حل ثورى وفورى لمشاكل قانون الأحوال الشخصية   Leave a comment

“العقد شريعة المتعاقدين”.

لا تتعجب يا عزيزى القارىء فلم يقع خطأ مطبعى.. فهذا هو الحل بكل بساطة.

لقد ضقنا ذرعاً برؤية طرفَىّ صراع حقوق المرأة وحقوق الرجل يتحاربون فى قاعات المحاكم ويتنافسون فى ساحات الجرائد ويتبارزون فى جلسات القنوات حول رفع سن الحضانة أو تخفيضه.. وتقصير مدة الإستضافة أو تطويل مدة الرؤية.. وإقرار الخُلع أو إلغاؤه. وإنشغل كل منا بموقفه ورأيه فى تلك المعركة حتى نسينا جميعاً القاعدة الذهبية “العقد شريعة المتعاقدين”.

إن عقد الزواج مثله مثل أى عقد إجتماعى أو إقتصادى آخر.. ونحن فى بلد يزحف تعدادها نحو المائة مليون إنسان يعيشون مقَسمين بين طبقات اجتماعية وثقافية ودينية شديدة االتباين، فلا يمكن بأى حال من الأحوال تفصيل قانون للأحوال الشخصية على مقاس كل هذه الجموع الغفيرة، فالقانون الذى سيتم فرضه عليهم أياً كان لن يرضيهم جميعاً.. فإنْ أعجب ساكن الزمالك سيعترض عليه النوبى، وإن أرضى النجار فسيُجَن منه الطبيب، وإن طمأن الغرب أقصى الإسلاميين، وإن حكَم الشريعة أثار العلمانيين. وكما نعلم فإنْ شعرَت فئة بالظلم من قانونٍ ما لجأت فوراً للتحايل عليه بكافة الطرق، وزاد الضغط على المحاكم، بل ووصل الأمر إلى إستخدام التهديد والعنف والبلطجة.

فلماذا لا نترك الإختيار للناس؟ فبترك الحرية الكاملة لكل زوجين على حِدْة لتحديد شروط العقد الذى سيرتبطان به وينجبان على أساسه تخلع الحكومة يدها وتريح نفسها من المشاجرات والمشاحنات والضغوط السياسية الآتية من الداخل والخارج، فلن يجرؤ أحد على الشكوى من شروط عقد مهما كان مجحفاً مادام قد وقَع عليه بيده دون إكراه ولا تدليس. وفى كل الأحوال فليس من حق ولا حتى من شأن الدولة إملاء شروط الزواج والطلاق والحضانة والرؤية التى تراها مناسبة على عشرات الملايين من الناس المختلفة تمام الإختلاف.

إقتراحنا ببساطة هو تعديل إستمارة الزواج لتحوى كافة التفاصيل المتعلقة بحقوق الزوج والزوجة إبان الإرتباط والطلاق إن وقع (وإحتمال وقوعه كما تؤكد آخر الإحصاءات صار الآن 45% فى مصر). فكما إحتوت الإستمارة القديمة على شروط المهر والمؤخر والعصمة وربما أُرفق بها قائمة الأثاث والمنقولات، فستحتوى الجديدة بالإضافة لذلك على شروط الطلاق والذى يشمل حق المرأة فى الخلع من عدمه وما يُفعل بالشقة فى هذه الحالة ومدة حضانة الأبناء إن وُجدوا ومدة الرؤية أو الإستضافة إبان فترة الحضانة وحق الولاية التعليمية، إلى جانب حق المرأة فى السفر دون إذن الزوج وحق المرأة فى الدراسة أو فى الطلاق إن تزوج الرجل من أخرى وهكذا.

فهل إتفقا على أن للزوجة حق الخلع إلى جانب شقة الزوجية ونصف ثروة الزوج وثلاثة أرباع دخله وحضانة الأطفال حتى يبلغوا 21 عاماً؟ بالتوفيق. هل تفاوضا على أنه ليس للمرأة حق الخلع ولا السفر ولا الحضانة حال الطلاق؟ ألف مبروك. هل إرتئيا أن الرجل هو الذى ليس من حقه السفر ولا العمل ولا الزواج دون موافقة زوجته وعلى تقسيم ما تبقى من سنوات الحضانة مناصفة حال الإنفصال؟ بالرفاء والبنين. هل إرتضيا إتباع رأى أحد المذاهب الفقهية بعينها بتنفيذ ما ينص عليه فى كافة التفاصيل؟ أو ربما الإحتكام للقاضى الشرعى (أو للكنيسة فى حالة المسيحيين) والإلتزام بالحكم الصادر أياً كان؟ ربنا يتمم بخير.

نعم يا سادة.. فالأمر الذى أضعنا فيه سنوات من الجدل وربما نضيع فيه عقود حسْمُه بهذه السهولة. ليس من شأن أحد أن يملى على الزوجين شروط حياتهما الخاصة وفقاً لما يراه هو مناسباً، بل لكل إنسان حرية إلزام نفسه بالشروط التى يراها هو مناسبة. والحق أن المرء ليعجب مِن عدم تطبيق هذا الحَل شديد البساطة حتى أن الكاتب ليستحى من تسميته حلاً.

قد يعترض البعض على جزئية تحديد شروط الحضانة سلفاً بحجة أن هذا حق للأطفال ولا يجوز لأحد الأبوين التفريط فيه.. لكن الرد البسيط على هذه الأطروحة هو أن الشرع والقانون لا يمنعا الأبوين من ترك أبناءهما لأحد أقاربهم أو لخادمة لديهم مثلاً لتربيتهم بدلاً منهما لأى سبب، فمن باب أولى أن يُسمح لهما بترك الأبناء لأحدهما إن إتفقا على ذلك سلفاً بالتراضى. كما أنه فى حالة الطلاق لابد وأن يُحرم الطفل من أحد أبويه ولو مؤقتاً بطبيعة الحال لأنهما لم يعدا يعيشا معاً، لكن السؤال هو أيهما؟ والى متى؟ ومتى سيرى الطفل الطرف الغير حاضن؟ ولمدة كم ساعة أو كم يوم أو كم شهر؟ وهل من حقه الإختيار؟ وهل يختلف الحال فى الخلع عنه فى الطلاق؟ وإن كانت إقامة الطفل مع الأم فهل يُلزم الأب بتوفير المسكن؟ وهل هناك شروط وحد أدنى لهذا المسكن؟ وماذا عن قدر النفقة؟ وهل من حق الأم أن تعمل إن كانت تأخذ النفقة مقابل تربية الأبناء؟ وكما أسلفنا.. لا يوجد أفضل من الزوجين نفسهما لإجابة كل تلك الأسئلة لأنهما أقدر الناس على معرفة ظروفهما وعادات كل منطقة وكل عائلة وطريقة حياة وأعراف الطبقة الإجتماعية والثقافية التى ينتميان إليها، فلا يوجد قانون مهما كان عادلاً وشاملاً يسع كل تلك الإختلافات فى قرية صغيرة تعدادها بضعة آلاف فما بالك بدولة يقطنها عشرات الملايين.

أما الإنحياز القانونى الكامل للأم بحجة أن هذا فى مصلحة الأطفال فهو لا يمثل فقط ظلماً للأب -والذى يُعتبَر إنساناً أيضاً ينبغى مراعاة مصلحته- ويخالف المبدأ الخامس من الدستور والمادة 33 التى تحظر التمييز بين المواطنين، بل أيضاً يحرض الأمهات على التذرع بأتفه الأسباب لطلب الطلاق مما يعود بالضرر الاكبر على الأبناء أنفسهم. ومصداق ذلك ما وصلت إليه نِسَب الطلاق من أرقام فلكية أهّلتنا لمنافسة الغرب فى مضمار خراب البيوت.

قد لا تروق للبعض فكرة مطالبة جميع المتزوجين بكتابة عقود شديدة الطول والتفصيل لتشمل كل كبيرة وصغيرة، لكن هذا لن يكون إلزامياً لأننا سنستعين فيما لم يتم الإتفاق عليه بقانون شبيه بالقانون التجارى، حيث توجد مجموعة قواعد افتراضية يُعمل بها تلقائياً فى حالة غياب اتفاق مسبق عليها بين الشركاء (كتقسيم الربح بنسبة الثلثين لصاحب المال والثلث لصاحب العمل ما لم يذكر العقد خلاف ذلك). إلا أن يقيننا أن إعطاء الأولوية للعقود على القانون كما فى المعاملات التجارية سيحث الأزواج على تدبر كافة التفاصيل فى العقد بأنفسهم سلفاً، تماماً كما يفعل الشركاء التجاريون الذين يتحرّون كل صغيرة وكبيرة فى صفقاتهم الهامة، مما يخفف الضغط على المحاكم مع ضمان مرونة وحرية الإختيار كما أسلفنا.

ونذكر بأن شروط العقد المقترَح لن تُنحت فى الصخر، بل سيكون مثله مثل أى عقد آخر للشريكين حق تعديله متى شاءا إن إرتئيا معاً تغَيُّراً فى الظروف أو إهتديا لفكرة أفضل لجميع الأطراف إعمالاً بالآية الكريمة {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح}.

ولنا هنا وقفة مع نظرية اقتصادية، وتحديداً قانون العرض والطلب..

فقد يظن البعض أن وضع شروطاً قانونية إجبارية “تحمى” الزوجة فى عقد الزواج هو أمر نافع لها، إذ يمنع الزوج من التملص من تلك الشروط حتى لو وافقت العروس وأهلها على ذلك. لكننا نُشبّه تلك الشروط -مع الفارق- بوضع تسعيرة إجبارية غالية الثمن على سلعة من السلع. فهبْ أن ثمن السلعة العادى هو عشرة جنيهات، لكن لأن الحكومة تود “تكريمها” و”حماية منتجيها من الإستغلال” قامت بتجريم بيعها بأقل من عشرين جنيها. فهل هكذا قرار ينفع منتجى وبائعى السلعة أم يضرهم؟ قد يُصفق السُذّج منهم مهللين للوهلة الأولى، لكن المتفحص للأمر يعلم جيداً أنه لا يمكن الإلتفاف على قواعد العرض والطلب، وأن القانون الجديد وإنْ نفع بعض البائعين فسيدمر البعض الآخر لأن المشترين الذين ليس لديهم استعداد لدفع أكثر من عشرة جنيهات سيلجأون مضطرين للبدائل المتاحة أو يُحجموا عن الشراء بالمرة مما يعود بالضرر على البائع والمشترى على السواء.

وهذا -للأسف الشديد- ما بدأنا نلحظه من إحجام الشباب اليوم عن الزواج.. فهم يتخوفون ليس فقط من الكلفة المادية الباهظة التى يفرضها العصر الحديث لكن أيضاً من ضياع الكرامة والرجولة والأمان الذين انتزعتهم قوانين سوزان نزعاً.. حيث يحق حالياً لأى زوجة حاضن أن تتخلص من زوجها بخلعه وطرده من منزله ومصادرة أمواله وأولاده. فيحجم بعض الشباب عن الأمر برمته لاجئين للبدائل المُحرّمة، والنساء هن أول المتضررات والشاكيات من العنوسة، فلصالح مَن استمرار هذا الوضع؟

إننا نعيد خطأ الأجندة الإشتراكية التى ظنت أنها بتخفيض أسعار الإيجار إجبارياً “لمنع استغلال الساكنين” ستحل أزمة الإسكان بجرّة قلم، فإذا بها تخلق أزمة إسكان أشد لإحجام المستثمرين عن بناء العقارات.. ولم تنته حتى عاد التوازن للسوق عن طريق التحايل على القانون بفكرة “خلوّ الرِجل”. لا يمكن الإلتفاف حول قواعد العرض والطلب، ولا يمكن ضبط العلاقات التجارية فضلاً عن الاجتماعية بجرة قلم وقوانين جبرية، بل هى علاقات خُلقت لتُترك حرة يديرها أصحابها كيفما شاءوا بعيداً عن تدخل الدولة الشمولى.

وختاماً نحيى أرواح أسلافنا العظماء أصحاب الحكمة الخالدة: كل واحد ينام علجنب إلّى يريحه!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مارس 5, 2013 by حسام حربى in مرأة ورجل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: