ترجّل النساء وتخنث الرجال   1 comment

شهدنا فى السنوات الأخيرة حالات عديدة لنساء أشجع وأفصح من نظرائهم من الرجال كالمستشارة نهى الزينى التى وقفت فى وجه التزوير بينما إنبطح كثير من زملاءها له، وقديرة خان زعيمة طائفة الإيجور “مسلمى الصين المضطهدين”، والكاتبة المعارضة ذات القلم الذهبى نوارة نجم، وبعض الوزيرات والنائبات اللائى أحدثن تغييرات جذرية فى مجالاتهن وإن إختلفنا مع معظمها، وغيرهن من النساء الأقل شهرة اللائى أبدين جرأة كبيرة فى مواقف شتى قد نتفق معها أو نختلف. ومِن فرط تكرار تلك الحالات على مستوى المؤسسات والأفراد العاديين بدأَت صورة الفتاة الساذجة الخجولة تتلاشى تدريجياً لتحل محلها صورة شابة تحمل نعلها فى يدها وتطارد به عسكرى أساء معاملتها بينما الرجال -الذين أساء العسكرى معاملتهم أيضاً- يراقبون المشهد فى حماس وتشوُّق دون النطق ببنت كلمة خوفاً من عواقب الإعتراض الوخيمة

قد يبدو للبعض أن هذا ليس بمستجد فى التاريخ الذى شهد نساء حديديات أمثال شجرة الدر وكيلوبَترا وجان دارك، لكنى أزعم أن أعداد تلك الحالات فى إزدياد مخيف بسبب تقلص قدرة الرجال على المواجهة وإحلال النساء لهن.. فمن المعروف علمياً أن إرتفاع مكانة الأنثى الوظيفية ترفع لديها من إفراز التستسترون[1]، وهو هرمون الذكورة المسؤول عن القوة النفسية والبدنية، ويؤثر أيضاً على هرمون الأنوثة الإستروجين[2]. ويبدو أن هذه إحدى إرهاصات حداثة المجتمع، ولا أخص مجتمعنا المصرى أو المجتمعات الشرقية فقط، فقد سبقَنا إليها العالم “المتحضر” الذى ساوى تماماً بين الرجل والمرأة، فكان من البديهى أن يتخنث رجاله وتترجل نساؤه تدريجياً ليشغلن أماكنهم الشاغرة

لكن ما المحرك وراء تلك الظاهرة؟ لعل أفضل مثال نشبِّهها به لنفهمها هو مقارنة شخصان لم يصليا طيلة حياتهما، لكن أحدهما ترك الصلاة تهاوناً وتفريطاً فكان يسمع الأذان تلو الآخر فلا يقوم ولا يتحرك حتى ذبلت قدرته على تلبية النداء وتلاها إنتهاء شعوره بتأنيب الضمير على تقصيره، بينما كان الآخر على ديانة أخرى فلم يستشعر يوماً بواجبه فى تأديتها أصلاً.. فالذى عوَّد نفسه على تجاهل النداء خمس مرات يومياً حتى كَبر لن يتمكن من إحياء الجزء الذى قتله مراراً رغم ولادته فى أسرة مسلمة ومعرفته عن الدين أضعاف ما يعرفه الثانى الذى لم يستسغ الإهمال والتكاسل يوماً رغم بدءه من الصفْر. وبنفس المنطق، ففى مجتمعنا الحديث يجد الرجل -المولود بفطرته ليكون قائداً- نفسه اليوم أمام ضغوط إجتماعية وقانونية هائلة لـ”ضبط النفس” والسيطرة على الأعصاب وتجاهل الكثير من الإستفزازات داخل وخارج البيت، فيَقتل شعوره بالنخوة عامداً ويدس السم لكرامته الجريحة كى تموت وتريحه من أعبائها

ولمَ لا؟ فشهادة زوجته التعليمية مثل شهادته إن لم تكن أعلى، وهى تعمل وتعول الأسرة مثلها مثله إن لم يكن أكثر، وإن تهور وجرح شعورها بكلمة فما فوقها فبإمكانها إن كان لهما أطفال خلعه وطرده من منزله والحصول على حضانة الأبناء والولاية التعليمية مع إلزامه بنفقتهم ونفقتها حتى يكبروا.. ساهمَت كل تلك العوامل فى تأديب وتدجين الرجل داخل البيت بشكل كبير وإن كان ضمنياً، فلن يواجه أحدهم نفسه فضلاً عن غيره بأن سبب تنازلاته الزوجية المستمرة هو الخوف من ذلك المصير الأسود، فيبررها بكون زوجته “مجرد إمرأة مسكينة لا يصح كسر خاطرها” أو أنه “جنتلمان ومتحضر”، وينصح أصدقاءه ليحذو حذوه مستعملاً تلك الشعارات الرنانة ومتظاهراً بالإعتراض على من يتبنى نهجاً آخر كى لا يكون السلبى الوحيد بينهم. لكن الحقيقة -بالطبع- أن ذلك المناخ الإجتماعى والتشريعى الذى تفشى فى العالم الحديث نزع من الرجل قدرة إختيار “الجنتلة”، فهو جنتل رغم أنفه ويتفادى إثارة المشاكل الجدية بأى ثمن حرصاُ على مستقبله المرهون برضا زوجته عنه. وبالرغم من أن كبت الغضب من محامد الأخلاق، إلا أن الدوام على كبته من صاحب الحق يمحى حماسه ويغتال نخوته حتى يستمرىء الظلم ويتلذذ باحتسائه

ويقوم مقام قوانين التخنيث الصارمة فى الغرب قوانيناً أخف قليلاً عندنا، إلا أن ذلك التخفف عوضه القهر السياسى الذى تعرض له الرجال خارج المنزل دون النساء. فكما فى مثالنا عن تاركا الصلاة، لم تشعر النساء -وهن محقات- بواجبهن أصلاً تجاه تغيير العار الذى لحق بنا لعقود متتالية كتصدير الغاز المدعم لإسرائيل والسكوت على ذبح الفلسطينيين وسرقة العراق واغتصاب أفغانستان، ناهيك عن المهازل الداخلية مثل الإستبداد والتعذيب وفشل الإدارة والتعليم وبطؤ التقاضى وتعطيل الأحكام، حتى صار المظلوم مخيراً بين ترك حقه والبلطجة لإستعادته مما قد يؤدى لسجنه (بعكس أحكام القضاء السريعة والنافذة فى قضايا المرأة كالخلع والنفقة)، وجميع تلك العوامل دربت الرجل يومياً على “ضبط النفس”. وبالتالى فإن عدم تصدى النساء لكل ذلك لم يقلل من قدرتهن على المواجهة إن تعرَّضن لإستفزاز على المستوى الشخصى كمثال العسكرى وصاحبة النعل الفصيحة، بعكس الرجال الذين قضت كرامتهم تحت جرعة المخدر المزمن

وهذا أيها القارىء العزيز ليس كلاماً كبيراً أحاول إخافتك به، بل هو أمر واقع تثبته الإحصائيات.. فقد أكدت دراسة حديثة لمركز البحوث الاجتماعية والجنائية أن  “23% من النساء المصريات يضربن أزواجهن أثناء المشاجرات الأسرية”[3] وأنه -ربما على عَكس ما يتوقع الكثيرون- “نسبة ضرب الزوجات لأزواجهن ترتفع بشكل ملحوظ بين الطبقات والأسر الغنية بينما تنخفض النسبة بين الاسر الفقيرة أو محدودة الدخل”. وإن تخيلنا نسبة متواضعة للذين يتعرضون لسباب فقط دون ضرب قوامها 23% أخرى تكون نسبة الأزواج المهانين فى بيوتهم 46%. هل تتخيل معنى هذا؟ نصف أزواج مصر يتعرضون للشتم أو الضرب من زوجاتهم وربما أمام الأبناء والبنات ثم ينتهى الأمر وكأن شيئاً لم يكن، وربما تنتهى المشاجرة بها تُقَبل رأسه وتطبطب عليه قائلة “ماتزعلش مش هاضربك تانى”. وهذا ليس مشهداً ساخراً من مسرحية هزلية أيها السادة، بل هو ما يحدث فى مجتمعنا خلف تلك الأبواب المغلقة. وكلما زادت مساحة الحرية الممنوحة للمرأة بشكل عام كلما زاد التوحش والسعار، فنسبة الأزواج المتعرضين للعنف فى الهند 11% فقط، بينما وصلت نسبة الرجال من ضحايا العنف المنزلى فى بريطانيا مثلاً إلى 40% -وهى نفس نسبة الزوجات الخائنات هناك[4]- وفى ألمانيا تم مؤخراً إفتتاح مأوى للرجال الذين يتعرضون للضرب المبرح من زوجاتهم![5] وتقول آخر الإحصاءات الغربية أن خُمس النساء فقط لديهن استعداد لتمضية بعضاً من وقت فراغهن مع أزواجهن[6] والذين صاروا -فيما يبدو- كائنات مزعجة تتطفل على زوجاتهم المشغولات بأمور أكثر أهمية. مرحباً بكم إلى القرن الحادى والعشرين

هذان العاملان إذاً -القوانين الأسرية المُدَجِّنة والقهر السياسى المستمر- هما المسؤولان عن تقليم أظافر الرجال وقصقصة ريشهم ونتفه، مما أدى لنمو أنياب ومخالب حادة للنساء لم نر مثلها من قبل. وهكذا تزداد حدة فقدان الهوية وتبادل الأدوار يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

المصادر
[1]http://www.questia.com/googleScholar.qst?docId=95173955
[2]http://www.moheet.com/show_files.aspx?fid=442797
[3]http://www.ahrla.org/elmarsad_ar/27th/ahat.htm
[4]http://www.sonara.net/print.php?ID=61896
[5]http://www.moheet.com/show_news.aspx?nid=417733
[6]http://telegraph.feedsportal.com/c/32726/f/568397/s/24116cb2/l/0L0Stelegraph0O0Cscience0Cscience0Enews0C958180A50CMen0Ekeener0Ethan0Etheir0Ewives0Eon0Espending0Etime0Etogether0Bhtml/story01.htm

Advertisements

Posted ديسمبر 23, 2012 by حسام حربى in مرأة ورجل

One response to “ترجّل النساء وتخنث الرجال

Subscribe to comments with RSS.

  1. التنبيهات: ما سبب إختلاف مفاهيم الأجيال الجديدة عن سابقتها؟ | «أَبْصِرْ» - مدونة حسام حربى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: