عن الباقين أبضاً فلم تعد هناك حاجة للإختلاط بهم والتعامل معهم

وليست مصادفة أن نجد التغير النفسى فى المجتمعات الحديثة يقترن  بتغير الظروف المادية لساكنيها.. فقارن بين هاتين المجموعتين من الظواهر:
1-زيادة الدخل والإستهلاك والترف، إنتشار الأجهزة والآلات الحديثة، زيادة الأعمار والرعاية الصحية، قلة الإنجاب، الإرتقاء بل والمبالغة فى التعليم، الإنفتاح على الثقافة واللغات والملابس الأجنبية، توغل المؤسسات المنظمة إلى كافة نواحى الحياة، سيادة الدولة والقانون

وبين..

2-قلة التراحم والتلاحم، إحتدام التنافس والتطاحن، طغيان القيم المادية والأنانية، إرتفاع الطموحات والتطلعات إلى درجات غير واقعية، قلة الرضا بالمتاح والمقارنة المستمرة بالغير، إنعدام الصبر والتخطيط طويل الأمد فى عصر السرعة، زيادة معدلات الإكتئاب والإنتحار، ذبلان الإنتماء وروح الجماعة، النفور من فكرة الحرب والتضحية، ضعف النشأة والوهن خاصة للبنين، إدمان الخمور والمخدرات، إرتفاع معدل الطلاق والتفكك الأسرى، العنوسة وتأخر الزواج، تقبل الإنفلات الجنسى والإباحية، تفشى الشذوذ والأمراض الجنسية، عمل ونفوذ وتحرر المرأة، البُعد أو الثورة على التقاليد المتوارثة، إنحسار الدين والأخلاق، التمرد وإرتفاع سقف المطالب وحرية التعبير ضد السُلطة بما فى ذلك للأطفال ضد الأب، وللموظفين ضد رب العمل، والبشر ضد الإله

..لتجد أن المجموعة الأولى دائماً ما تتسبب فى المجموعة الثانية بدرجة أو بأخرى. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تكون أكثر الدول والمناطق حفاظاً على تقاليدها وأعرافها هى الأفقر.. فنجد مثلاً الإلتزام بالتقاليد شديد الصرامة والأهمية فى اليمن والسودان والعراق وصعيد مصر والقرى الزراعية بصفة عامة، بينما نجده يهترىء وبصورة مخيفة فى لبنان ومدن مصر خاصة الشمالية وبين شباب دول الخليج بل وفى السعودية ذاتها معقل التقاليد الحصين لزخمها بالمال الذى يفتح الطريق للحداثة والمدنية

وكما هو متوقع، تحدث صدامات عديدة فى فترات التحول الإنتقالية، إذ أن الدولة المركزية عادةً ما تتبنى منهجاً معيناً يفوق أو يقل فى درجة حداثته تَقبُّل فئات كثيرة من الشعب (أو يفوق تقبل فئة ويقل عن تقبل أخرى) ثم تحاول فرضه على جميع تلك الفئات بالقوة عن طريق القوانين القديمة أو الحديثة، فُترمى الحكومة تارة بأنها مازالت تعيش فى العصر الحجرى وتارة أخرى بأنها باعت نفسها للشيطان وللغرب، ويندر أن نجد حكومة على درجة من النضج بحيث تستوعب أنها فى الحقيقة لا تحكم شعباً واحداً بل شعبين على الأقل، وأن لكل منهما معتقدات وأعراف وأسلوب حياة مختلف تمام الإختلاف عن الشعب الآخر.. ومن ثَم فإن محاولة إخضاعهما لنفس الإطار المعيشى يتسبب فى مشاكل وشعور بالظلم من أحد الطرفين إن لم يكن من كليهما

وبعد ذلك التأمل السريع لأسباب التغيّر يبقى لنا يا عزيزى القارىء أن نوازن ونفاضل بين الوضعين.. فجَنى ثمار الحياة المادية الحديثة مع الإحتفاظ بالقيم والمبادىء القديمة لهو ضرب من الخيال لا يمكن تحقيقه أبداً، إذ أن كل مساحة تُمنح لأحدها تقضم من مساحة الأخرى مباشرة. فالسؤال يصبح: هل نريد أن نحيا كأفراد أم كجماعات؟ هل نريد أن يكون لكل منا ماله ومنزله وغرفته ورأيه وحياته المستقلة على حساب الحياة الإجتماعية الدافئة، أم نريد أن نصبح خلية فى جسد مترابط على حساب حريتنا ورفاهيتنا؟ خياران كل منهما أصعب من الآخر. وصدق المثل.. ما فى حلاوة من غير نار!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted أكتوبر 26, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: