قيمة الشىء تنبع من تقييم الناس له.. لا فائدته   3 تعليقات

أيهما تفضل.. رغيفاً من الخبز وبعض القماش أم قطعة ذهب؟

لربما كان سؤالاً يدعو للإستغراب.. لكنك إن فكرت فيه لثوان فستكتشف أن المجتمع هو الذى يدعو للإستغراب. فقطعة الذهب لا يمكن أكلها ولا إرتداءها ولا سكنها ولا عمل أى شىء بها أكثر من صنع الحلى، بينما الخبز والقماش يمكن إستخدامهما فى تلك الأغراض. لماذا نفضل الذهب إذاً.. هذا المعدن اللامع الذى لا يفيد فى شىء؟

الإجابة: لاتفاق أفراد المجتمع على قيمته العالية

ففى الحقيقة لا يوجد ما يمنع -نظرياً- أن يأتى غداً لتجد أن الذهب أصبح فجأة بلا قيمة لا يريده أحد، ونفس الشىء بالنسبة للنقود الورقية “البنكنوت” لأى عملة من العملات المطلوبة عالمياً كالدولار. ما يعطى تلك الأشياء قيمتها هو إتفاق عام بين الناس فى زمن من الأزمنة، وبعدها يجد كل من يولَد فى ذلك العالم هذا الشىء مرغوب فيه وعليه أن يملكه ليتمكن من الحصول على الموارد الأخرى ذات القيمة الفعلية كالطعام والشراب والملابس والنساء والمنازل. وكان يمكن للذهب أن يستبدله أى شىء.. صدف البحر مثلاً أو ريش الصقور. وإن حاولْت الحصول على سلعة أو خدمة من أحد فى هكذا مجتمع مقابل إعطاءه ذهباً أو دولاراً لرفض لأن نظرته للذهب والدولار كنظرتك أنت لصدف البحر وريش الصقور.. مجرد زينة لا فائدة منها. فنجد أن القيمة هنا هى فكرة مجّردة كفكرة “الحق” مثلاً.. فالحق هو ما اتفق المجتمع على منحه إياك، لكن لا يمكننا تحديد قائمة بحقوق تكتسبها تلقائياً عند الولادة دون اتفاق المجتمع أو ذوى الكلمة فيه على ذلك

نأتى هنا للنقطة التالية والأقرب لحياتنا العملية.. وهى قيمة المنتجات ذات الأسماء “المَركات” المشهورة. فطالما تجادلت مع أصدقاء لى دفعوا ما يزيد عن الألف والألفَى جنيه فى سلع بسيطة كالنظارات والساعات والأحذية يمكن الحصول على مثيلاتها بمائة جنيه وأقل. أتهمهم بالجنون ويتهموننى بعدم الفهم، لكن الحقيقة هى أننا ننظر للأمور من زوايا مختلفة.. فأنا أنظر لتلك الأشياء من زاوية فائدتها العملية البحتة متسائلاً لماذا أدفع خمسين ضعفاً فى سلعة لمجرد إسم شركة تطبع عليها؟ بينما هم ينظرون للقيمة الإجتماعية لتلك الأشياء والتى يمكن مقارنتها عملياً بقيمة الذهب. فربما لا تكون السيارة المرسيدس مثلاً أفضل من السيارة الهُندا بعشرة أضعاف من ناحية الأداء، لكن كثيرون من أفراد المجتمع ينظرون لمن يمتلك المرسيدس نظرة إحترام وتبجيل وهيبة أكثر بعشرة أضعاف ممن يقود السيارة الهُندا! ولذا فالذى يدفع هذا الثمن الباهظ يشترى به المكانة الإجتماعية لا السيارة فقط

إن أعلى الشركات ربحاً هى تلك التى تنجح عن طريق الدعاية فى جعل مجرد طباعة إسمها على قميص كان يساوى خمسون جنيهاً يساوى خمسمائة جنيه، أو وجبة طعام تساوى ثلاثون جنيهاً بمائة، أو جهاز إلكترونى يساوى ألفاً بخمسة آلاف. ومن أوضح المجالات التى تتجلى فيها تلك الفكرة هى اللوحات الفنية التى تُباع بالآلاف والملايين رغم إمكانية الحصول على تقليد يماثلها تماماً عن طريق الكمبيوتر مجاناً تقريباً. فلماذا يدفع مشتريها ذلك المبلغ الضخم؟ فقط لأن الآخرين يتهافتون عليها ويقدرونها

وبصفة عامة فطالما كان هناك مكان لتقدم حقيقى فى سلعة أو خدمة فلن ينخلق تهافتاً على الإسم.. فلا يمكن تصور اهتمام الناس فى بدايات القرن العشرين مثلاً بإسم السيارة أو الساعة أكثر من أدائها عندما كانت صناعة السيارات والساعات بدائية نسبياً.. فالمطلوب كان سيارة لا يحترق محركها سريعاً أو ساعة لا تعطل بسهولة، بينما إتجهت الأنظار إلى الأسماء بعدما صارت جميع السيارات والساعات تعمل بكفاءة فكان لابد من التميز بشىء كالإسم

المثير فى ظاهرة تفضيل شىء ليس له فائدة على نظرائه هى وجودها فى كل نواحى الحياة مع أى شىء نادر تقريباً.. فالكَفيار مثلاً ذو قيمة عالية لندرته وليس لأن طعمه أفضل من البطارخ، والفاكهة الموسمية أغلى ثمناً لندرتها وليس لأنها ألذ من تلك التى تُزرع طوال العام، وفى الدول السمراء يتهافت الناس على الفتيات الشقراء بينما فى الغرب يفضلون الفتيات السمراء، بل وقديماً كان الناس يُفضلون المرأة السمينة لأن السمنة كانت صعبة التحقيق لندرة الطعام بينما يفضلون النحيفة الآن لانتشار السمنة وإتاحتها للجميع! كذا بالنسبة لأى شىء تاريخى مرت عليه مئات السنين حتى لو كان بلا فائدة اليوم وكان بالإمكان تصنيع مثيل يطابقه تماماً، فسيظل القديم “تحفة” ثمينة لندرته فقط

ولأن تفسير تلك الظاهرة العجيبة يرجع للطبيعة الإنسانية -المفتقرة للمنطق فى كثير من الأحوال- فسيستمر بقاؤها طالما إستمر الناس فى تفضيل أشياء بعينها على مثيلاتها لمجرد ندرتها أو لأنهم وجدوا آباءهم أو أقرانهم يقيموها بهذا الشكل وليس لأنها ذات قيمة حقيقية لهم. لكنى أخطىء عندما أستخدم لفظ “قيمة حقيقية”، فالذى نتعلمه من كل هذا والذى يعتبر حجر أساس علم الإقتصاد هو أن القيمة التى يعتبرها المجتمع حقيقية.. تكون حقيقية!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مايو 14, 2013 by حسام حربى in اقتصاد

3 responses to “قيمة الشىء تنبع من تقييم الناس له.. لا فائدته

Subscribe to comments with RSS.

  1. القيمة الحقيقية تأتي من المنطق العقلي

  2. السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    التفاهه ياسيدى الفاضل لها ناسها يعنى اللى بيشترى منتجات ماركة كل اللى يهمه انه يقعد مع التافهين امثاله ويتمنظر عليهم علشان التافهين اصدقائه ينبهروا بتفاهته ويبقى هو حديث الساعة فاكر الدنيا دار منظره حانقول اية ربنا يهدى سلام

  3. فعلا….. ما عدا الماركات المشهورة فى منتجات معينة يعنى مثلآ قارن بين كاميرة موبايل صينى وموبايل اى ماركة معروفة وهتعرف الفرق وده بالنسبة لمنتجات كتير لان الماركات دى اخذت سنين حتى كسبت ثقة العملاء

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: