النظام المصرفى الحديث وخلق المال من الهواء   Leave a comment

يعترض الكثيرون لا سيّما الإسلاميون على النظم المصرفية الربوية الحديثة، متعللين فى ذلك بقيامها على أسس تأمين المُقرض الذى لا يتحمل أى مخاطرة عند استثمار أمواله وعلى استغلال المقترض المطالَب بسداد الديون والفوائد سواءاً ربح مشروعه أم خسر. وفى الواقع فإن هذين الإنتقاضين لا يمثلان أزمة النظام المصرفى الحديث، لأن الذى يؤجر أرضه أو بيته مثلاً يتربح من ذلك دون أخذ مخاطرة، كما أن الذى يقترض قرضاً حسناً إلى أجل مسمى يكون عليه سداده فى كل الأحوال حتى لو خسر مشروعه مراعاةً لحقوق مُقرضه الذى رتّب ظروفه على استرداد القرض فى وقت معين، بل ويحق للأخير المطالبة بغرامة -تقوم عملياً مقام الربا- لتعويض ما لحق به من ضرر جراء التأخر فى السداد، وهى حالة تطابق البيع بالأجل من الناحية العملية. إذاً ما هى مشكلة النظام الربوى؟

المشكلة ببساطة هى خلق المال من لا شىء

تعال يا عزيزى القارىء نتخيل قرية صغيرة مكتفية ذاتياً يقطنها مائة فلاح وتنتج مائة وجبة يومياً. سعر الإحتياجات اليومية للفرد جنيه واحد وهو سعر ثابت منذ سنوات لا يزداد ولا ينقص، وثروة كل فلاح عبارة عن جنيه واحد أيضاً يدفعها يومياً للآخرين ليشترى بها احتياجاته منهم. وعندما يفكر أحد الفلاحين فى فكرة جديدة تحسّن إنتاجية أرضه أو مواشيه يقترض من أقاربه وأصدقائه واعداً إياهم برد الدين مع نسبة من الأرباح فى أقرب فرصة. ظلت القرية على هذا الحال فترة طويلة تحيا حياة راضية.. إلى أن جاءها فى يوم من الأيام زائر مهندم الثياب، جاحظ العينين، معقوف الأنف، إسمه “كوهين”

وفى أزهى مكان بوسط القرية افتتح كوهين دكاناً كتب عليه “بنك الإئتمان الزراعى”، واعداً أهالى القرية بالأمان التام إن حفظوا أموالهم لديه. وفى ليلة الإفتتاح أقنع العمدة بضمان أموال المودعين معه كى يطمئن له الناس مقابل إقراض العمدة فى حال ما “اتزنقت” ميزانية القرية فى قرشين، ونتيجة لذلك نجح المصرف فى جمع عشرة جنيهات كاملة قبل مرور أول أسبوع. لكن كوهين استأذن العمدة بالسماح له بإقراض الأهالى تسعة جنيهات من العشرة المودَعة مقابل فائدة، معللاً طلبه باستحالة سحب المودعين لجميع أموالهم فى نفس الوقت، ومضيفاً بأن زيادة الأموال المتاحة للإقراض ستمكّنه من خفض سعر الفائدة وزيادة أرباحه وبالتالى زيادة ضرائبه التى يدفعها للعمدة الذى اقتنع سريعاً بوجهة نظره أول ما ذكر موضوع الضرائب

طيب حتى الآن لدينا صورة مشرقة وداعية للتفاؤل، لكن دعونا نتأمل الذى سيحدث فور بدء كوهين إقراض الفلاحين..

فرح المقترضون بما معهم من أموال وسارعوا بإنفاقها على لوازم إستثمارية واستهلاكية، لكن المودعون لم يفتأوا هم أيضاً عن الإنفاق بل استخدموا صكوك رصيدهم البنكى -المضمون من العمدة- كبديل عن البنكنوت العادى! ونتيجة لذلك صارت كمية الأموال المتاحة للأهالى فجأة 109 جنيهات بدلاً من الـ100 المعتادة. وعلى إثر ذلك هجم المشترون على الدكاكين والحوانيت فنفدت المؤن اليومية من الأسواق قبل المغرب ولم يُجدِ وقوف الناس فى الطوابير الطويلة لشراء ما يحتاجون، لأنه ببساطة لم يكن هناك ما يكفى من إنتاج لتغطية طلباتهم التى زادت بمقدار العًشر عن اليوم السابق. وفى اليوم التالى حدث ما لا مفر منه: زادت الأسعار بنسبة 9% للإستفادة من الزيادة المالية ولضبط تهافت الشراء.. وهو ما يُسمى بالتضخم. وفى اليوم الذى يليه زادت أموال المودعين عند كوهين إلى 11 جنيها بدلاً من عشرة لتبدأ الدورة من جديد..

والآن تعال معى أيها القارىء نحلل الموقف من جوانبه المتعددة.. أولاً من الناحية الإنتاجية فالقرية ما زالت كما هى، أو فى أحسن الأحوال فالزيادة الحادثة فى الإنتاج موازية للزيادة فى السنوات السابقة أى أن القرية لم تستفد شيئاً من الناحية التصنيعية البحتة. أما من الناحية المالية فقد صارت عندنا زيادة فى الأموال المتاحة للإقراض والتى خُلقت من لا شىء مما أدى لزيادة الإنفاق ومن ثَم زيادة الأسعار بنفس النسبة. يعنى يمكننا القول مبدئياً أن القرية لم تربح شيئاً ولم تخسر شيئاً بقدوم كوهين

لحظة.. هناك بضعة نقاط هامة لم تؤخذ فى الإعتبار بعد..

أولاً لقد نسينا أن التضخم لم يقع أثره على الجميع بنفس القدر. فالذين تسلموا الأموال الزائدة (المقترضين) صرفوها فى الصباح الباكر قبل زيادة الأسعار، واستفاد الذين باعوا سلع لهؤلاء المقترضين مباشرة كذلك -وإن كان بنسبة أقل- لأنهم قبضوا أموالهم قبل العصر، بينما كان أبعد الناس منهم فى الدورة المالية هُم مَن “لبسوا” فى الزيادة السعرية بحلول المغرب نظراً لعدم زيادة دخولهم بنفس النسبة. أى أنه حدث تغيير غير مبرر فى توزيع الدخول أفاد أناساً وأضر بآخرين. ويمكننا تلخيص هذا بكونه عملية سرقة مستترة وإن كانت بلا ضحية محددة تماماً كما فى حالة تزوير الأموال. فما يحدث عملياً هو خفض سعر الفائدة على المقترض بينما مَن يدفع الفارق هو المتضرر من التضخم. والنتيجة الحتمية هى حاجة مَن نقصت قيمة أموالهم بالتضخم للإستدانة من البنوك أيضاً كى يسدوا عجزهم حتى تُفرج، مما يرفع التضخم مرة أخرى وهلم جرة!

ثانياً فقد تجاهلنا فتح شهية العمدة على الصرف وعدم ضبط ميزانية القرية مادام حبيبه كوهين يمده بكل ما يحتاج من أموال أولاً بأول لبعزقتها على أية مشروع يخطر بباله حتى لو كان بلا جدوى.. والفوائد تتراكم وتتراكم على القرية لكن العمدة لا يكترث لأن من “سيلبس” فيها هى الأجيال القادمة، بينما ابتسامة كوهين لا تزداد إلا اتساعاً لأن رصيده لدى القرية فى إزدياد مستمر. وليس العمدة وحده بالطبع هو الذى سيَضعف أمام إغراء المال بل سيقع معظم سكان القرية فى فخ الإستهلاك السريع منخفض الفائدة بأكبر من طاقتهم ويصير الوضع الطبيعى تدريجياً هو وقوع الفلاح العادى فى فخ ديون تصل قيمتها إلى دخله لمدة سنة ثم سنتين ثم عشرة.. إذ كلما عجز عن سداد دَينه سده بدَين أكبر منه

ثالثاً فقد غفلنا عن كوهين وأرباحه الضخمة والتى ستمكنه من سحب بعض العمال من الأنشطة الزراعية والصناعية المنتجة لتوظيفهم عنده (بعد تلميعهم ورَشّهم بالكلونيا وربط أعناقهم بالكرفتات) كى يقوموا بالأعمال المكتبية وحساب الفوائد وفوائد الفوائد وملاحقة المتأخرين عن السداد قانونياً الخ، وأيضاً للقيام بالأعمال التسويقية المتمثلة فى إقناع الفلاحين الآخرين بالإقتراض من مصرفه. وكرقم واقعى فإن نسبة العاملين بالقطاع المالى بأمريكا تربو على 4% من القوة العاملة ويوازى دخلها 8% من الناتج المحلى (والسبب هو الدعم الحكومى القوى من أموال الضرائب). لا يمكننا إدعاء أن جميع ما يقوم به هؤلاء الـ4% بلا فائدة طبعاً وإنما هناك نسبة لا تستهان بها منهم لا فائدة من عملها البتة للمجتمع بل وضرها أكبر من نفعها

هذه المشاكل الثلاث أيها القراء الأعزاء هى ما تميّز مجتمعات اليوم  -الغربية منها والشرقية- التى تبنت النظام المصرفى الحديث. فما بين موظف ذو دخل ثابت يخسر بعضاً من أمواله فعلياً بسبب التضخم، وبين فتح الباب على مصراعيه للأفراد وللحكومات للإقتراض بما لا طاقة لهم بسداده غداً وإغراقهم فى دوامة الديون والفوائد المركّبة، وبين فقدان المجتمع عموماً لعدد كبير من العمالة والمهارات التى سُخّرت فى بيع الوهم والأونطة للناس بدلاً من اشتغالها بوظائف منتجة، تخسر الأغلبية العظمى من المجتمع ببقاء هذا الوضع بينما تجنى قلة قليلة أرباحاً طائلة وأولهم بالطبع صديقنا العبقرى كوهين، والذى ستغدو له لاحقاً قوة سياسية وسطوة مالية ونفوذ إعلامى لا يُضاهَى بحيث يتمكن فى النهاية من السيطرة تماماً على العمدة والقرية بأكملها من وراء الستار. وبتلك السيطرة يدفعها لهدر الأموال فى مشاريع لا طائل من ورائها كى يتم تمويلها من قروض مصرفه، وبعد انفتاح شهيته أكثر يدفعها لخوض حروب مع القرى المجاورة كى تضطر جميع أطراف الصراع للإستدانة منه لتغطية نفقات الخراب المستعجل!

ولذا فإن نظْرنا نظرة بعيدة الأمد لمستقبل مجتمعنا نجد أنه بالإمكان جمع التيارات المختلفة ما بين إسلامى وعلمانى ويسارى على كلمةٍ سواء.. وهى أن فكرة تحصيل فائدة على القروض بحد ذاتها ليست مشكلة، بل هى أبسط حساباً وأقل عرضة للتلاعب من فكرة المشاركة والمرابحة، كما أنه فى حالة تجريم الربا الصريح يتحايل الناس بتعاملات بديلة كالبيع بالأجل وغرامات التأخير. لكن المشكلة تكمن فى السماح للمؤسسات المالية المستثمِرة بخلق إئتمان يوازى فى قوته قوة العملة الرسمية المضمونة من الحكومة.. مما يخلق أخطبوطاً مصرفياً تمتد أذرعه بالتدريح لتسيطر على جميع نواحى الحياة

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted يونيو 4, 2013 by حسام حربى in اقتصاد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: