كيف سيغير المستقبل اقتصاد العالم؟   1 comment

مستقبل المستقبل المجهول مجهول الغيب

شخصياً لا أستطيع مقاومة مقال أو نظرية تشرح آليات عمل أى مجال إقتصادى. كذلك تُغرينى بشدة المقالات المتحدثة حول سيناريوهات المستقبل وكيف سيكون شكل الحياة فى السنين والعقود القادمة. فإن جَمع مقال بين الإثنين فهذا يستحيل علىّ تركه يفلت من يدى! وأحببت اليوم أن أشارك معكم أحد أروع التحليلات الجامعة بين هذين الإتجاهين..

صاحب التحليل إسمه بيتر فريز وهو يحاول تصوّر ما سيكون عليه شكل الإقتصاد العالمى بعد مدة من الزمن حين يتسبب التقدم التقنى فى زيادة الإنتاج السلعى والخدمى بشكل رهيب، حيث سيُمْكن للآلات إنتاج أى شىء وبأى كمية دون الحاجة لأى عمالة تقريباً (وقد بدأنا دخول هذه المرحلة بالفعل). فكيف سيكون التوظيف إذاً؟ ومن سيمتلك الثروة؟ ومن سيمتلك القوة وصنع القرار؟ وكيف ستتشكل العلاقات الإجتماعية تحت هكذا نظام؟ يتخيل فريز السيناريوهات المحتملة وهى مبنية على عاملين أساسيين.. أولهما خاص بموارد كوكب الأرض، فهل سيخترع البشر طرقاً للتغلب على نقص العناصر الحساسة كالنفط والسِلِكُن أم انها ستنضب نتيجة الإستهلاك الجنونى؟ أما العامل الثانى فهو خاص بمستوى التوزيع.. فهل سيتساوى الناس فى امتلاك الثروة الطائلة التى ستخلقها التقنية أم ستحتكرها قلة قليلة؟ وبالتباديل والتوافيق ينخلق عندنا 4 إحتمالات:

1-أن لا تنضب الموارد، ويتساوى البشر:
وهذا سيخلق ما يشبه الجنة، حيث سيتاح كل شىء للجميع ولن يحتاج الناس للتنافس والتصادم والعمل إلا فى أضيق الحدود

2-أن تنضب الموارد، ولا يتساوى البشر:
وهو ما سيدفع الناس للتنافس والتطاحن بشكل غير مسبوق لامتلاك القليل المتبقى منها. فلو تخيلنا الحروب التى رآها الخليج على مدى الـ40 سنة الماضية لمجرد أن به احتياطى نفطى رغم تنأثر النفط على مستوى العالم فلك أن تتخيل كيف سيكون الحال لو لم يتبق على الأرض سوى بضعة آبار فقط. سيكون الوضع أشبه بما كانت عليه البادية وقت الجاهلية حين كانت القبائل تتناحر عن بكرة أبيها للسيطرة على بئر ماء لعدم كفايته إلا لقبيلة واحدة. ويَذكر الكاتب هنا فلماً إسمه “فى الزمن” يتصور نخبة محدودة العدد تمتلك ثروة وتقنية هائلة تُمَكنها من إعادة برمجة حمضها النووى بحيث تخلد للأبد ويختبئون على جزيرة، ثم دأبوا على برمجة الحمض النووى للعوام ليموتوا عند بلوغهم سن مبكر كى يضمنوا تفوقهم الدائم عليهم وعدم وقوع ثورة أو حتى وجود مَن لديه ما يكفى من الحكمة ليتفكر فى إحتمالية وجودهم فضلاً عن مكان تواجدهم

3-أن لا تنضب الموارد لكن لا يتساوى البشر (حيث تستمر الرغبة فى التنافس للحصول على المكانة الإجتماعية والتميّز):
وهذا سيخلق نظاماً “إستئجارياً”، حيث ستتكدس الثروة فى يَد من يمتلكون أفضل الأفكار ويؤجرونها للآخرين، ويجسد هذا النظام الآن مبدأ الملكية الفكرية. فيمكن اليوم مثلاً خلق ملايين النسخ من أغنية أو فِلم أو برنامج كمبيوتر دون تكلفة تقريباً، وبدأت بالفعل طابعات ثلاثية الأبعاد تسمح بإنتاج الكثير من الآلات المعقدة فى المنزل بسهولة بمجرد الحصول على رسمها الهندسى. لكن لو طالَب مصممو هذه الأشياء مَن يستخدمها بدفع “إيجار” يتمثل فى ثمن تذكرة السِنما مثلاً أو ثمن سى دى الأغنية مع القضاء على القرصنة الإفتراضية (“القرصنة الإفتراضية” هى عمل نسخ من فلم أو برنامج أو كتاب دون إذن صاحبها) فستتركز الثروة فى يد هؤلاء المنتجين، حيث لن يكون هناك حاجة للعمال العاديين الغير مبتكِرين لأن الكمبيوترات والروبوتات ستقوم مقامهم.. فكل ما يحتاجه العالم ستنتجه قلة قليلة من العباقرة تدعمهم الآلات، أما الباقون فلن تكون لهم حاجة ولا قيمة إطلاقا. وهذه الفكرة بالمناسبة هى سبب تأييدى العام لمبدأ قرصنة البرمجيات وعدم مساواتها بالسرقة، حيث يربح مبتكرو اليوم أضعاف ما كان يربحه مبتكرو الماضى، ولديهم ما يكفى من الحافز وزيادة للإبداع خاصة مع قضاء العولمة على فكرة المنافسة الحرة الحقيقية، فلماذا لاندع العوام المهمشون يستفيدون من إبداعهم بالمجان؟ “زِكا عن ذكاءك” على رأى شحاذو المحروسة!

4-أن تنضب الموارد ومع ذلك يتساوى البشر:
هذا السيناريو غير جدير بالذكر فى رأيى. فهو يمثل اليوتوبيا الشيوعية التى تخيلها ماركس لثورة العمال على الطبقة البرجوازية والتوزيع العادل للثروة المحدودة. ويرى الكاتب أن الأزمات العنيفة التى برزت فى الإقتصاد العالمى مؤخراً وما صاحبها من إعتراضات ومظاهرات قد تمثل مقدمة لهذا التحول كمؤشر لعدم رضا العامة عن الوضْع الحالى

وسأستغل الموقف وأضيف سيناريو خامس أتوقعه شخصياً، وهو..

5-ألا تنضب الموارد -أو استبدال ما سينضب منها- مع بقاء الوضع الإجتماعى والإقتصادى على ما هو عليه عن طريق تضييع طاقة الناس فى الوظائف الوهمية:
فلو تخيلنا القطاع التعليمى مثلاً على مستوى العالم اليوم لوجدناه قد صار يخدم نفسه فقط دون إضافة أى قيمة للقطاعات الأخرى فى معظم الأحيان. ونحن لا نتحدث هنا عن الطب والهندسة بل على “إدارة الأعمال” و”التجارة” و”التسويق” والتى صارت تمثل معظم التعليم على مستوى العالم، وذلك بالإضافة لأغلب التعليم المدرسى العقيم الذى يملأ رأس الطالب بعلم لا ينفع وجهل لا يضر. فهذه مجالات فى عمومها لا تفيد أحداً إلا أنها خَلقت طبقة كبيرة جداً تستفيد منها وهم المدرسون والأساتذة والإدرايون، وهم يستغلون إقبال العوام المتزايد على التعليم نتيجة ندرة الوظائف، والتى جعلت العمل البسيط الذى لا يحتاج إلا للقراءة والكتابة يتطلب اليوم شهادة جامعية أو حتى شهادة ماجستير. ومع استمرار تآكل الحاجة للوظائف بسبب التقدم التقنى ومع احتدام المنافسة على الوظائف المحدودة فسنصل لمرحلة تتطلب فيها أتفه الوظائف للدراسة لمدة ثلاثون وأربعون سنة على طريقة “مطلوب بواب يجيد الإنجليزية والفرنسية ولديه 2 دكتوراه فى علوم حراسة العقارات”، بالإضافة للإتجاه نحو المنتجات والخدمات الترفية مثل عمليات التجميل التى -وإن كانت تفيد صاحبها- إلا أنها تضر بالآخرين بجعلهم أقبح نسبياً أى أن عائدها النهائى على المجتمع صفر. وسأخصص خلال بضعة أسابيع بحثاً حول هذا الموضوع يشمل اقتراحات عملية لكيفية الإستفادة من التقدم التقنى لتقليل أيام أو سنوات العمل بدلاً من استبدالهما بالدراسة والوظائف الوهمية

وأنت أيها القارىء.. كيف تتوقع أن يكون شكل الإقتصاد والمجتمع فى السنوات القادمة؟

حسام حربى  – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted مايو 21, 2013 by حسام حربى in اقتصاد

One response to “كيف سيغير المستقبل اقتصاد العالم؟

Subscribe to comments with RSS.

  1. thank you

    مدير موقع بي اس آي جيرماني

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: