كيف يخنق التمدن التقاليد والأخلاق؟   Leave a comment

تخيل يا عزيزى القارىء أننا نعيش منذ مائة عام فى قرية ريفية صغيرة يعرف جميع سكانها بعضهم بعضاً بالإسم والمهنة والنسب. معظمهم يعملون بالزراعة، ولدينا حداد وطراز ودكانان يبيعان مختلف المستلزمات. كيف تكون أخلاق الناس فى هذه البيئة؟

بالطبع لا نحتاج للتفكير كثيراً لنعلم أنها ستكون مثالاً يحتذى به. وليس هذا ناجماً عن جينات سحرية تجرى فى عروق أهل القرية، فالأمر ببساطة أن كل شخص يعلم جيداً أن أعين الآخرين تراقبه وأن أى تصرف يقوم به حَسُن أم ساء لن يكون بمعزل عن أهله ومعارفه. ومن الأمثلة شديدة القوى التى توضح ذلك نجدها فى تقاليد كالثأر فى الصعيد.. حيث يتحمل الفرد السجن المؤبد كى لا يُقال عنه جباناُ، أو يتحمل إمكانية قتله فى أى لحظة لباقى عمره مقابل عدم قيامه بزيارة بسيطة يحمل فيها كفنه ويطلب فيها السماح من خصومه. إلى هذه الدرجة تصل قوة مبدأ “الشرف” والإهتمام بالسمعة وما يقوله الناس فى المجتمعات المنغلقة

والعكس صحيح تماماً بالنسبة للمدن الكبرى المزدحمة التى يُضرب بها المثل فى الإنفلات الأخلاقى والسلوكى. فما على ساكنيها لو أهانوا أو سبوا أو تشاجروا مع أحد الغرباء فى الشارع ماداموا لن يروه ثانية وليس بينهم وبينه أى تعامل ولا ارتباط؟ لكن الأمر لا يقتصر على البعد الإجتماعى فقط، بل له بعد اقتصادى صميم أيضاً..

لعل القارىء يكون قد سمع بحكاية الصحابى الشهير كعب بن مالك الذى تقاعس عن الخروج مع الرسول فى غزوة تبوك رغم قدرته على ذلك. كان عقاب الرسول لكعب هو أن فَرَض عليه حصاراً اجتماعياً شاملاً فلا يكلمه أحد حتى فى المسجد والسوق. هذا نموذج مثالى لما نتحدث عنه فى المجتمعات الصغيرة التى يعلم من بها بعضهم بعضاً، فكفى بالمسىء عقاباً ليس فقط ألا يكلمه أحد، بل ألا يبيع له ولا يشترى منه أحد. وقد تكرر نفس العقاب الإقتصادى هذا من قبل -على نطاق أوسع- عندما حوصر المسلمين فى شِعب أبى طالب مدة ثلاث سنوات عجاف حتى كادوا يموتون جوعاً بسبب امتناع المشركين عن التعامل التجارى معهم عقاباً لهم على ترك دينهم

والآن يا عزيزى القارىء حاول تخيّل نفس الموقف اليوم فى مجتمع متمدن يعيش فى عصر ما بعد الثورة الصناعية.. سيكون هذا محالاُ بالطبع! فلو حاولَت فئة فرض حصار اقتصادى على فئة أخرى اعتماداً على الإلتزام الاخلاقى فقط (بغير استخدام العنف كما فعلت أمريكا مع العراق وتفعل الآن مع إيران مثلاً) فلن تتأثر الفئة المحاصَرة بالمرة، إذ ستجد ألف تاجر وتاجر لا يكترثون بتلك الأخلاق يتعاملون معها بيعاً وشراءاً وبنفس الأسعار مما سيجبر الفئة المحاصِرة على التراجع، إذ أن حصارها سيعود عليها هى بالضرر بدلاً من الفئة المستهدَفة!

وهنا تكمن المشكلة

فى عالمنا الذى نحيا فيه اليوم لم يعد للمجتمع سلطان على الفرد تقريباً. هل يبدى لك الحلاق المتدين استياءه كلما ذهبت إله لأنك لا تمت للدين بصلة؟ لا مشكلة.. فهناك خمسة حلاقين آخرين بالمنطقة سيسعدهم جميعاً الحصول على زبون جديد. هل قرر البقال القريب منك مقاطعتك لخلاف وقع بينكما؟ لا مشكلة.. فهناك عشرة بقالين بنفس الشارع يتطلع كل منهم لبيع أقصى ما يمكن بيعه. هل قرر أصدقاءك مقاطعتك لسوء أخلاقك معهم؟ لا مشكلة.. ففى غضون أسبوع تكون قد كوّنت ضعف عدد الأصدقاء على الشبكة العنكبوتية. هل قررَت زوجتك الإنفصال لأنك لم تعد تلتفت إليها؟ مع ألف سلامة.. فأنت تخونها بالفعل مع فتاة أخرى تعرفت عليها الشهر الماضى فى حفل صاخب

وهكذا فكما يؤدى أسلوب حياتنا العصرى إلى ما يمكن تسميته قوة المستهلِك -أىْ عدم حَوجته لمصدر معين نظراً لتعدد المصادر- فهو يؤدى بالمقابل لضعف الضغط الإجتماعى وعدم اقدام الناس على مجرد التفكير فى إقامة حصار اجتماعى أو اقتصادى على شخص أو جماعة أو هيئة للعلم المسبق بوجود ألف بديل وبديل سيسعدهم التعامل مع ذلك الشخص أو تلك الجماعة أو الهيئة المحاصَرة بغض النظر عن الأخلاق والمبادىء

والآن يبقى السؤال.. هل هذا التغيير إيجابى أم سلبى؟ هل الأفراد أفضل حالاً فى المجتمعات البدائية الصغيرة أم المنفتحة الحديثة؟ ستختلف الإجابة بحسب أى طرف أنت فى المعادلة.. هل تتمسك بالتقاليد والأعراف والأديان؟ إذاً فهو تغيّر سلبى جداً إذ لم يعد بوسع المجتمع إجبار أفراده الثائرين ضد تلك القيم على التمسك بها. وبالمقابل فلو كنت ثائراً متشوقاً لخلق عالمك الخاص بعيداً عن فكر الآباء والأجداد فهو تغيّر إيجابى إذ يسمح لك بما كان محظوراً عليك من قبل

لكن المثير هو أن بداخل كلّ منا هذان الشخصان، فكل منا لديه قائمة بالأخلاق العريقة والحميدة التى يرى ضرورة استمرارها فى المجتمع وقائمة أخرى بالعيوب والسلبيات التى دائماً ما يجادل الناس على أهمية تغييرها كى نرتقى للأفضل. وهذا يعنى أن العصر الجديد سيكون للتميّز والإختلاف والفردية، إذ سيتمكن كل فرد من المجاهرة بما يراه مختلفاً مهما بَعُد عن وجهة النظر السائدة، بعدما خنقت يد الثورة الصناعة من جهة ثم يد ثورة الإتصالات من الجهة الأخرى عنق سلطان المجتمع على الفرد

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted نوفمبر 2, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: