الضريبة السلعية الموحدة هى الحل   6 تعليقات

النظام الضريبى الحالى معقد بغير ضرورة

(تنبيه: مقال دسم بعض الشىء لا يُنصح بقراءته لمن لا يملك خلفية اقتصادية)

أقرت الحكومة فى مايو الماضى قانون ضريبة الدخل الجديد، والذى بمقتضاه يدفع المواطنون الضرائب بناءاً على شرائح دخول مختلفة عن تلك المنصوص عليها فى القانون القديم. فصار الدخل المتعدى 5000 جنيه سنوياً عليه  ضريبة 10%، والمتعدى الـ30 ألفاً عليه 15%، و45 ألفاً 20%، و250 ألفاً 25% (مع بعض الشروط). لكن هل ضريبة الدخل على الأفراد هى الطريقة المثلى للجبى؟ هل يستطيع المواطن العادى حساب كل الإعفاءات والإستثناءات دون خطأ أو تهرب متعمد أولاً، ودون إضاعة الكثير من الوقت والجهد ثانياً؟ أعتقد أن الإجابة بالنفى.. فما البديل؟ البديل أنه مادام الخباز يحتاج لطحان، ومادام الطحان يحتاج لفلاح، ومادام آلاف وملايين الفلاحين يبيعون انتاجهم لبضع شركات عملاقة محدودة ومعروفة.. فإنّ فرْض الضرائب على هذه الشركات فقط يكون بمثابة فرضْها على الدولة بأسرها بأقل التكاليف وأدق الحسابات وأبسط القواعد!

نعم يا عزيزى القارىء لا تتعجب.. فهذا المبدأ البسيط هو كل ما نحتاجه للتخلص من مشكلة الضرائب وما يستتبعها من تعقيد وحسابات وتهرب وتزوير ورشاوى وسجن إلى آخره. يمكن تجنب كل ذلك بتشديد الرقابة على النقاط المحورية فى الإقتصاد السلعى أو ما يعرف بـ”نقاط الخنق” فقط، وجبى نسبة ضرائب مرتفعة للغاية منها تتوزع شلالياً (من فوق لتحت) على باقى المجتمع بالتساوى الذى تفرضه المنافسة فنصل فى النهاية لنفس نتيجة ما يسمى بضرائب القيمة المضافة. ولنشرح الفرضية التى يقوم عليها الإقتراح نلفت النظر إلى بضع نقاط هامة..

أولها أن هذه الضريبة المقترحة ستكون على الإستهلاك فقط وليس على الدخل. بمعنى أن رئيس مجلس الإدارة لو استهلك كما يستهلك الفراش فسيدفعا نفس الضريبة تحت هكذا نظام. وهذه فى رأينا طريقة أكثر عدلاً ومنطقية من فرض الضرائب على الدخل مباشرة كما بينّا فى مقال سابق

النقطة الثانية هى أنه تحت هذا النظام سيتم استثناء الكثير من الضرائب الجانبية الصغيرة المعقدة ومن ضمنها كل بيع متكرر (كشقة ارتفع ثمنها أو سيارة مستعملة) أو نفع يأتى دون إنتاج سلعى كإيجار أو امتلاك مسكن باهظ الثمن حيث سيتم جبيها على الإنتاج الأولى للعقارات والمنقولات وبعض الخدمات فقط

النقطة الثالثة هى رد استباقى على الاعتراض المحتمل القائل بعدم شمولية هذا النظام.. حيث لا تخضع كل السلع لتوزيع نقاط الخنق المركزية لأن بعضها يتنأثر بين عدد كبير من المنتجين والموردين. ولهذه الأطروحة نقول أنه لا يلزم بالضرورة فرْض الضرائب على كل السلع بلا استثناء.. بل يكفى فقط فرضها على عينة ممثلة من المنتجات المستهلَكة فى المجتمع مما سيؤدى لتوزيع كلفتها طبيعياً على كل أفراده سوءاً استهلكوها مباشرةً أم لا، لأنهم بطبيعة الحال سيتعاملون مع مَن يستهلكها أو مع مَن يتعامل مع من يستهلكها. ولذا فكل ما يلزمنا هو اختيار سلة سلع شاملة (كسلة قياس التضخم) يزيد استهلاكها مع زيادة دخل الفرد، فلا يمكننا فرض الضريبة الموحدة المقترحة على المياه مثلاً لأنها وإن كان يستخدمها الجميع إلا أنهم يستخدمونها بصورة شبه متساوية مهما ارتفع دخلهم. ولا على السيارات فقط لأن هناك من الأغنياء من يهوى الفيلات الفاخرة أكثر من السيارات. وبالتالى فالضريبة الموحدة وإن كان لا يلزمها شمول جميع السلع المنتَجة إلا أن عليها محاولة الإلمام بأكبر قدر منها. ولو اقتصرَت على تلك السلع التى بها “نقاط خنق” مركزية فقط تُحصل منها الضريبة لكان كافياً. ومن أمثلتها هى المنتجات التى تنتجها مصانع ضخمة معدودة كالملابس والتشييد والوقود والسيارات والأدوات المنزلية والسجائر، إضافة لبعض الخدمات المتمركزة فى أماكن محدودة ومعلومة يمكن حصر دخلها بسهولة مثل شركات الإتصالات والمدارس والجامعات

أما النقطة الرابعة والأخيرة فهى أن أى اقتصاد لا يتكون من سلع فقط بل سلع وخدمات.. ولذا فأكبر اعتراض سيخطر فى بال القارىء النابه سيكون عن كيفية فرض الضريبة على الخدمات إذاً، فللوهلة الأولى يبدو أنها لن تحاسَب مطلقاً. وردنا على هذا قريب من الرد على النقطة الثالثة.. فحتى بافتراض تركّز نمط استهلاك نسبة من أفراد المجتمع على الخدمات دون السلع إلا أن هؤلاء الأفراد يتعاملون حتماً بطرق مباشرة وغير مباشرة مع آخرين يتركز استهلاكهم على السلع دون الخدمات. وهذه الفئة الأخيرة ستزيد من مطالبها عند التعامل مع تلك فتتوزع الضريبة فى النهاية بصورة متساوية تفرضها قوى المنافسة التى تمنع أى تاجر أو صانع أو عامل من المبالغة فى مطالبه خوفاً من فقدان زبائنه لصالح منافسيه الذين تقل مطالبهم عنه (أساس فلسفة السوق الحر). لكن الفارق هو أن هذا التوزيع سيتم بصورة طبيعية دون التدخل الحكومى الجبرى وما يستتبعه من نفقات مالية واجتماعية ضخمة للغاية

والآن سنضرب مثالاً رقمياً بسيطاً يوضح تأثير النظام المقترَح..

سنتخيل جزيرة صغيرة بها حاكم وشخصين فقط يمثلان عصب اقتصادها. أحدهما فلاحاً يزرع (سلع) والآخر طبيباً يعالج (خدمات). لا يستهلك الفلاح سوى خبرة الطبيب (أى أن نسبة انفاقه تميل يشدة ناحية الخدمات)، ولا يستهلك الطبيب سوى فاكهة الفلاح (أى أن نسبة انفاقه تميل يشدة ناحية السلع). فى الوضع الطبيعى يربح كل منهما مائة جنيه شهرياً من الآخر ينفقها لسداد مصاريف الآخر أيضاً، وكان حاكم الجزيرة يحصّل من كل منهما عشرة جنيهات ضرائب ينفقها لشراء الفواكه من الفلاح والعلاج من الطبيب نظير تعليمه لهما بالمجان علماً لا ينفع وجهلاً لا يضر، إضافة إلى تعقيد حياتهما بقائمة طويلة من القواعد والقوانين التى لا يتذكر هو نفسه معظمها وذلك كى لا يقال أن الجزيرة “سايبة”. وهكذا فالناتج القومى الشهرى المتوسط لتلك الجزيرة النموذجية هو 200 جنيه وحصيلة الضرائب 20 جنيه

ثم فى يوم من الأيام المشمسة زار الحاكمَ صديقهُ المصرى والذى تصادف أنه كان من متابعى مدونة حسام حربى، فحكى له أثناء دردشتهما عن مقالته الداعية لتوحيد الضرائب على السلع فقط.. واقترح عليه بدلاً من الجرى وراء الطبيب طوال الشهر ليرى عدد المرات التى عالج فيها الفلاح واحتساب ثمن الفيزيتا فى كل زيارة -والتى قد يخدعه الطبيب فيها- حلاً أسهل كثيراً وهو أن يزِن الإنتاج المحصولى للفلاح ثم يضربه فى متوسط ثمن البيع السوقى “بالكيلو” ويفرض عليه ضريبة مضاعفة، أى يأخذ منه 20% بدلاً من الـ10% الأصلية ولا يأخذ من الطبيب شيئاً والنتيجة واحدة. وفعلاً اقتنع الحاكم بهذه الفكرة وشرع فى تنفيذها

اعترض الفلاح بشدة على هذا الظلم وتظاهر أمام منزل الحاكم مهدداً بالإضراب عن الزراعة بل وإشعال النار فى كوخ الطبيب، إلا أن الحاكم وصديقه الزائر والطبيب تجمعوا عليه و”أقنعوه” بالرضا بما قُدر له وعدم إثارة المشاكل مرة أخرى

فى اليوم التالى فوجىء الطبيب بسعر الفاكهة يقفز 10%. وعندما تساءل عن سبب ذلك قال له الفلاح أن هذه هى قيمة الضريبة الجديدة وأنه قرر تحميلها للطبيب (للمستهلِك) بالكامل. تشاجر الإثنان وعلا صوتهما.. فهدد الطبيب بالإبحار يومياً للجزيرة المجاورة لشراء طعامه ما لم يخفض الفلاح السعر فرد الأخير بأنه إن فعل ذلك فسيلجأ هو للسحر والشعوذة ليعالج نفسه بدلاً من الطب. وفى النهاية وبعدما هدأت النفوس وفى ظل غياب كامل للحاكم الذى كان يستجم بوقته على الشاطىء اتفقا على إقرار الزيادة لأن الطبيب زاد دخله بنفس النسبة بعدما حَلّ الحاكم عنه وتفرغ للفلاح المسكين فقط

وهكذا يا عزيزى القارىء نجد أن تطبيق نظام الضرائب على “نقاط الخنق” يأتى بالنتيجة النهائية للنظام المعتاد من حيث الأسعار، إذ أن مقدمى الخدمات المعفية سيضطرون لرفع أسعارهم كما لو كانت تُجبى عليهم ضريبة تماماً، إلا أن هذا النظام يوفر على الدولة كثيراً من ناحية البيرقراطية وإمكانية التهرب والغش، حيث يحملّ كل ذلك على قوَى السوق الطبيعية التى تتولاها بتوزيع عادل بلا تدخل جبرى صناعى مكلّف. ومن هنا نوجه رسالة للحكومة بأخذ هذه الفكرة على محمل الجد لما فيها من مصلحة لجميع الأطراف

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted يونيو 22, 2013 by حسام حربى in حكم وإدارة

6 responses to “الضريبة السلعية الموحدة هى الحل

Subscribe to comments with RSS.

  1. كده انا فهمت ………………….
    فى حاجة غريبة بتحصل معايا …. ممكن يكون عندك لها تفسير ……….. انا بدرس فى معهد عالى(مش عالى اوى) فى مواد بجاوب فيها اجابات نموذجية ومع ذلك بجيب تقدير مقبول، العكس بيحصل مع ناس متبحضرش غير يوم الامتحان ومع ذلك بتجيب تقدير جيد جدا وممتاز ……. يا ترى ايه السبب…………….. طبعأ معظم طلاب المعهد غشوا فى الامتحان دى حاجة معروفة

    • هاتلاقيه معهد حكومى وبالتالى يستغل الموظفين فيه سلطاتهم أسوأ استغلال لغياب الرقابة والحافز.. ودى من أسباب اعتراضى على التعليم الحكومى كله كما سيظهر فى المقالات القادمة

  2. كنت اريد ان اعرف رأيك فى ما يحدث مصر الان ………… لان مش فاهم حاجة خالص

  3. لم افهم كلمة “نقاط الخنق” ما معناها” ………….

    • خذ مثلاً صناعة الملابس.. عندك مليون فلاح يزرعون القطن، وآلاف المحلات يبيعون الملابس، لكن مائة مصنع فقط يصنعون تلك الملابس بالقطن.. إذاً فيكون المائة مصنع هؤلاء هم “نقاط الخنق” بالنسبة لصناعة الملابس.. يعنى عدد محدود جداً مقارنة بالتوزيع الكبير الخاص بباقى خط الإنتاج والبيع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: