أنانية الأخلاق   1 comment

نناقش اليوم سبب وجود الأخلاق عند الافراد والمجتمعات بتحليل فوائدها وأضرارها. وتعال أولاً نتفق يا عزيزى القارىء أن التمسك بالأخلاق لا فائدة منه ما لم يتمسك بها الآخرون.. فلو فرضنا جدلاً أنك فى مجتمع كله لصوص فلن يكون هناك معنى لأن تكون أميناً لأن هذا سيؤدى بك إلى إنعدام الموارد ثم الهلاك. إذاّ أول مشكلة تواجه الأخلاق هى أن تطبيقها جزئياً لا طائل من ورائه ومن ثَم فلابد من طريقة لإحكام تطبيقها على الجميع معاً مثل العرف أو القانون أو الدين

وينبنى على تلك المشكلة ملاحظة مثيرة، وهى أن الأخلاق التى يستحيل فرضها بشمولية على نطاقٍ ما لا توجد به أبداً. فمثلاً لا يمكن تطبيق قانون عالمى تسير عليه جميع الدول لغياب جهة تملك الرغبة والقدرة على ضمان تنفيذ هذا القانون على الجميع، ومن ثَم فنجد أن أبشع الجرائم تُرتكب فى حالات الحروب بين الأمم. وتفسير ذلك أنه فى حالة إقرار خُلُق بين أفراد مجتمعٍٍ ما تتحقق الإستفادة منه للجميع لأنه قائم على حمايتك من الآخرين مقابل حماية الآخرين منك وبالتالى توفرون جميعاً متاعب تأمين أنفسكم ضد بعضكم البعض، لكن هذا الوضع غير موجود فى حالة الحرب لأن المنتصر لا يخشى الأمة المهزومة.. فقد حاولت إيذاءه بكل الطرق الممكنة بالفعل وفشلت فى صد هجومه ومن ثَم فمن العبث إعطاء أفرادها أية حقوق (اللهم إلا بالقدر الذى يتجنب استفزازهم بلا داع مما قد يعود على المنتصر بالضرر). ولذا فعلى مر التاريخ دائماً ما كان يُنهب المهزومين بأقصى طريقة ممكنة بما فى ذلك استعباد أبناءهم وسبى نساءهم وهو تصرف لا يمكن تخيله بين أفراد نفس المجتمع الواحد لاحترامهم المبادىء الأخلاقية التى يلتزمون بها جميعاً فيما بينهم

إذاً فالمبادىء والأخلاق ليست مُطلقة، فأنا لن أسرقك مقابل ألا تسرقنى.. لكن إن ضمنتُ أنى سأسرقك وأنك لن تستطيع رد الإساءة فأسرقك بكل تأكيد وبلا تردد. وهذه القاعدة تتجلى ليس فقط فى العلاقات بين الدول التى قلما تعتدى القوية منها على بعضها البعض مقابل تكالبها على الضعيفة، لكن أيضاً فى العلاقة بين الإنسان والحيوان.. فالحيوانات فى إطار علاقتها بالإنسان بلا أية حقوق حتى أننا نسجنها ونقتلها ونأكلها بلا إنكار ولا اعتراض من أحد تقريباً. وسبَب ذلك ببساطة أن الحيوانات لن تستطيع رد الإساءة إلينا أبداً ومن ثَم فلا جدوى من الإمتناع عن إستغلالهم بأقصى وأقسى الدرجات بما فى ذلك إجراء تجارب علمية عليهم وتقطيعهم وتشريحهم وهم أحياء. ومِن الجهة المقابلة فكلما زادت قدرة “الآخر” على رد الإساءة كلما كان المتعاملون معه أكثر تمسكاً بالأخلاق فيما بينهم وبينه، وكلما كان الإخلال بتلك الأخلاق مستهجناً ليس فقط عند الناس بل وعند فاعله نفسه مما يعود عليه بتأنيب الضمير ولوم النفس إن خالفها خوفاً من تبعات هذه المخالفة

عنصر آخر يترتب عليه مدى أهمية الإلتزام بالأخلاق هو قدْر المصالح المشتركة بين الأطراف المعنية.. ولذا فينظر الناس إلى من يسرق أباه مثلاً نظرة أسوأ من نظرتهم لمن يسرق الغريب رغم أن فكرة السرقة واحدة وضررها واحد، لكنهم يفكرون ضمنياً بأن سارق أباه خرق العرف الناص على عدم  الاعتداء على من تربطك بهم مصالح مشتركة وبينك وبينهم عقد إجتماعى وثيق أكثر مما خرقه سارق الغريب. وهنا تستوقفنا ملاحظة مثيرة وهى ثقة الناس فى الآخرين لمجرد معرفتهم منذ زمن طويل.. فهل تعنى معرفتى لك منذ عام مثلاً أنك أكثر أمانة من الذى قابلته تواً؟ بالطبع لا، لكن لأنك تعرفنى منذ عام فسيقل إحتمال غدرك بى لأنك “تستخسر إضاعة استثمارك” معى لهذا العام، لكنك قد تغدر بمن عرفته تواً بلا مشاكل! الموضوع ليس أمانتك بصفة عامة إذاً لكنها أمانتك النسبية معى، وزيادة ثقتنا فى الأفراد لا لشىء إلا لمعرفتنا إياهم لفترات أطول دليل عملى على وجود هذه الأمانة النسبية. والعكس صحيح فكلما بَعُد الغريب كلما تُقبلت فكرة إيذاءه.. حتى نجد أن نهب العدو المنتمى لأمة أو طائفة مختلفة بل وقتله يُعتبر عملاً بطولياً يستحق صاحبه التقدير والثناء والجوائز والنياشين من أقرانه

ويعكس الدين معظم ما سبق ذكره.. فكل الأديان تقريباً تحث أتباعها على حُسن معاملة المنتمين لنفس الدين، وتحثهم فى ذات الوقت على الاستبسال فى مواجهة أعداء ذات الدين، وتختلف توصياتها فى مدى حُسن أو سوء معاملة الآخرين غير المحاربين بحسب رغبتها فى إدخالهم للدين. فلأن اليهودية مثلاً لا تحاول الإنتشار بين غير العبرانيين نجدها لا تشجع اليهود على حسن معاملة الآخرين إطلاقاً بل تشجعهم على استغلالهم بقدر الإمكان، بعكس الإسلام والمسيحية الرامين للتوسع والإنتشار العددى. وتفرض الأديانُ بصفة خاصة الأخلاقَ التى يَصعب على الحاكم فرضها جبرياً كحُسن معاملة الآباء (وهو تشريع ضرورى لتشجيع الأفراد على التناسل مما يُكثر من أتباع الدين) من خلال وعد أتباعها بثواب فردى أو تَوَعّدهم بعقاب فردى يطالهم بعد الموت إن أخلوا بهذه التوصيات، وهكذا يكون لدى الفرد فى المجتمع المتدين حافزاً إضافياً للإلتزام بمنظومة الأخلاق التى تحقق أكبر نفع لمجتمعه إلى جانب حافز الظفْر بالمكانة والتقدير بين الناس

وهكذا نجد أن الأخلاق ليست مطلقة بأى حال من الأحوال، وأن واجبية تطبيقها على الآخرين تختلف بقدر ما ينتفع صاحبها من هذا التطبيق. والعكس أيضاً صحيح، فتطبيقها على من لا يعود تطبيقها عليهم بالنفع كالأعداء يُنْزل من مكانة المرء الإجتماعية بين أقرانه ويتسبب بوصفه بالتخاذل والسلبية لرفضه إيذاء مَن ينتفع مجتمعه من إيذائهم. وباختصار فالأخلاق النابعة من تشريعاتنا وأعرافنا بل ومن ضمائرنا لا تغدو عن كونها آلية أنانية ونفعية بحتة تساعدنا على البقاء

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted نوفمبر 12, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

One response to “أنانية الأخلاق

Subscribe to comments with RSS.

  1. فعلاً ….. ابسط مثال اركب ميكروباص ويكون السائق يعرفك هتتحايل عليه عشان ياخد اﻻجرة …… اما بقا لو ميعرفكش يبقى يوم مش هايعدى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: