حافظ مش فاهم.. المبالغة فى المبادىء النبيلة تخلق أصناما فكرية   5 تعليقات

أحد أهم الفوارق المميِّزة للإنسان عن سائر المخلوقات هى قدرته على سَن قواعد معقدة تحكم سلوكه. والمقصود هنا بـ”معقدة” أنها ليست فطرية ولا بديهية، فلا يمكن تخيّل قيام الحيوان ولا حتى قيام طفل بها إلا إن رأى الكبار يفعلونها فيقلدهم. فمثلاً إن قررْت المواظبة على نظام تخسيس فستبدأ بالنفور بشدة من الحلوى لدرجة رفضك لملعقة سكر صغيرة توضَع فى كوب الشاى. أنت تعلم عقلياً أن تلك الملعقة لن تزيد من وزنك، لكنك برمجت نفسك على تجنب أى سكريات كى لا تضطر لأخْذ قرار جديد كلما سنحت لك فرصة تناولها مما يهدد بانهيار نظام التخسيس. كذا فى حالة قراءتك عن ضرر المضادات الحيوية مثلاً.. قد تبرمج نفسك على عدم أخذها مهما بلغ بك المرض والألم.

وتأخذ هذه البرمجة صوراً شتى فى مختلف المجالات على مستوى الأفراد والجماعات مما يساعد فى تبسيط الحياة، ففى الغرب مثلاً عندما تكون الإشارة حمراء لا يُسمح للسائق بالمرور حتى لو كان الشارع المقابل خالياً من السيارات والمارة. وهذا قانون جيّد لاستحالة وضْع شُرطى عند كل تقاطع ولذا وضعوا قاعدة موحدة -يعترفون بنقصها- لكنها فى المُجمل تنفع أكثر مما تضر. لكن المشاكل تبدأ يا عزيزى القارىء عند التمادى فى وضْع القواعد على مستوى العقل البشرى (وليس على مستوى التطبيقات العملية كإشارات المرور)، فتغدو بعض تلك القواعد مبادىء مقدسة لا يمكن المساس بها وتعلو فوق كل شىء مهما بلغت أهميته وقويت حجته. ولنضرب على ذلك مثالاً..

فى أواخر العام الماضى قامت اشتباكات بين معتصمى مجلس الوزراء وقوات من الجيش احترق أثناءها المجمع العلمى الذى بناه نابليون وهو ما أفقدنا كتباً أثرية نادرة لا تعوّض بثمن، وكانت الشبهات تدور حول بعض أطفال الشوارع والذين تم تصويرهم يقومون بإشعاله. تم توجيه إتهامات عديدة لأصابع خفية ما بين جهات داخلية وخارجية كان لها مصلحة فى توجيه الأحداث وتصعيد الموقف بما فى ذلك قتل المتظاهرين بهدف توريط الجيش. وفى حديثى اليوم سأعرض تماماً عن التحليل السياسى للواقعة من أجل تسليط الضوء على نموذج مرعب لحالة التقديس والمبالغة التى نتحدث عنها. فما حدث كان اعتقال بعض هؤلاء الأطفال واستجوابهم بخصوص الواقف وراء الجريمة والتمويل ثم تم عرض شهاداتهم فى التلفزيون. وسنتأمل فى السطور التالية رد فعل شبكتَى حقوق إنسان:

“أدانت الشبكة العربية عرض فيديوهات لبعض الأطفال القصر كشهود، بما يشكل انتهاكا لحقهم فى حرمة الحياة الخاصة والحماية التى يجب أن يتمتع بها الأطفال ضحايا الجريمة والشهود عليها أثناء التحقيقات. وذكرت الشبكة العربية أنه كان من الأولى بالسلطات احترام المبادئ التوجيهية للمجلس الاقتصادى وأدنى معايير حقوق الطفل العالمية فى حماية المعلومات المتعلقة بمشاركة الأطفال فى تحقيق العدالة، حيث كان يجب عليهم بذل جهد فى عدم الكشف عن هويتهم لما قد يشكله هذا من أضرار نفسية ومعنوية تهدد مستقبل القُصر وحالتهم النفسية على المدى القريب والبعيد.”

وفى بيان لمنظمة أخرى..

أدانت المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة اتهام الأطفال بأنهم مرتزقة مأجورين، وكذلك عرض شهاداتهم على وسائل الإعلام قبل البدء فى التحقيقات. وذكرت في بيان لها أن ما حدث من عرض أطفال يعترفون على أنفسهم يعد “استمرارا لتعريض أطفالنا فى الشارع للعديد من أشكال العنف الذى يتعرضون له من قبل المجتمع والدولة على السواء”. وأضافت أن تلك الممارسات “تزيد وتعمق من ظاهرة العنف المتبادل بين هذه الفئة من أطفالنا والمجتمع الذى مازال يلفظهم ويتجاهل قضاياهم التى هي مسئولية المجتمع ككل بمؤسساته المعنية سواء الحكومية أو المدنية”… وأكدت أن ما حدث مخالف لكافة المواثيق والاتفاقيات الدولية وكذلك لقانون الطفل المصرى.

سأحاول تخطى شعورى بالذهول وعدم التصديق لأصل بالقارىء لغاية المرام. لدينا هنا فتنة تمزق وطناً بأكمله.. لا نتحدث عن الكتب والآثار التى احترقت فالإنسان أهم من الكتاب، لكن عندنا أيضاً شهداء ومصابون سقطوا بالرصاص الحى واتهامات متبادلة وتربص خارجى وداخلى ومأزق تاريخى تقع فيه البلاد. وفى خضم كل هذا عندنا مراهقون نظن أن بحوزتهم بعض المعلومات عن الواقف وراء تلك الفتن ونأمل أن تمنحنا شهادتهم بصيص ضوء نرى منه الحقيقة أو بعضها. ثم تأتى شبكات حقوق الإنسان فى وسط كل هذا لتعترض على ماذا؟ على قتل الناس؟ على رد فعل الحكومة العنيف؟ على ما تردد حول تعذيب المعتقلين؟ لا.. كل هذا لا يهم. إنها تعترض على إذاعة شهادات هؤلاء المراهقين فى التلفزيون! طيب وهل للشهادة أى مصداقية فى تلك الظروف دون عرضها على الملأ؟ فقد تعودنا للأسف على كذب الحكومة الدائم فلم يعد الناس يصدقون شيئاً يقوله وزير أو ضابط إلا إذا رأوه بأعينهم، فكانت الوسيلة الوحيدة لدرء الفتنة فى هذا الموقف هى عرض الشهادات علنا.

وكى لا يُساء فهمنا فنؤكد أن حقوق الإنسان شىء جميل، وحقوق الطفل شىء أجمل، لكن أصحاب تلك الشبكات بتفكيرهم هذا قد خلقوا إلهاً مقدساً أسموه حقوق الطفل. ومشكلة الآلهة والمقدسات أنه لا يمكن التناقش معها.. فلو أن الإله قال شيئاً ينتهى الأمر فوراً. لا حوار ولا جدال ولا مراجعة ولا مصلحة عليا فوق أمر الإله، فحُكمه نافذ وكلمته نهائية.

ليس هذا النموذج الوحيد للتقديس الفكرى بالطبع، فالعالم ملىء بأمثلة لا حصر لها لمبادىء مبالَغ فيها لا يقبل أصحابها المساس بها بأى شكل من الأشكال مهما بلغت التضحيات. نذكر من ضمن تلك المبادىء الشيوعية، والرأسمالية، والقومية، وحقوق الطفل، وحقوق المرأة، بل وأحياناً التعليم. عند سماعك لأحد الناس يتحدث باسم تلك المبادىء يا عزيزى القارىء فعليك بتجميد مشاعرك فوراً والبدء بتشغيل عقلك. فما أسهل حمل المرء على الإنقياد والتمادى وراء الشعارات الرنانة لينسى فى زخمها سبب تبنى تلك الشعارات بدايةً، وينسى أن يتساءل عما لو كان التمسك بها لهذا المدى يستحق التضحيات المقَدّمة.

ويُعد تقديس المبادىء أكبر خطأ فكرى وقع فيه الغرب.. فعندهم من الآلهة الفكرية ما يجعلك تحتار فى كيفية وصفهم ببلاد حرية الإعتقاد والتعبير. فالكثير من حكومات أوربا مثلاً تُجرِّم إنكار محرقة اليهود المزعومة “الهولوكوست” حتى فى إطار البحث التاريخى والنقد العلمى بالأدلة والبراهين، والويل لمن يخالف ذلك.. يدفع غرامة كبيرة وربما دخل السجن لمدة تصل لخمس سنوات فى بلد كفرنسا أو عشرة فى بلد كالنمسا. وهناك لا يمكنك حتى إنتقاد اليهود بقول أنهم يسيطرون على الإقتصاد أو السياسة وإلا تكون “عنصرياً”. طيب هل هذه المعلومات خاطئة فى حد ذاتها؟ لا.. فالإحصائيات تؤكد أن اليهود هم أساطين المال والسياسة هناك فعلاً (نصف مليارديرات أمريكا من اليهود رغم أن تعدادهم حوالى 2% من السكان). طيب لماذا لا يمكننى قول ذلك علانية فى مقال بجريدة مشهورة مثلاً؟ لأنك ستكون عنصرياً. لماذا سأكون عنصرياً مادمت أقول حقيقة؟ لأنك هكذا تضطهد اليهود. لماذا تقول أنى أضطهدهم مادمت أقول الحقيقة؟ لأنك هكذا تكون عنصرياً. إنها حالة محزنة من غسيل المخ والإفتقار الكامل للمنطق.

نفس الشىء ينطبق على الزنوج خاصة فى الولايات المتحدة.. فكرد فعل لاضطهادهم الطويل هناك صار التحدث عنهم بغير الثناء محظوراً -من الناحية العملية- حتى إن أيُّد الكلام بألف إحصائية ودراسة. بل إن أستاذاً يابانياً بجامعة لندن يُدعى ساتوشى كنازوا نشر مقالاً علمياً يناقش أسباب عدم إنجذاب الرجال للزنجيات معتمداً على نِسَب معدلات هرمونات الأنوثة والذكورة لديهن فتم وقفه عن الكتابة المستقلة علاوة على التشهير به باعتباره عنصريا! هذه الأمثلة تجسيد واضح لعبادة صنم إسمه “مكافحة العنصرية” لا يجوز التطاول عليه أو التشكيك فى ألوهيته حتى بالمناقشة الموضوعية الهادئة. وأنظر أخيراً لأى مدى ذهب الأمريكان والسوفيت إبان حربهم الباردة التى راح ضحيتها الملايين دفاعاً عن مبدأين متناقضين يعلم أى أمّى أن خيرهما الوسط.. هذا مثال آخر واقعى ومؤلم للإندفاع فى إعلاء مبادىء معينة وصَم الآذان عن سماع وجهة النظر الاخرى مهما كانت عقلانية وموضوعية.

وشخصياً ابتَكرْت طريقة لطيفة لضمان عدم إنجرافى وراء أحد مبادئى عند الحكم فى مسألة معينة، وهى تخيّل أنى إنسان بدائى لم ير المدنية قَط تُعرَض عليه المسألة وأنظر ماذا كان سيقول بخصوصها، فقراره سيكون الأقرب للفطرة والمصلحة دون التقيّد بمبادىء رُوّجت لأسباب سياسية أو تاريخية يبالَغ فى صونها لدرجة التقديس. والكلمة السحرية لتحقيق ذلك هو أن نسأل أنفسنا دائماً “لماذا؟” قبل إصدار حكماً على شىء.

فمثلاً أنا ضد التعذيب لإنتزاع الإعترافات بكل تأكيد.. لكن ماذا لو تأكدنا يقيناً من اختلاس لص للملايين والمليارات ثم رفض الإفصاح عن مكان إخفائها أو عن شفرتها السرية بالبنوك السويسرية؟ لا.. فى هذه الحالة أنا مع تعذيبه حتى يعيد الحق لأصحابه المعذبين بفقدان أموالهم. أيضاً أنا مع حب الدولة التى يعيش فيها المرء والدفاع عنها.. لكن ماذا لو وجدنا تحالفات إقليمية كبرى تلتهم الدول الصغيرة التى لم تنصهر فى تكتل سياسى وعسكرى مع جيرانها؟ لا.. وقتها سأنادى بالإندماج مع الجيران حباً لبلدى وضرورةً لاستقلالها بقدر المستطاع. أنا أيضاً مع انتشار العلم والوعى وإتاحته للجميع مجاناً بل إنى لا أكتب إلا لهذا الغرض.. لكن ماذا لو ثبت لنا على مر السنين والعقود أن النظام التعليمى القائم عقيم ولا يحقق النتائج المرجوة منه ويهدر أموال الضرائب وأعمار الطلبة؟ لا.. هنا لن أتمسك به مطلقاً لأن استبداله أو حتى إلغاؤه سيكون ضرورياً للحفاظ على العلم والوعى لا العكس. أنا مع المرأة فى أخذ كافة حقوقها.. لكن ماذا لو وصل الأمر إلى حشو كافة المناصب الهامة فى الدولة بالنساء المفتقدات للكفاءة علاوة على مصادرة حقوق الأزواج والآباء تجنباً لتهمة تهميش المرأة؟ إلى آخر تلك الأمثلة التى نقرأ عنها ونشعر بها كل يوم.

والمشترك بينها جميعاً هو تعامل الكثيرون مع تلك المبادىء -النبيلة- وكأن بينهم وبينها علاقة حب شاعرى غير مشروطة وغير قابلة للمراجعة، فإنْ حاولْت مناقشة تطبيقات تلك الأفكار فى مجتمعنا ستجد دائماً من يصرخ فى وجهك قائلاً “وماذا عن حقوق الإنسان؟! وماذا عن ولاءنا للبلد؟! وماذا عن أهمية التعليم؟! وماذا عن حقوق المرأة؟!” دون أن يدرى أصلاً سبب تمسكه بتلك الشعارات التى لُقنها من وسائل الإعلام مراراً حتى صار يكررها بلا تفكير ولا تقييم على طريقة “حافظ مش فاهم”.

ما نقترحه من هذا المقال ببساطة هو قاعدة واحدة للتمسك بأى مبدأ.. وهى تحقيقه للمصلحة. فإن تبيّن لنا عدم تحقيقه إياها فى حالة إستثنائية -أو غير استثنائية- فعلينا التخلى عنه بصورة مؤقتة أو دائمة واختيار الأصلح للوضع القائم. فهذا ما كان يفعله الإنسان الحر قبل امتلاء رأسه بقيود صارمة وتَلوثها بمقدسات باطلة تشل تفكيره وتصادر مرونته.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted ديسمبر 1, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

5 responses to “حافظ مش فاهم.. المبالغة فى المبادىء النبيلة تخلق أصناما فكرية

Subscribe to comments with RSS.

  1. جميل جدآ يا حسام فكر رآقي جدآ اتمنى انك ترجع للتدوين لانك بكل صراحة نابغة

  2. أصدقك القول، أنني ومن خلال قراءتي لتوجهك الفكري فقد كنت أتوقع منك مثل هذا الاختلاف، غير أنني لم أكن أتوقع أن يكون الاختلاف بهذه الدرجة وبهذه الصراحة!
    واسمح لي أن أرد باختصار عن النقطتين اللتين أثرتهما في تعليقك:
    1- تغير الإسلام بحسب وجهة نظر حامله: كان واضحا من خلال استشهادي بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم كيفية التعامل مع هذا الإشكال، ففلو رددنا أي تصرف (بغض النظر عن ولاء فاعله الإخواني أو السلفي أو الصوفي أو حتى الشيعي) إلى ما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام من سيرة وتراث مسجل ومحفوظ لأمكن التغلب على تلك المشكلة، وهناك فرق كبير بين الحكم والفتوى، فالتبرك بالقبور مثلا حكمه أنها منهي عنها بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم وليس معنى ذلك أن نحكم بكفر من يفعل ذلك، وكمثال آخر فشرب الخمر حرام وفقا لنص القرءان وليس معنى ذلك أيضا أن نحكم بكفر شاربه وهكذا… فكل الطوائف التي تدعي أنها تمثل الإسلام الوسطي يجب أن تكون ممثلة فعلا للإسلام الذي جاء من عند الله بغض النظر عن اسم تلك الطائفة أو تلك.
    2- تعارض طلبات الإله مع مصالح البشر: وهنا أجدني مختلفا تمام الاختلاف معك ومع مقولتك، وأخشى أن يكون في هذه العبارة مخالفة شرعية لذا أنصحك بالتوبة منها…
    أزعم أيضا أن تلك الاختلافات التي أثرتها تذكرني ببعض الأقوال التي تحرم ركوب السيارة وركوب الطائرة بسبب عدم وجود مصدر تشريعي لها، وأظن أن تلك الأمثلة ينطبق عليها نفس قاعدة الحل، فالأصل أن ما كان له أصل في الشرع بالتحريم فهو حرام، وذلك استنادا لأصول التشريع الأربعة (القرءان، السنة، الإجماع، القياس)، فما جاء خارج ذلك فهو غير جائز، وفي المثالين الذين أثرتهما هنا فحالات القتل الرحيم قد قام الكثير من الفقهاء بالرجوع في تعريفها إلى الأطباء، وأرجو أن نعود لقول الفقهاء في هذا الأمر لنعرفه جميعا، وأما طريقة الذبح الإسلامي، فلم أفهم بالضبط ماذا تقصد، وأزعم أنك تعني الذكاة الشرعية، وأتعجب من إدراجك لهذا المثل هنا، فقد علمت أن العلم الحديث قد أكد على أن هذا الأسلوب أسلم لصحة الإنسان فكيف تكون طلبات الإله ضد مصالح البشر؟
    وقد تعرضت شخصيا لموضوع الذبح وعدم توفر لحوم مذبوحة على الشريعة الإسلامية في البلدان الأوروبية أثناء سفري إليها، وكانت الحلول كثيرة بفضل الله.
    أتمنى أن أكون قد فهمت اعتراضك على موضوع الذبح بالشكل الصحيح.
    حاولت أن أبني ردي هنا على بعض الأدلة العقلية، وأظن أن دين الله سهل لمن أراد أن يتقبله!
    وأتمنى أن تكون إثارتك لهذه النقاط نابعة عن رغبة حقيقية لتلمس الحق وليس فقط لمجرد إثارة الشبهات، وكما يقولون: “رأس الحكمة مخافة الله”.
    أختم بحديث آخر للرسول صلى الله عليه وسلم وهو حديث الشبهات، أرجو أن تراجعه، وأظن أن فيه كثير من الخير.
    تقبل تحياتي…

    • يا عزيزى أنت تقول: فلو رددنا أي تصرف إلى ما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام من سيرة وتراث مسجل ومحفوظ لأمكن التغلب على تلك المشكلة
      وهذا كلام حالم وغير واقعى. فهل اتفق علماء أهل السنة والجماعة على مسألة واحدة؟ بل وهل اتفق الصحابة أنفسهم على كل شىء؟! بل إن الرسول ذاته كان يغير فتواه ما بين اليوم والآخر تبعاً لتغير الظروف وشكاوى الناس وتعليقاتهم وأسئلتهم (لدى أمثلة كثيرة لو أردت لكنى لن أنشرها هنا). فمابالك برجل الشارع المسكين الذى يعيش بعد 1400 سنة؟

      أما عن إمكانية اختلاف طلبات الإله مع مصالح البشر فسأرد عليك بالقرآن: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه}. هذه الآية تقول صراحة أن الحكمة من شىء كالقبلة لم يكن مصلحة البشر وإنما رغبة الإله فى الإختبار. فلا يوجد مشكلة -من الناحية النظرية- أن يكون الصوم مثلاً لا يفيد الصحة، لكن الإله فرضه ليعلم من يتبع أوامره ممن يعصبها. ومعلوم أن الإمتناع عن المياه (وليس الطعام) لفترات طويلة شديد الضرر بالصحة

      وبالمناسبة لا تحتاج لتبنى موقف مدافع لأنى لا أرى فى هذا مشكلة فى حد ذاته، فالفلسفة الدينية قائمة على هوان قيمة الدنيا وعظم قيمة الآخرة، فكان من الجائز إهمال الحقير لمصلحة الكبير. يعنى لا يقول أحد أن حرمان مريض الشلل الرباعى من الإنتحار مثلاً يًعد من مصلحته الدنيوية.. فهذا يكون تخريف. بل قل -إن شئت- أن حرمانه من الإنتحار هو من مصلحته الأخروية (كى لا يكون مثل الرجل الذى اتكأ على السيف لِما أصابه من ألم) ولهذا سنجبره على الحياة بمعاناة، ثم خض المناظرة على هذا الأساس مع المعترضين. نفس الشىء ينطبق على إجهاض الأطفال المشوهين أو غير المرغوب فيهم من الأهل إلخ. الدين شديد الوضوح هنا أن الإله يريد خلق مبتلين ومشوهين ليختبرهم أو ليختبر أهلهم ولذا فلا يريد من المجتمع إجهاضهم والتخلص منهم، فهذا بمثابة إعترض على قدر الله وخطته

      إذا فهناك مسائل كثيرة يظهر فيها بوضوح تعارض أحكام الإله مع مصالح البشر، وأعتقد أنك تدرك أن التصور الإسلامى (والأديان السامية عموماً) للإله أنه لا يهمه مصلحتنا بل يهمه اختبارنا. وأحد تفسيرات الإسلام لذلك أن الإله يريد عذراً مقبولاً لإدخال معظمنا النار إنجازاً لكلمته التى قالها لإبليس {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}

      أما عن موضوع الذبح قكنت أشير إلى طريقة الذبح الحديثة التى يصعق فيها الحيوان قبل ذبحه كى لا يشعر بالألم. فالكثير من المسلمين يعتبرونها حراماً لأن نسبة من الحيوانات تموت بالصعق نفسه قبل الذبح. هو موضوع فرعى غير هام لكنى استخدمته كمثال. وللإنصاف فأنا شديد الإعجاب بحفاظ الإسلام على حقوق الحيوان وأنوى نشر مقال طويل أشير فيه لذلك فى ضوء العلم الحديث

      بالمناسبة ما الذى استقرأته عن توجهى الفكرى الدينى؟ فأنا لم أخض فى الدين تقريباً حتى الآن لحساسية الموضوع الشديدة، بل وتجنبت إدراج مثال الدين فى المقال رغم أنه أحد أكبر المبادىء التى يتمسك بها أصحابها دون مناقشة. ولذا أتعجب من إشارتك برغبتى فى إثارة الشبهات. فالدين عنصر شديد الاهمية للمجتمعات النامية والمهددة كمجتمعاتنا ولذا ينبغى حمايته بغض النظر عن أى ملاحظات عليه، فليس كل ما يُعرف يُقال

      بالمناسبة ستحوز سلسلة المقالات القادمة عن المرأة من الأسبوع المقبل على إعجابك، وسأبرهن فيها عن صحة وجهة النظر الإسلامية فى هذا الشأن بأبحاث وإحصاءات لم أر أحدا يستخدمها من قبل

  3. السلام عليكم…
    أتفق معك تماما في نقدك لسيطرة طواغيت الأفكار على العقول، حتى صارت الناس تتصرف بتلقائية تامة إزاء أمور معينة وهم لا يفكرون ولا يعرفون بالأساس لماذا يفعلون ذلك…
    أشعر برغبة في الاستناد إلى أثر الثوابت الإسلامية في التخلص من هذه الحالة المزيفة، حيث يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي”، وأزعم أن إبعاد مجتمعاتنا الإسلامية عن تلك المرجعية هو أمر مقصود ومتعمد.
    تقبل تحياتي…

    • أختلف معك قليلاً يا بهاء.. فالإسلام نفسه عرضة للتغيير بحسب وجهة نظر حامله. فهل الإسلام الصوفى هو الإسلام السلفى هو الإسلام الإخوانى؟ ومع ذلك يدعى كل هؤلاء -وغيرهم كثير- أنهم يمثلون الإسلام الصحيح. كما أن الإسلام نفسه يتعارض مع المصلحة الدنوية فى كثير من الأحيان لأنه قائم على تنفيذ طلبات الإله بغض النظر عن اتفاقها مع مصالح البشر وسائر المخلوقات (كما فى حالات القتل الرحيم لأصحاب الأمراض المزمنة أو طريقة الذبح الإسلامى إلخ)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: