“معاك قرش تسوى قرش”   Leave a comment

مَثَل يُضرب به المَثَل فى القسوة وتهميش الإنسان فى عالم مادى بحت.. لكنى وبعد تفكير وتأمل اكتشفت للأسف أنه أكثر دقة مما نتصور، وأن الناس طلعوا ظالمين الأغنياء بسبب الحقد فيما يبدو! و لنحسبها معاً…

مبدئياً كيف نتحصل على المال؟ بأن تقدِّم خدمة أو تبيع سلعة لشخصٍ ما بثمن أعلى من قيمتها عندك، كأن تبيع له قطعة قماش كلفتك صناعتها أو نقلها جنيهاً بجنيهاً ونصف، نصف الجنيه الفارق هذا يُعتبَر ربحك الذى تبقُّى بعد سداد التكاليف، أو ما يسميه معشر الإقتصاديون “القيمة المضافة”، وهى قيمة ما أضفته أنت كصانع أو كتاجر للمواد الخام (كالقطن مثلاً فى حالة القماش). اللافت هنا أن نصف الجنيه هذا يمثّل أيضاً قيمتك بالنسبة للمجتمع، لأن المجتمع -متمثلاً فيمن اشترى منك القماش- قيَّم إستفادته من عملك بهذا القدر بالضبط. إذاً كلما قَدَّمت سلعة أو خدمة مطلوبة لدى الناس (العرض) وبذلت مجهوداً أكبر فى تعريفهم بوجودها (الدعاية) وقدمتها لهم فى صورة جذابة لإغرائهم بشرائها وإقناعهم بحاجتهم إليها (التسويق) كلما قيَّم أؤلئك الناس مجهودك بثمن أعلى وبالتالى منحوك أرباحاً أكبر تعكس قيمة ما قدمته لهم

طيب تعال ننظر للقسم الثانى وهو الصَرف.. أخذت أنت نصف الجنيه الذى كسبته وبعزقت 40 قرشاً منه على ملذات الحياة من مأكل ومشرب ونساء فلم يتبق معك منه سوى بريزة.. ما ترجمة الذى حدث إقتصادياً؟ أنت هنا استهلكت من المجتمع ما قيمته 40 قرشاً بعد إنتاجك ما قيمته 50 قرشاً، أى أنك أعطيت أكثر مما أخذت بـ10 قروش، وهكذا تكون قيمتك أو “ثمنك” لدى المجتمع هو تلك القروش العشرة، لأنك أفدته بأكثر مما استفدت منه بهذا الفارق بالضبط. ولذا فإن علمت أن شخصاُ يحرق أمواله فعليك أن تشكره فوراً، لأنه بذلك يقول للمجتمع عملياً “لا أريد مقابلاً للخدمات التى أديتها لكم”!

إذاً ففى المرة القادمة التى ترى فيها مليونيراً فاعلم أنه أصبح كذلك بسبب تقديمه للناس ما قيّموه هم بالملايين فى شكل منتجات وخدمات يحتاجونها ولم يستهلك منهم بثمن ما قدمه.. أمّا لو استهلك بثمن ما قدّمه ببناء القصور وشراء السيارات فلن يظل مليونيراً وستعود قيمته “صفراً” من جديد. ومن هنا يمكننا إدراك سبب احترام الناس للأغنياء أكثر من للفقراء بغض النظر عن مدى صحة ذلك.. فبعيداً عن النفاق والطمع فى أن “ينوبهم من الحب جانب” قيُعتبَر المليونير فى الحقيقة صاحب فضل على المجتمع لأنه أعطاه أكثر مما أخذ منه بكثير، ويرد له المجتمع هذا الجَميل على شكل إستعداد لتقديم سلع وخدمات له بنفس قيمة ما أعطاهم، وفوق هذا الإستعداد “بوسة” متمثلة فى الإحترام والتقدير (وأحياناً الحسد)، تماماً كمن صنع لك معروفاً فتظل شاكراً له حتى تؤدى إليه مثله

لا يعنى هذا بالطبع أن الأغنياء “أفضل” من الفقراء لتفاوت معيار وتعريف الأفضلية من شخص لآخر.. لكن ما يمكننا الإتفاق عليه موضوعياً هو أن الأغنياء صاروا كذلك لكونهم “أنفع” من الفقراء، إذ أن كل شىء تستعمله من السرير الذى تنام عليه إلى الطبق الذى تأكل فيه والبيت الذى تسكنه والشاشة الذى تقرأ عليها هذا الكلام صُنع لأن رجلاً ذو روح مغامِرة وعقل لامع قرر استغلال مهاراته ومهارات الآخرين بصورة منظمة لإيصال ذلك المنتج إليك فصار غنياً

وهكذا يتضح للأسف صدق الحكمة القديمة “معك قرش تسوى قرش”. أما لو لم يكن معك قرش فأنت -بالنسبة للمجتمع- لا تساوى شيئا

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مايو 10, 2013 by حسام حربى in اقتصاد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: