اعترافات علمانى   1 comment

مساء الخير. أعرفك بنفسى.. أنا علمانى، الشهير بمدنى. أنا الذى أحاول إنتزاع الدين من جميع مظاهر الحياة لإيمانى بالتقدمية وبفصل الدين عن دولة. أو لكى أكون أكثر دقة، أنا لا أؤمن بالأديان أصلاً، ولو أنى أرجح وجود إله لا يتدخل فى شئون الخلق. لكنى لا أستطيع أن اجابهك بكل ذلك مرة واحدة، فبماذا سيفكر عقلك البدائى المثقل بالخرافات والموروثات القديمة إن وُوجه بهذا الكلام؟ ولهذا لزم أن أسقيك الفكرة بالتدريج.. فقد تعلمت أن لكل فاكهة موسماً، وأن من تعجل الشىء قبل أوانه عوقب بحرمانه. وتعلمت أيضاً من أسلافى المتصدين للخزعبلات على مر التاريخ كيف أغلف كلامى المنمق بلفائف براقة وعطرة تَسحب البساط من تحت الأديان دون أن تدرى، وإن كنت أنسى أحياناً فتصدر منى تعليقات لم يحن أوانها بعد…

أتخذ من الغرب قدوة ومن نجاحه شعاراً، لكنى أنزعج عندما أقرأ فى وسائل الإعلام بعض الكلمات التى قد توحى إلى مزجهم للدين بالسياسة بينما يطالبونك بالكف عن ذلك.. فخبر يَذكر إسم حزب أوروبى به كلمة “مسيحى” أو “محافظ”، أو إستشهاد رئيس جمهورية أو رئيس وزراء غربى بآيات من كتابه لتشجيع حروبهم المقدسة التى قد تتسبب فى بعض الخسائر للمسلمين، أو نبأ حظْر بلداً أوروبياً للحجاب أو النقاب أو المآذن، أو النَص فى دساتيرهم على مسيحية دولتهم، أو حتى شكل أعلام الدول الأوروبية المرسوم بها صليب له أسوأ الأثر على نفسيتك

وبالمقابل فإن الغربيين يحبوننى حباً شديداً، ويغدقون علىّ بالأموال أو اللجوء السياسى إن دعت الحاجة.. ولمَ لا وأنا ساعدهم الأيمن ورَجلهم فى الشرق؟ فبجانب نخرى باستمرار فى جذع عدوهم الأول والأخير -الإسلام- فأنا وإخوتى ولا أحد غيرنا نكون فى إستقبال دباباتهم حين تهم بفتح بلد من البلدان لنشر الحرية والديمقراطية بها، كما نحاول جاهدين إقناع العامة بحتمية السلام مع إسرائيل إنطلاقاً من قناعتنا بأن كل البشر أخوة وأن اليهود عانوا من هذا الصراع بما يكفى وصار من حقهم الإقامة بدولة آمنة تحترم شريعتهم وعقيدتهم

يتهمنا المنغلقون بالعمالة، والتكفيريون بالردة، لكن المثقفون يعلمون جيداً أن هدفنا هو مصلحة الأمة وتخليصها من أعباء الآخرة إلى رفاهية الدنيا، ومن إتباع المخطوطات إلى إنفتاح العقليات، ومن تحريم الإختراع إلى عدل الإقتراع (إلا إذا كان الإقتراع سيأتى بمتشددين للحكم كما هو الحال دائماً فى الدول الإسلامية للأسف، ففى هذه الحالة يستحسن تأخيره قليلاً حتى تنضج الشعوب وتعرف عدوها من صديقها)

أنا دائماً هادىء الطباع لطيف المعاشرة إلا فى بعض الحالات.. فمثلاً أستشيط غضباً إن علمت بتصنيع بلد كإيران لصاروخ أسرع من الصوت أو طائرة تماثل الإف-18 أو طائرة شبح لا يراها الرادار أو إطلاقهم لقمر صناعى محلى الصنع أو تخصيبهم لليورانيوم، كما صُدمت صدمات عمرى عندما صد إرهابيو حزب الله وحماس دفاع إسرائيل عن نفسها، لأن المتطرفين يتخذون من تلك النماذج ذريعة للقول بإمكانية نجاح الحكم الدينى البغيض.

وقديماً لم أكن أطيق قراءة الكتب أو مشاهدة الأفلام التاريخية المتحدثة عن “تَفوق” الاندلسيين العلمى أو “نجاح” الأمويين الإدارى أو غزو العثمانيين البرابرة لقلب أوروبا.. إلا إننى ولحسن الحظ نجحت مؤخراً فى إجتثاث هذا الكلام الفارغ من المناهج التعليمية لإنقاذ الأجيال الناشئة منه، كما نجحْت فى إزالة كل الآيات والأحاديث المشجعة على التطرف تقريباً وهمَّشت مادة التربية الدينية، واضعاً بدلاً منها نظرية التطور وأدلتها الدامغة فى مناهج العلوم كى يعرف الطلاب أن دارون كان على صواب وأن الطبيعة هى خالقتهم الحقيقية، كما أسعى الآن لإضافة مادة التربية الجنسية كى يتعرف الأولاد والبنات على طبيعة أجسادهم وكيفية إرضاءها

ثانى الأشياء التى تخرجنى عن شعورى هى رؤية فتاة محجبة. أو الأبشع.. منقبة. مجرد تخيل ذلك المنظر يشعرنى بالغثيان. إن قلبى يتقطع كمداً على إضاعة جمال وشباب تلك المخلوقات البريئة فى تلك العادات الفارسية العتيقة. بل إن الدول الإسلامية هى الوحيدة من بين دول العالم قاطبة التى لا تسمح للفتاة بممارسة الجنس قبل الزواج.. إنهم يربون أجيالاً من المعقدين والمعقدات بينما أدركَت باقى البشرية أضرار الكبت الجنسى الصحية قبل النفسية

يتهمنى البعض بالنفاق إن سكتّ على ما يسمونه إهانة المحجبات والمتلفحات أو حظرهن من التواجد فى مكان من الأماكن، مدعين أنى لا أهتم حقاً بحقوق المرأة وأن إهتمامى مصبوب على “تعريتها” فقط.. وبعض المخبولين يتخيل أن سبب معارضتى لغطاء الرأس البدوى وسخريتى الدائمة منه هو نوعية ملابس إبنتى وأسلوب حياتها المتحرر والذى جعلنى “أحقد” على المحجبات وأُسَرهن. لكن الحق هو العكس تماماً، فأنا أشفق عليهن أيما شفقة.. فتحرر المرأة من القيود الملبسية والجنسية هو السبيل الوحيد لتعويض كرامتها الجريحة من إضطهاد دام آلاف السنين نتيجة حبسها فى المنزل كالحيوانات.

ولتحقيق ذلك نجحْت نجاحاً محدوداً على المستوى القانونى، فقد تم حظر جميع أنواع الختان والزواج المبكر بعد إجتهاد إخوانى وأخواتى من الإعلاميين فى ترويج حملة ناجحة أقنعت الجماهير بظلم وتحريم هذه الممارسات أملاً فى إعادة بعض الحقوق المسلوبة للمرأة. كما تم تعسير شروط الزواج على الرجل بإلزامه بالتنازل عن الشقة والحضانة وما يسمونه بالـ”قوامة” فوق الشروط الإسلامية من سكن ومهر ونفقة ومؤخر ومتعة وقريباً نصف أمواله أيضاً، كما سيتم حظر تعدد الزوجات، كل ذلك من أجل تنفير الرجال من الزواج وزيادة العنوسة ليُستبدل نظام الأسرة العتيق بنظام أكثر تحرراً ومتعة للجميع كما فى الدول المتقدمة

كذلك لا يضايقنى فعل أكثر من تحرش المكبوتين الجوعى بالفتيات الجميلات فى الشوارع مما اضطر بعضهن إلى التحجب والخروج فى أضيق الحدود، بل إن بعضهن تنقب من فرط ما لاقَين من مضايقات! ولهذا نجحنا أيضاً فى تمرير تشريعات بالسجن والغرامة على الضالعين فى مثل هذا السلوك الحيوانى الذى يَحرم الفتيات من إبراز جمالهن لمداعبة أعين الشباب قليلاً، والمضحك أن الوهابيين السذج وقفوا معنا فى تمريرها ظناً منهم تخلِّينا عن مبادئنا وإنضمامنا إليهم فى حملة “للنهى عن المنكر”

تمكَّنا من الوصول للإعلام ونزعنا منه الخرافات خاصة فى الشهر القمرى الذى يسمونه رمضان، إلا إننى أقر ببعض التقصير فى هذا المجال.. فلا يزال المسلمون يسمعون أذانهم السخيف الذى يفزعنى صريخه عشرات المرات يومياً، ولم تُوقف الحكومة بث المحطات الإسلامية حتى الآن. كما لازلت أرى ملابس المذيعات لا تتواكب مع القرن الحادى والعشرين، وبها بصمة لظلم المرأة وقهرها، وأرى بعض الأفلام والمسلسلات لا تسخر من المتشددين والمتعصبين بما فيه الكفاية، لكن لا بأس.. فكما قُلنا، التعجل عدو النجاح، وبالصبر والثبات نصل إلى الهدف المنشود..

سمح لنا تأييد الإعلام أن نستخدم أحد وسائلنا الطريفة والتى حققت نجاحات لا بأس بها وهى الفَزّاعات، والفزاعة هى مصطلح يتم تحذير الناس دوماً منه حتى يفروا من أى قول أو فعل يَنسبهم إليه.. فمثلاً تمكنا من تسمية الإرهاب بإسمه الحقيقى بعدما كان يحظى ببعض المصطلحات التشجيعية، مما كان له أكبر الأثر فى توقف المتمسكون بتراث الماضى السحيق عن إمتداحه خوفاً من إقترانهم بالإرهاب. وظللنا نتهم المطالبون بتطبيق “الشريعة الإسلامية” على المسلمين بتهديد الوحدة الوطنية والدولة المدنية وإثارة الفتنة بين طوائف الوطن المتلاحم حتى سكتوا وغدو يطالبون الآن بمساواتهم بالأقليات بدلاً من النداء بقوانين العصر الحجرى من قطع الأيدى والرقاب. وننادى بإقتلاع الشرائع من القوانين لأن إدخال الدين الطاهر فى السياسة القذرة تدنيساً له، وحاشا لله أن ندنس دينه وأوامره. كما نحفظ بعض الأحاديث عن ظهر قلب مثل “أنتم أعلم بأمور دنياكم” برقمها وسلسلة رواتها وصحة إسنادها ونرددها كلما دعت الحاجة

أما أفضل الطرق وأنجحها للنهوض بعقلية المواطن فكانت بإرجاعه لحب وطنه وإنساؤه تماماً فكرة الخلا.. عذراً يا عزيزى، أنت تعرف ما أعنيه، فليس فى وسعى أن أكتبها.. فوقوع عينى على تلك الكلمة يؤلمها ووقوعها على أذنى يصيبها بطنين. على أية حال، نحن لا نترك مناسبة من مساحة إعلانية فى الشوارع ولا خبراً فى الجرائد ولا مباراةً رياضية ولا فيلماً سينيمائياً ولا برنامجاً تلفزيونياً إلا وذكّرناهم فيها بأن وطنهم الأوحد هو مصر أو السعودية أو المغرب كى يتركوا أساطير الماضى دفينة قبرها، إلا أنه وللأسف أراد بعضهم التشبه بالأوروبيين بعد توحيد عملات وسياسات قارتهم والتحضير لإنتخاب رئيساً لها، لكن إتهامنا لهم بعدم حب الوطن وإنعدام الولاء له كان كفيلاً بإسكاتهم.

كذلك لا ننسى جميل الأجهزة الأمنية أيام الرئيس السابق والتى ساعدتنا مشكورة فى كبح جماح المتزمتين المتشدقين أصحاب اللحى الكثة والجلابيب القصيرة ومنْعهم من بث سمومهم فى الناس، إلا أننا نطالب تلك الأجهزة اليوم بالتنبه لخطرهم وبذل الجهد للقضاء تماماً على ظاهرة المتطرفين الذين يهددون سلامة المجتمع وإستقرار الدولة ويتسببون فى إنتشار العنف والحروب، والإنتباه خاصة لمن يتخفى منهم فى شكل داعية عصرى ليحجب حقيقته عن الناس ويلعب بعقولهم. أما فيما سوى ذلك فنحن نرحب بحرية التعبير بلا حدود ولا قيود ونرفض الرقابة على الكلمة ومصادرة الرأى

لعلك يا عزيزى تكون قد تساءلت عن سر نجاحاتنا -المحدودة- فى ميادين القانون والتعليم والإعلام. ولا أخفى سراً عليك، فمعظم حكومات الدول الإسلامية وإعلاميوها منا ونحن منهم.. عقيدتنا واحدة وعدونا واحد. لكنهم لا يستطيعون المجاهرة بذلك صراحة حالياً لِما سيكون له من أضرار على نجاح الخطة. كل ما ألومه على بعضهم هو تهادنهم وبطؤهم الشديد فى المضى قدماً نحو هدفنا الأسمى، إلا إنى أُذَكِّر نفسى دائماً بأن التعجل عدو النجاح. وعلى الرغم من الجهود الجبارة المبذولة إلا أنه لا يزال أمامنا مشواراً طويلاً، لكنه يهون فى سبيل النهوض بهذا الوطن الغالى من مستنقع الرجعية والتخلف، ومن أجله تسهل الصعاب وتتصاغر التضحيات

وختاماً أرجو أن يظل هذا الكلام يا عزيزى بينى وبينك، فقد كانت هذه بعض الهمسات التى بحت لك بها لما إرتأيته فيك من جدارة بالثقة وإنفتاحاً فى الفكر، فقلت عسى أن أقنعك بالإنضمام لقاطرة التقدم وترك الزيف والخداع من أجل وطننا الحبيب دولةُ.. عفواً.. من أى بلدٍ أنت؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مارس 15, 2013 by حسام حربى in مؤامرات عالمية

One response to “اعترافات علمانى

Subscribe to comments with RSS.

  1. السلام عليكم

    جزاك الله خير جزاء عزيزى الكاتب ناس كتير متخلفه فاكرة ان الدنيا دائمة ناسية ان النهاردة دنيا وبكرة اخرة ونسوا قول الرسول صل الله عليه وسلم تركت فيكم ماان تمسكتم به لن تضلوا بعدى كتاب الله وسنه رسول الله .

    انار الله بصيرتك وبصيرتنا وجزاك الله عنا خير الجزاء على مجهودك لتاخذنا من مشاغل الدنيا لتعطينا هدنة لنفكر اللى حولنا بيدبروا اية نرجع ونقول الحمد لله ان الكون له رب بيدبركل شء بارادته

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: