الفرد أم الجماعة؟   2 تعليقان

هل للحكومة إخضاع الأطفال لمنهج تعليمى معين لا يوافق عليه الأهل؟
وهل من حق الشرطة التصنت على المواطنين منعاً للجرائم؟
وهل من حق الدولة مصادرة أرض إنسان للمصلحة العامة؟
وهل يجب على الثرى المجتهد مشاركة أمواله مع الفقراء؟
وهل من حق الفرد انتقاد الدين السائد أو الرموز المقدسة؟
وهل لنا أن نعذب حيواناً من أجل تطوير عقاقير تنفعنا؟
وهل من حق الدولة إجبار الأفراد على التجنيد؟
وهل يجب عقاب قاتل طفل بقتله ، أم بقتل ابنه؟
وهل الزنى والدعارة والشذوذ من حق الناس؟
وهل من حق المجتمع تحديد عدد الزوجات؟
وهل من حق الحكومة تقييد سن الزواج؟
وهل من حق الرجل ضرب زوجته؟
وهل من حق الأم ضرب طفلها؟
وهل من حقى تناول المخدرات؟

هذه الأسئلة يا عزيزى القارىء -و غيرها الكثير- اختلفت ومازالت تختلف عليها المجتمعات الإنسانية الحائرة فى تعريف الصواب والخطأ على مر الأزمان والأماكن. لكن لعلك لاحظت أنها على كثرتها يمكن تقسيمها تحت تصنيفين فقط.. وهما الفردية والجماعية. فلو فرضنا وجود مجتمع فردى صِرف -وهو مثال غير موجود فى الحقيقة- فسيسمح هذا المجتمع لأفراده بتناول المخدرات مثلاً باعتبارها حرية شخصية، ولن يسمح بمصادرة أرض من مالكها مهما كانت ضرورية لإقامة مشروع هام لكافة المجتمع كسد هام أو محطة نووية، ولن يسمح للأغلبية بفرض قيود جنسية على الأقلية أياً كان شكلها، وسيضع قيوداً جمة على طريقة تعامل الأهل مع أطفالهم تقديراً لفردية هؤلاء الأطفال فلن يعتبرهم جزءاً من كل، كما سيسمح للأهل بتعليم أطفالهم أى مبادىء وأى مناهج تعليمية وأى أديان تروق لهم -أو عدم تعليمهم بالمرة- باعتبارهم أحرار وأنه ليس للمجتمع إجبارهم على تبنى خط معين. أما مسائل مثل التجنيد الإجبارى وتجريم الدعارة فخارج المناقشة تماماً.. فهذا تعدى سافر على حقوق الفرد لصالح الجماعة.

وعلى الجانب الآخر فلو فرضنا وجود مجتمع جماعى صِرف -وهو أيضاً مثال غير موجود فى الحقيقة- فسنلحظ أن جميع القرارات والقوانين والسياسات ستتجه فيه لصالح الأغلبية -أو ما تقرر الفئة الحاكمة أنه صالح الأغلبية- ولو كان على حساب الأقلية. فلن يسمح هكذا مجتمع بالشذوذ الجنسى مثلاً لأن أغلب أفراده يشمئزون من هذا السلوك، ولن يسمح بالتعرض للمعتقدات الدينية السائدة لأن أغلب أفراده يقدسونها ويبجلونها، وسيعاقب قاتل الطفل بقتل طفله وليس بقتله هو باعتبار ابن القاتل ليس شخصاً مستقلاً بل هو امتداد لأسرته (نلاحظ هذا فى الصعيد مثلاً)، أما عن تقييد عدد الزوجات وسِن الزواج فلن يرى هذا المجتمع مشكلة فيه باعتبار الدولة تعرف ما يصلح للأفراد أكثر منهم فلها أن تحدد الإطار الإجتماعى المناسب لهم. وبالنسبة لحق الرجل فى ضرب زوجته فستحدد الفئة الحاكمة أنه إما جائز وإما غير جائز ثم تُلزم جميع الأسر بقرارها فلن تترك لكل زوجين مرونة الإتفاق على شروطه فى عقد زواجهما مثلاً، وسيتبع ذلك كافة شروط الزواج والطلاق التى ستتقرَّر مركزياً دون إعتبار لاختلاف الحالات الفردية. ولا مجال للحديث فى المجتمع الجماعى عن شىء مثل حقوق الحيوان، فهى تمثل تمادياً للنظام الفردى الذى يصل لإحترام ليس فقط حق الإنسان بل وحق المخلوقات الأخرى فى الحياة الكريمة حتى وإن تعارض ذلك مع صالح الجماعة.

أما عن أسباب إنحياز أى مجتمع لأحد المنهجين على حساب الآخر فهى متنوعة. أولها ولعله أهمها هو كَمّ الفارق بين مستوى إدراك النخبة والعوام. فإن قرأْت على سبيل المثال لكبار الفلاسفة الذين عاشوا منذ آلاف السنين كأفلاطون وسقراط ستلحظ سريعاً أن أقصى حد ممكن لذكاء الإنسان لم يتغيّر منذ وقتها وحتى اليوم، لكن ما تغيّر هو اقتراب نسبة أكبر من أفراد المجتمع من هذا الحد بسبب ما أتيح لهم من وسائل العلم والمعرفة -أدوات بناء الفكر- بعدما كانت حكراً على النخبة فقط كأفلاطون وسقراط فى زمنهما. وبالتالى فكلما زاد ذكاء وإدراك الفرد العادى فى أى مجتمع كلما صَعُب على فئة النخبة صياغة قوانين وأفكار تُلزمه وتحكمه لتلاشى الفارق بينه وبين النخبة باستمرار مما يدفع العامة لرفض الوصاية عليهم، ويتبلور هذا فى الديمقراطية واللبرالية على سبيل المثال. ويُضرب المثل المناقض لهذا بأوربا الإقطاعية فى العصور الوسطى.. حيث أدى تفشى الجهل المدقع لخلق طبقة ضيقة من المثقفين تكونّت من النبلاء ورجال الكنيسة، سمح لهم علمهم وذكاءهم بالتحكم المطلق فى القطاع الأوسع من الشعب الأمّىّ. إذاً فزيادة الوعى تقود لمجتمع أكثر فردية صعب القيادة كثير التمرد قليل الولاء والعكس صحيح.

كذلك نجد أن المجتمعات الفقيرة والتى واجهت تحديات تاريخية كثيرة كالحروب والكوارث أقل تقبلاً للأفكار الغريبة عنها نظراً لضيق صدر أهلها بمشاغل الحياة بعكس المجتمعات الثرية المترفة التى لا تمانع التجديد والتطوير والتغيير، ولذا فإن تأملنا الخارطة سنلحظ إلى حد كبير أنه كلما زاد ثراء دولة من الدول أو حتى مجتمع صغير داخل دولة أن حق الفرد وخصوصيته وحريته يعلو على حق المجتمع ومصلحته فيه. وأحد تفسيرات ذلك أن البشر يميلون فى أوقات الأزمات الطاحنة والحروب الحاسمة والتنمية الشاملة للخيارات الجماعية، ولذا فكان طبيعياً أن نجد أقسى المستبدين وأقلهم اعتباراً لحقوق الإنسان هم فى ذات الوقت أبرع التنمويين والنهضويين. فقادة مثل محمد على وستالين وهتلر وماو تسي تنج وعبد الناصر وصدام حسين تقشعر الآذان لسماع أسماءهم لاستبدادهم وما ارتكبوه بحق شعوبهم من جرائم، لكن ألسنة هذه الآذان المقشعرة لا تملك -فى ذات الوقت- إلا الإعتراف بكون هؤلاء العتاة أكثر القادة إلهاماً وحماساً وبصيرة وتنظيماً لأممهم فى أوقات الشدة، وأنهم إبان فترات صعودهم نجحوا فى الفوز بصبر الجميع على ما يلاقوه من أذاهم مقابل النجاحات والإنجازات المبهرة التى رأوها تتحقق للجماعة حتى وإن كانت على حساب الفرد المطحون. إذاً فالقيادة الجماعية تؤدى لتقدم المجتمع من الناحية المادية مع كبت أفراده نفسياً. ويمكن تشبيه هذا النوع من القيادة بقيادة العقل للجسد تماماً.. ففى لحظات الإسترخاء لا ينتبه المرء لوضع يده أو قدمه أو اتجاه عينه، بينما فى حالة وجود تهديد أو تحفيز عال كمواجهة مع لص أو أداء تمرين رياضى شاق أو الإستعداد لإمتحان هام تكون كل خطوة محسوبة وكل حركة تحت السيطرة والرقابة. ولعل هذا يفسر سبب افتعال الحكومات فى كثير من الأحيان لأزمة أو حرب أو تهديد (قد يكون تهديداً وهمياً ومبهماً كـ”الإرهاب” مثلاً) لتمنح نفسها صلاحيات أوسع دون التعرض لانتقاد الجماهير.

عامل ثالث يفسر إنحياز بعض المجتمعات للصيغة الفردية على حساب الجماعية هو التنوع الكبير بين سكانها.. فبلد متعدد الأعراق والاجناس والأديان كالولايات المتحدة أو لبنان مثلاً يصعب تبنيه لنظام أقرب للجماعية التى تفرض سيطرتها على الباقين وإلا نشبت منازعات داخلية لا تنتهى، بينما يصعب تبنى بلداً يكاد يكون سكانه متطابقون طائفياً كالكويت لنظام أقرب للفردية لأن أهله شديدو التقارب فى الأفكار والمعتقدات فيرفضون ما يشذ عنهم بقوة. وهناك عوامل أخرى متنوعة كالطبيعة الجغرافية تحدثنا عنها فى مقال سابق.

ويمثل الدين نموذجاً بين المجتمع الفردى والجماعى  يُعتبر فى رأى الكثيرين الحَكم الفصل بينهما بموجب ضمانه حقوقاً معينة للأفراد مقابل ضمان سلطة معينة للمجتمع أو للقائد على هؤلاء الأفراد، لكننا نجد أن النصوص الدينية أياً كانت لا تفْرق كثيراً عند التطبيق العملى لتفسير القيادة والنخبة لها بحسب ما تراه صواباً وخطأً. وعلى سبيل المثال فقد استندت الحكومة المصرية إبان حقبة ناصر على كون الإسلام “دين الرحمة التكافل” لتبرير الأجندة الإشتراكية الجماعية، بينما إستندت إبان حقبة السادات على كونه “دين الحرية والإجتهاد فى العمل” لتبرير الأجندة الرأسمالية الفردية. وتكررت أزمة شبيهة بين الفقهاء والدعاة فى بداية الثورة المصرية قبل ظهور نجاحها، إذ رأى فريق منهم وجوب “الإنتفاض ضد الظلم” بينما رأى آخر تحريم “إثارة الفتنة” بحسب تفسير كل مجتهد للنصوص الدينية وميله الشخصى للتجديد أو للإستقرار.

وبطبيعة الحال فإن لكلٍ نظام -الفردى والجماعى- مميزات وعيوب وأوقات ومجالات مناسبة وغير مناسبة. ونحن إذ نشرح الفوارق بين النظامين لا نحاول الإنحياز لأحدهما على حساب الآخر، بل نلفت نظر القارىء لبعض النقاط الهامة فى أسباب تكوينهما وتبنيهما وأمثلة تطبيقهما لتعينه هو على الإنحياز لأحدهما فى هذه المرحلة الفاصلة التى نؤسس فيها مجتمعنا الجديد.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted نوفمبر 18, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

2 responses to “الفرد أم الجماعة؟

Subscribe to comments with RSS.

  1. التنبيهات: كيف تؤثر العوامل الجغرافية على الطبيعة السياسية والدينية والسلوكية للشعوب؟ | «أَبْصِرْ» - مدونة حسام حربى

  2. بتفكرنى بالدكتور مصطفى محمود …… (كلام جميل كلام معقول مقدرش اقول حاجة عنه )

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: