انطباق قاعدة البقاء للأقوى.. على المبادىء!   Leave a comment

تتصارع المبادىء كما تتصارع المخلوقات تماما

ناقشنا فى المقال السابق تصنيف المبادىء بين الفردية والجماعية، وقلنا أن المجتمع يميل بسبب ظروف معينة للإنحياز لأحد النموذجين على حساب الآخر. لكننا نناقش اليوم أسباباً أكثر موضوعية لتفضيل الأمم لبعض المبادىء على بعضها الآخر، وهما سببان رئيسيان: أولهما هو كفاءة هذا المبدأ، وثانيهما هو انتصار حامله على الآخرين. وسنضرب أمثلة لهذا وذاك، لكن دعونا نبدأ بالحديث حول مسألة لا يبدو أن لها علاقة بموضوعنا وهى نظرية التطور لدارون..

تقول نظرية التطور أن هناك تغييرات عشوائية تتعرض لها المخلوقات الحية مما يمنحها ميزة أو عيب. فمثلاً إن وُلد أرنب أسرع من الأرانب الأخرى فسيتمكن من الهرب من الثعالب مما يمنحه فرصة أكبر للتكاثر وإنجاب أرانب سريعة مثله، وبالتالى فبعد مائة عام مثلاً ستكون كل الأرانب فى الغابة من سلالة هذا الأرنب وسريعة مثله لأن الآخرين سيكون قد تم افتراسهم، والعكس صحيح بالنسبة لأرنب يولد بطيئاً، فسيؤكل فوراً وبالتالى لن يكون له نسل. وهكذا فدائماً الصفة الناجحة الجديدة تسود بينما تندثر الصفة الفاشلة. ورغم وجود مآخذ كثيرة على هذه النظرية من الناحية العلمية والعملية إلا أننا نرى آلياتها فيما يتعلق بالمجتمعات الإنسانية والمبادىء التى تتبناها. كيف ذلك؟

تخيل يا عزيزى القارىء مجتمعان قديمان يتناطحان على الصراع والنفوذ، تارة تكون الغلبة لهذا وتارة تكون لذاك. ثم أدت ظروف عشوائية -أو مخططة- لتبنى أحدهما لفكرة “الدين” مثلاً، أى أن أفراده صاروا يؤمنون بمجموعة من الغيبيات ويلتزمون بمجموعة من الطقوس بينما لا يلتزم المجتمع الآخر بها.. ماذا تكون النتيجة؟

هنا يحدد مجموع الإيجابيات والسلبيات لعنصر “الدين” الجديد مدى استفادة أو تضرر المجتمع الذى تبناه منه.. فلو شملت الطقوس الدينية الصلاة والصيام مثلاً فضلاً عن قعود القائمون على هذه الطقوس عن العمل المنتج فهذه بالتأكيد عناصر ضعف ستعيق تفوق المجتمع المتدين على منافسِه. لكن ماذا لو أضاف الدين أيضاً معتقَداً لتابعيه بأنهم سيعذَّبون فى نار بعد موتهم لو سرقوا الآخرين أو خانوا الأمانة وسيتجنبونها لو تصدقوا على الفقراء؟ هذا عنصر قوة يؤدى لتقليل الجريمة وزيادة كفاءة العمل وإثراء أواصر الترابط فى المجتمع. وماذا أيضاً لو قال لهم هذا الدين أنهم سيذهبون لِجَنّة لو قُتلوا أثناء محاربة أعداءهم ببسالة شريطة ألا يشتبكوا مع عدد يزيد على ضعف عددهم؟ هذا بالتأكيد عنصر قوة آخر رهيب لصالح هذا المجتمع ضد أعداءه (فى العصور التى كانت تدور فيها الحروب رجلاً لرجل). إذاً فالدين الجديد أضاف للمجتمع الذى تبناه عناصر قوة وعناصر ضعف.. أيهما كان أكثر تأثيراً؟ لنقل أنها عناصر القوة..

وهكذا يؤدى هذا الدين فعلاً لانتصار المجتمع المتدين على المجتمع الغير المتدين، ماذا تكون النتيحة على المدى البعيد؟ النتيجة الحتمية بعد مرور وقت كاف هو سواد التدين فى كافة أنحاء المعمورة.. وذلك لأن باقى المجتمعات الإنسانية إما أن تخضع للمجتمع المتدين حين يهزمها فى الحروب واحداً تلو الآخر فتحذو حذوه عن قهر، وإما أن تنبهر بنجاحه فتستخدم نفس السلاح “دين تكافلى داخلياً وعسكرى خارجياً” فى مواجهته فتكون أدياناً ضد أديان. وكما فى مثال الأرنب السريع الذى يتفوق على الأرانب الأخرى فى الغابة حتى يسود نسله، فتلك “الطفرة” الدينية تتفوق على اللادينية حتى تسود مبادئها. أما فى حالة وجود دين يمنع أتباعه من القتال ويشجعهم على حب الأعداء مثلاً فمصير هذا الدين إما إلى الإنقراض بموت المؤمنين به (أو غزوهم واستعبادهم) وإما بتأقلمه وتحريفه على يد قياداته ومفكريه ليناسب الواقع الجديد بمنح البركات والغفران والجنات للمحاربين بعدما كان يلعنهم

وهناك أمثلة عملية كثيرة مشابهة.. فتبنى بعض المجتمعات لفكرة الدولة بدلاً من فكرة القبيلة مثلاً أدى لانتصارها فى الحروب، وبهذا صار معظم البشر اليوم ينتمون لدول وليس لقبائل. ليس لأن ثمة عيباً فى نظام القبيلة فى حد ذاته، لكن لأن الدولة تهزم القبيلة عند الصراع بينهما، ولذا فالقبائل إما أن تنطوى تحت لواء دولة منتصرة تلتهمها وإما أن تتحد طواعية فيما بينها لتكوّن دولة أخرى تتصدى لطغيان الدول المجاورة. وبالتالى فكما ينقرض الأرنب البطىء لعجزه عن التنافس مع السريع، ينقرض نظام القبيلة لعجزه عن التنافس مع نظام الدولة. ولنفس السبب فالمرحلة التى تلى نظام الدولة والتى نعيشها اليوم هى مرحلة التكتلات الإقليمية كالولايات المتحدة أو الإتحاد الأوربى أو شرق آسيا. فالدول اليوم أمام أحد خيارين: إما الإنطواء تحت لواء تكتل إقليمى مجاور طواعية، وإما التعرض للغزو من قِبَل التكتلات القائمة (الغزو قد يكون عسكرى أو سياسى أو اقتصادى أو فكرى)، ولذا فإن تأملت الخارطة اليوم فلن تجد أى دولة صغيرة مستقلة فعلياً اللهم إلا إن كانت هامشية بلا موارد يُطمَع فيها، بل ستجد تكتلات عملاقة قائمة على تعاون طوعى أو قهرى

مثال آخر هو تبنى كل المجتمعات البشرية تقريباً لنوع من الإنغلاق الجنسى منذ فجر التاريخ، فالمجتمعات التى لم تلتزم بذلك قد أبيدت على الأرجح بسبب الأمراض الجنسية التى ما أن يلتقطها أحد أفرادها بأى طريقة من الطرق حتى تقضى على سائر القبيلة أو الحضارة، بينما نجت من خطرها المجتمعات المحافِظة التى انتشر فكرها بسبب ذلك جميع أنحاء المعمورة حتى اختراع الأدوات الواقية من تلك الأمراض فى القرن العشرين. ويتبع فكرة الإنغلاق الجنسى وضع قيوداً صارمة على الطلاق والزواج الثانى لأنه يؤدى لنفس تأثير الزنا من الناحية المَرَضية

وقس على هذه الأمثلة أى مبدأ يساعد متبنيه على الإنتصار العسكرى والثقافى.. فنجد مثلاً أن مبدأ تكثيف البحث العلمى -خاصة العسكرى- وتوليته اهتماماً وتمويلاً كبيراً مع فجْر الثورة الصناعية فى بداية القرن الثامن عشر، ومبدأ الديمقراطية المتمثل فى اختيار الشعب للحاكم ومحاسبته فى منتصف القرن التاسع عشر، ومن قبلهما التوسع فى المؤسسات التى لا تموت بموت أصحابها (كالجامعات والشركات الشبيهة بالأوقاف عندنا) والممتدة جذورها منذ القرن الثالث عشر كانت ثلاثتها أسباباً لتفوق الغرب على المسلمين مما أدى فى نهاية المطاف لانهيار الخلافة الإسلامية وبزوغ شمس الإستعمار الأوربى ووريثه الأمريكى. وبهذا وجدت الدول المسلمة نفسها على مدار القرنين الماضيين وحتى اليوم بين خيارين لا ثالث لهما: إما تبنّى نفس المبادىء، وإما الخضوع لسيطرة الدول التى تتبناها

إذاً فأول سبب لهمينة أحد المبادىء فى العالم هو تسببه فى انتصار صاحبه على الآخرين. والآن نناقش السبب الثانى.. وهو انتصار صاحبه دون أن يكون ذلك المبدأ مفيداً فى حد ذاته. ولهذا سنضرب مثالاً..

تخيل يا عزيزى القارىء مجتمَعاً يتخلص من الأطفال المعاقين ذهنياً مثل اسبرطة القديمة أو ألمانيا النازية. لا يجادل أحد بأن هذه الفكرة أكفأ اقتصادياً حيث توفر على المجتمع موارد إطعام ورعاية مخلوقات أقل إنتاجاً من أقرانها، فما الذى منع تبنيها على مستوى العالم؟ التاريخ يجيبنا!

نجد أن إسبرطة قضى عليها القوط والسلافيين، وألمانيا النازية قضى عليها الحلفاء. بينما لو كان العكس هو الذى حدث لكنا رأينا هذا النظام ينتشر فى كافة أنحاء المعمورة اليوم باعتباره طبيعياً بل وإنسانياً (من حيث تجنيب المعاق آلام الحياة وتجنيب أهله المعاناة الدائمة إلخ)، ولتعرضت الدول التى تمتنع عن تطبيقه لضغوط خارجية وداخلية حتى تلتزم به. وهكذا نجد أن هذا المبدأ تم إقراره عالمياً بناءاً على الظروف العسكرية المحظوظة لمن تبنوه، فبالرغم من كونه أكفأ إلا أن انهزام حاضنيه أدى لانهزامه معهم. أما تبريرات عدم تبنيه لاحقاً فلا تهم.. فلن تجد ألمانياً يبرر عدم تبنى بلده اليوم لتلك الفكرة بانهزام النازية، بل سيقول لك أنهم اكتشفوا فجأة سنة 1945 أنه نظام غير رحيم أو سيقول أنه من الممكن تدريبهم ذهنياً حتى يكونوا كالأسوياء أو أى حجة أخرى. لكننا نعرف أن الرحمة وإمكانية التدريب (الذى يتكلف أكثر مما ينتجه المعاق بكثير!) لا علاقة لهما بالموضوع، بل إن انتصار أو انهزام حاضن هذا المبدأ فى الحرب هو الذى يحدد كونه “صواباً” أو “خطأً” ثم تأتى التبريرات لاحقاً لتسبغ تفسيراً فكرياً مفتعلاً على الأمر الواقع

نأتى الآن لآخر وأهم سؤال.. وهو ماذا نستفيد مِن تلك المشاهدات عملياً؟

وفى الحقيقة أننا نجد الكثيرين اليوم سواءاً من الشباب أو من قادة المجتمع ومفكريه يخلطون بين العنصرَين المؤديين لتفوّق المبادىء. فلو كان الغربيون انتصروا علينا بسبب تبنيهم للبحث العلمى والتصنيع الكثيف والمؤسساتية والديمقراطية فهذا لا يعنى تلقائياً أن انتصارهم يرجع أيضاً لتبنيهم لأى مبداً آخر كطريقتهم فى إدارة الاقتصاد أو التشريع العقابى أو هيكل الأسرة أو أسلوب التعليم، بل صادف فقط أنهم حدث أن تبنوا هذه النظم أثناء تبنيهم لعناصر تفوقهم. بل وبالعكس.. فربما تكون بعض تلك المبادىء تجرّهم للوراء، لكن بسبب قوة المبادىء الأخرى التى تدفعهم للأمام بقوة فالمحصلة النهائية تكون انتصارهم على الأمم التى لم تتبنى هذا ولا ذاك. وكدليل تاريخى على ذلك فنجد أن الغرب تبَنّى معظم المبادىء المشار إليها فى حقبة لاحقة لنجاح الإستعمار، أى أنها لم تساهم فى نجاحه وتفوقه بل جاءت تتويجاً لهذا النجاح لاحقاً، تماماً كالفتاة الحسناء التى تبدو جميلة فى أى ثوب مهما قَبُح. وتقليدنا لهم فى تلك المجالات بهدف اللحاق بهم أشبه بمن يدخن المارلبورو ويأكل الماكدولدز ليتمكن من تصنيع سيارة فورد

وبالطبع نُحذر كارهى الغرب من اتباع السياسة العكسية.. حيث يدفعهم خوفهم من الإنجراف فى تياره إلى رفض كل ما أتى به مما يوقعهم فى نفس مشكلة الفريق الأول بوضع كل مبادئه فى سلة واحدة

ما نتعلمه من كل هذا إذاً هو قيمة الإنتقاء.. فليس معنى تبنى أمة منتصرة لحزمة مبادىء معينة أن ننبهر بها وننقلها بحذافيرها أولاً عن آخر، بل علينا إختيار ما ساهم مِن تلك المبادىء فى ارتقائها فقط -وبالطريقة التى تناسب ظروفنا المميزة- وترك الباقى. وكلما ازدادت مرونتنا فيما نأخذ ونترك كلما تمكنا من تحقيق أفضل النتائج بأقل الخسائر

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted نوفمبر 25, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: