فائدة الأغنياء.. وحكاية هريدى مع ضرائب الدخل   2 تعليقان

تعال يا عزيزى القارىء أحكى لك اليوم قصة من تأليف العبد لله تهدف لشرح مساوىء النظام الضريبى الحال.. وهى عن عن فلاح اسمه هريدى يعيش فى قرية صغيرة بصعيد مصر. اكتشف صاحبنا هريدى ذات يوم وهو يغتسل مردداً “أنا كل ماجول التوبة يا بوى” أنه يمتلك موهبة غنائية فذة لا مثيل لها فى قريته ولا القرى المجاورة.. فأخذ رأى زوجته خضرة فى كيفية استغلالها، فأشارت عليه بإقامة حفل غنائى ضخم على طريقة دى-جيى أهل البندر، على أن يأخذ على كل راس تحضر الحفل خمسة جنيهات. وبالفعل قام هريدى بنشر الملصقات فى أنحاء القرية وأوصى الحاضر بإبلاغ الغائب عن إقامة حفل لم يسبق له مثيل فى كوم أبو طشط..

وجاء اليوم الموعود ونجح الحفل نجاحاً مدوياً وجمع هريدى ما لا يقل عن 500 جنيه بعد دفع أجور المطبلاتية. أشارت زوجة هريدى الأروبة عليه أن يضع النقود فى مصرف قرية مجاورة كى لا يكون مطمعاً لأهل قريته ذوى العيون المستديرة، لكنه أكّد لها بصوته الذى بُح من كثرة الصراخ والعويل فى الليلة السابقة نيته فى استثمار معظمها كمقدَّم لجرار زراعى يساعده فى حراثة الحقل وأنه لا نية له فى تهريبها للخارج، وأسرّ لها أيضاً أنه سيتبرع ببعضاً منها غداً لخالته الوحيدة العجوز

فى اليوم التالى فوجىء هريدى بطرق شديد على الباب، ولما فتح وَجد العمدة يهمزه ويغمزه لأنه أصبح من الأثرياء ويطالبه بـ200 جنيه ضرائب دخل. كانت وجهة نظر العمدة أن القرية تحتاج لنقود لتسوية طريق جديد وشق ترعة جانبية وإقامة عواميد نور وتعليم العيال فك الخط وتعيين غفر جديد تحت قيادة العمدة “لحفظ الأمن”، وقال أنه لولا هذه “البنية التحتية” لما تمكن هريدى من بيع التذاكر ولا جمع المال. وإستطرد فى همز وغمر هريدى محملقاً فيه يعينيه الجاحظتين ومؤكداً أن الله أنعم عليه بنعمة كبيرة لم يعطها لكثيرين وهى صوته البلابلى وبالتالى فإن عليه مشاركة المحرومين منها ببعض ثمرة نجاحه

رد هريدى على العمدة قائلاً بأن كل هذا ليس من شأنه وأنه يرفض دفع أى مبلغ بخلاف الـ100 جنيه التى جمعها العمدة ممّن حضروا الحفل  بالأمس كضريبة استهلاك خدمات، وكأن ذلك لم يكن كافياً لحرق دم العُمدة فقد أضاف هريدى بتناحة أنه كسب المبلغ بمجهوده وتخطيطه وضحى بوقت راحته بينما كانت تغط بقية القرية فى سباتٍ عميق ومن ثَم فليس لهم الحق فى ولا مليم أحمر منه. زاد هريدى أنه أخَذ مخاطرة عندما أنفق بعضاً من مدخراته للتحضير للحفل، وأنه فى حالة فشله ما كان العمدة سيعطيه مليماً أحمر عوضاً عن خسارته تلك وبالتالى فمن حقه الإستمتاع بالنجاح وحده كما كان “سيشيل” الفشل وحده، مما إعتبره العمدة أنانية منه وصفاقة أيضاً. اختتم هريدى كلامه للعمدة بإقتراحه أن تؤخذ الأموال التى تحتاجها القرية كنسبة على مَن ينفقونها (ضريبة إستهلاك) لا مَن يربحونها (ضريبة دَخل) لأنه ينوى إستثمارها وليس بعزقتها كما فعل ابن العمدة سويلم عندما باع جاموسته وصرف كامل ثمنها بالبندر على راقصات شارع الهرم

إحتد النقاش بين الإثنين حتى خرج العمدة غاضباً، وتحت شمس الظهيرة الحارقة جمع الفلاحين وأخبرهم بقيمة ما ربحه هريدى، وسألهم فى لهجة تحفيزية تشبه تلك التى صاح بها نور الدين فى جنوده قبل مهاجمة الصليبيين “معجولة نسيب الواد هريدى الجِعِرّ يكسب لوحده 500 جنيه بحالهووووووووووم؟؟” فثارت ثائرة الفلاحين وبرشطوا جميعاً على منزل هريدى فى هجمة رجل واحد كالتتار وانتزعوا منه 200 جنيه كمساهمة “تطوعية” فى مصاريف إدارة القرية وتحسين الخدمات بها، وتركوه يبكى ويندب حظه لعدم سماع كلام خضرة التى أخذت بتكبيته على طريقة مش قلتلك، مع إخفاء إحساسها بالإشفاق عليه وعلى بختها المايل أيضاً لأنها تزوجت فلاحاً ساذجاً مثله

توتة توتة خلصت الحدوتة

وسؤال القصة يا عزيزى القارىء هو.. هل كان تصرف أهل القرية عادلاً؟ وهل يُعتبر وجود 500 جنيه مع هريدى مبرراً لدفعه أضعاف نصيبه العادى فى مصاريف إدارة القرية التى يستفيد الجميع منها بصورة متساوية؟ رأيى أن الإجابة هى لا، لكن رأْى معظم حكومات العالم وبصورة متزايدة منذ حوالى 200 سنة -حين اخترع وليَم بِت ضرائب الدخل لمحاربة نابليون- أنها نعم، وأن على الغنى أن يدفع ليس فقط نسبة ثابتة من دخله بل نسبة تصاعدية فى هيئة شرائح ترتفع مع ارتفاع الدخل

وهذه -فى رأيى- سرقة علنية.. فبافتراض أنك أغنى منى مائة مرة لكنك لا تستهلك من موارد المجتمع أكثر منى سوى عشر مرات والباقى تستثمره أو تتصدق به، لماذا تدفع أكثر منى مائة مرة فى مصاريف تنظيف وإدارة الشوارع مثلاً إن كنا نسير نحن الاثنان فيها، علماً بأن هذا الغِنَى جاء نتيجة تضحيات ومخاطرات قمت أنت بها أو قام بها أبوك وجدك بينما لم أقم أنا بها ولا قام بها أبى وجدى؟ ولماذا تُجبر على المساهمة بنصيب أكبر منى مائة مرة فى مصاريف الدفاع عن البلد ضد الغزو الأجنبى (أو مصاريف غزو بلدنا لبلد أجنبية فى حالة الدول الإستعمارية) مادمنا نستفيد معاً من هذا الدفاع؟ بل ربما أستفيد أنا كفقير أكثر منك لأن بإمكانك كَثَرِِىّ الهروب من البلد فى حالة وقوع كارثة بينما أنا الذى سيعانى من ويلات الحرب. لا يوجد مبرر لهذا المنطق العجيب سوى ما قاله العمدة والذى تردده الحكومات اليوم أيضاً وإن كان بصورة أقل صراحة: “معجولة نسيب الواد هريدى الجِعِر يكسب لوحده 500 جنيه بحالهووووووووووم؟؟”

ولتحليل الأمر من الناحية الاقتصادية البحتة وليست الأخلاقية فنتأمل التأثير الذى تركه حفل هريدى على القرية وما كان سيحدث لو لم يسطو العمدة على أمواله: بادى ذى بدء فإن حفله كان له تأثير سلبى على المساواة فى القرية.. فبدلاً من أن يكون لكل الفلاحين نفس الدخل ونفس الثروة تميَّز احدهم عن الآخرين الآن، وتأثير ذلك التميُّز هو الحقد والحسد وشعور الأهالى بأنهم أقل من هريدى وعدم قناعتهم بمستوى دخولهم الذى كانوا راضين عنه تواً. طيب وماذا عن الآثار الإيجابية والمحايدة؟ تتلخص فى ثلاثة مصارِِف محتملة لهريدى لما ربحه من الغناء:

1-أولاً الإستهلاك، كأن يشترى طعاماً أو ملابساً أو أثاثاً لبيته.. وهذا بمثابة تأثير محايد تماماً فلا هو أضر بقية القرية ولا أفادها لأن الفلاحين كانوا سيصرفون نفس المبلغ فى الإستهلاك أيضاً لو لم يذهبوا لحفلته
2-الإحتمال الثانى هو الإستثمار.. أى إنفاق النقود كما كان يخطط لشراء جرار زراعى. ولهذا تأثير إيجابى لأنه يعود عليه بالنفع أولاً، وعلى القرية التى سيصرف فيها دخله الزائد والبندر الذى سيستهلك محصوله الزائد ثانياً
3-أما المصرف الثالث فهو الصدقات والهدايا والعزومات أى وصول نفع ما معه إلى غيره دون بذل جهد، وهذا لا يختلف عليه أحد فى تأثيره الاجتماعى المتميز

وماذا أيضاً عن آثار الضرائب النفسية؟ جبى ضرائب على هريدى وغيره بناءً على مستوى دخولهم قد يضعف من عزيمتهم على العمل.. فهل تتشجع يا عزيزى القارىء على العمل والاجتهاد إذا علمت بأنك ستخسر 20% من دخلك بل وستزداد تلك النسبة مع زيادة الدخل أكثر أم إذا علمت أنك ستحتفظ به كاملاً لنفسك؟

من أجل كل ذلك فالمرجح أن وجود أغنياء فى المجتمع -وإن كان له أثر سيئ على المساواة- إلا أن له مميزات كثيرة لأنهم أكثر الطبقات استثماراً وتصدقاً. طبعاً قد تتمركز وجهة نظر الشيوعيون مثلاً على أن شعور الناس بالرضا أهم من الاستثمار.. فما فائدة كنوز ومشاريع الدنيا اذا كانت الناس ساخطة على حياتها لأنها ترى دائماً أضعاف ما معها بيد غيرها؟ لكن الإجابة على ذلك التساؤل سهلة وهى تتلخص فى أنه حتى وإن طَبّق 90% من دول العالم النظام الشيوعى “التكافلى” فإن الـ10% الرأسماليين سيتسببون فى إصابة الباقين بالحقد والسخط أيضاً بسبب تميز أسلوب حياتهم عنهم على طريقة نظرة المصريين أيام الاشتراكية للعالم الغربى الذى كان يأكل “شكليطة” لها طعم ويشرب “كازوزة” خالية من الحشرات

ثم إن عدم مساواة الشعوب أسوأ من عدم مساواة الأفراد لأن الدول الغنية المترفة عادة ما يصيبها الغرور وتبدأ بالتجبر والضغط على أو حتى غزو الدول الفقيرة مما ينتج عنه مزيداً من الفقر والمعاناة، وقد ثبت تاريخياً من تجارب محمد على وعبد الناصر والإتحاد السوفيتى أن الدول الحرة تكون لديها جيوش ونفوذ أقوى كثيراً من الدول الشمولية الجاثمة على أنفاس شعوبها.. إذاً فمن الناحية العملية من الأفضل أن يسير العالم كله وفقاً للنظام الرأسمالى لاستحالة توحيده خلف النظام الشيوعى أو الإشتراكى

هل يعنى هذا أننى أقترح دفْع هريدى لضرائب مثله مثل عم عثمان البواب المعدم؟ بالطبع لا.. لكنه سيدفع على ما يستهلك وليس ما ينتج، وهذا هو موضوع مقالنا القادم..

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted يونيو 11, 2013 by حسام حربى in اقتصاد

2 responses to “فائدة الأغنياء.. وحكاية هريدى مع ضرائب الدخل

Subscribe to comments with RSS.

  1. انا مش عايز اى حاجة من الدولة غير انها تسيبنا فى حالنا ….. وهى فين الخدمات اصلا ده انت عشان تعمل محضر فى الشرطة بتتدفع فلوس ” وعشان تشترى سيارة تشغلها تدفع 10000 جنيه للمرور ده غير الجمرك ….. ولو معاك ارض فاضية بتدفع ضرائب كل سنة…. وعداد المياه 4000 جنيه دلوقتى ……. وعداد الكهرباء 1000 جنيه….
    (سرقة علنى) ده انا استلمت ورقة صغيرة اسمها نموذج 6 جند ب 50 جنيه … وحاجات كتير تحسسك ان عصابة ماسكة البلد

    • بالضبط يا وائل.. و”تركنا فى حالنا” هو أساس فلسلفة السوق الحر، مما يعنى أنك ستقرأ ما يسعدك فى المقالات القادمة لتركيزها على هذه النقطة بالذات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: